خالد العظم.. المليونير الأحمر أكفأ القادة السياسيين في فترة ما بعد الاستقلال

صُنّاع الاستقلال في سوريا /5/

لماذا حاول حزب البعث طمس تاريخ خالد العظم الوطني، وتقديم صورته على أنه كان رجلاً سياسياً براغماتياً؟ ولماذا قُدِّمت شخصيته فيما بعد كشخصية إشكالية وغامضة في تاريخ سوريا المعاصر؟

الأيام السورية؛ خالد علوش

ربّما لا يوجد في تاريخ سوريا المعاصر رجلٌ حمل إشكالياته السياسية معه، مثلما فعل خالد العظم. لقد تضاربت الآراء في وصفه، فبعضهم اعتبره مليونيراً أحمر لعلاقاته مع المعسكر الاشتراكي الاتحاد السوفيتي وآخرون اعتبروه رجلاً رأسمالياً متزمّتاً وجشعاً بسبب تاريخ عائلته الاقتصادي، والعسكر لم يحبوه أيضاً؛ لأنهم اعتبروه مولعاً بالتسويات السياسية، وآخرون اعتبروه براغماتيّاً حتى العظم؛ بسبب انتهاجه حالة التوافق ما بين عمله السياسي الديمقراطي ورأسماليته الاقتصادية، وبعضهم نظر إليه كرجل يحاول فرض قوانين الليبرالية الاقتصادية والسياسية في عصر مليء بالاضطرابات والانقلابات، لكن رغم تضارب الآراء فإنّ الجميع يتّفق- دون استثناء- أنّ خالد العظم أحد أشرف وأكفأ القادة السياسيين السوريين في فترة ما بعد الاستقلال.

الولادة والتعليم

ولد خالد العظم عام 1903 في دمشق، حين كانت لا تزال تحت الحكم العثماني، لعائلة دمشقية اشتهرت بتاريخها السياسي ونفوذها الاقتصادي، فكان خمسة من تلك العائلة ولاة لدمشق خلال تاريخها، وقد كان أهمّهم أسعد باشا الذي حكم دمشق أربعة عشر عاماً، وقد تم بناء قصر العظم الشهير خلال ولايته.

تلقى خالد تعليم مرحلته الابتدائية في مدارس دمشق واسطنبول على أيدي أساتذة خصوصيين، بعد تعيين والده وزيراً للشؤون الدينية. بعد ذلك درس في المدرسة التجارية، وأكمل الحقوق والقانون في جامعة دمشق، وتخرّج منها عام 1923.

العمل السياسي

بعد تخرّجه دخل خالد في ممارسة العمل السياسي الذي ورثه عن والده باكراً، على اعتبار عائلة العظم من أهم العائلات في دمشق وأعيانها، فأصبح وزيراً في حكومة دمشق الفيدرالية خلال عهد الاتحاد السوري.

وعلى الرغم من عمله السياسي، فإنّ العظم بقي نسبياً بعيداً عن السياسيين المقرّبين من الانتداب الفرنسي، وقد جمعته علاقات طيّبة مع بعضهم، من أمثال: هاشم الأتاسي، وشكري القوتلي، إلا أنّ علاقته الوطيدة كانت مع الأتاسي لقرب موقفهما من الوحدة مع مصر ورفضها، كما اتُهم لعظم بأنه الرجل الأكثر سلطوية في سوريا، بسبب سعيه لتشكيل التحالف بين سوريا والاتحاد السوفييتي، وتكوين علاقات مميزة مع البطريرك الماروني آنذاك بولس المعوشي، تلك السياسة جعلت الولايات المتحدة بقيادة آيزنهاور تعتبر العظم خطيراً؛ لعلاقاته المميزة مع السوفييت. كما أصبح نائباً في البرلمان عن دمشق عام 1932 بعد إعلان الجمهورية الأولى، كما كُلّف بتشكيل وزارة الخارجية في حكومة عام 1939.

عمله في مجال الاقتصاد

إضافة إلى عمل العظم في حقل السياسة، كان يعمل في مجال التنمية الاقتصادية، ففي فترة وزارته كان يدير أملاك عائلته الإقطاعية، كما قام عام 1935 بتأسيس غرفة صناعة دمشق، وقد أسّس قبلها مصنع الاسمنت الحكومي. وعلى الرغم من اعتبار العظم رجلاً رأسمالياً، فإنّ سياسته المالية كانت تدعم التنمية المتوازنة، والعمل على إنصاف طبقات الشعب الأكثر فقراً.

خالد العظم في مكتبه (التاريخ السوري)

العظم والعمل الرئاسي والوزاري

أغلب نشاط خالد العظم كان في المجال السياسي، نتيجة الاضطرابات التي كانت تعانيها سوريا في تلك الفترة التي تراوحت بين الديمقراطيات والانقلابات العسكرية، فتسلّم الكثير من المناصب، وتم إقالته منها، كما اعتقل في فترات من حياته، مثل جميع من كان يعمل في حقل السياسة خلال تلك الفترة. فتسلّم رئاسة وزراء سوريا ست مرات بين عامي 1941 – 1963 بشكل متقطّع.

في عام 1941 ونتيجة الوضع الذي عاشته فرنسا بسبب الحرب العالمية، عمدت إلى الشخصيات الوطنية لتخفيف الحدة الشعبية ضدهم، فتم تسليم خالد العظم بالوكالة لمنصبي رئاسة الدولة ورئيس الوزراء، وقد بدأ بإعادة الحياة الدستورية للبلاد، فأصدر مباشرة عفواً عاماً على جميع المعتقلين السياسيين، لكن فرنسا استبدلت بعد خمسة أشهر تاج الدين الحسيني به. في عام 1946 أصبح العظم داخل حكومة الاستقلال بمنصب وزير العدل، وكان من أهم قراراته إلغاء الامتيازات الأجنبية، ثم بعد أن أصبح سفيراً في فرنسا، وعودته إلى الوزارة أصدر مجموعة قوانين مهمة حول إصلاح النقد، وكانت ثورة رفعت قيمة الليرة السورية إلى ما يعادل 405 ميلليغرام من الذهب.

في عام 1948 إثر النكبة في فلسطين، بدأت أعمال الشغب في المدن السورية ممّا دفع حكومة جمل مردم بك إلى الاستقالة، وقام الأتاسي بتكليف العظم لتشكيل الوزارة؛ لإيقاف أعمال الشغب وانهيار الليرة السورية. حينها صرّح العظم ببيانه التاريخي: أن العالم أصبح مقسوماً إلى كتلتين ولا يمكن لسوريا أن تبقى على الحياد، وأن عليها الاختيار بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وخلال تلك الفترة عقدت الحكومة مشروع الاتفاق المالي مع فرنسا، ودرست مشروع خطوط التابلاين.

تلك الخطوات أثارت حفيظة الإخوان المسلمين وحزب البعث وحزب الشعب، متّهمينه بتهمة التبعية لأمريكا. كما عقد العظم العزم على إبرام صفقة أسلحة فرنسية، وإقرار اتفاق هدنة عام 1949 مع إسرائيل، ممّا أثّر سلباً على شعبية الحكومة. في تلك الفترة أسّس العظم غرفة الزراعة ومصانع الحبوب ومصنع النسيج الوطني، وعمل على بناء سد يوسف باشا على نهر الفرات، لكن كل تلك المنجزات الاقتصادية لم تُنه الغضب الشعبي، ودعا مجلس النواب العظم لمناقشة وضع الجيش، حيث رفض العظم إدخاله في الحياة السياسية، مُعتبراً أن الجيش يجب أن يبقى خارج التجاذبات السياسية، ذلك الأمر كان الشرارة التي جعلت حسني الزعيم يطيح بحكومة العظم عام 1949.

خالد العظم وخالد بكداش (التاريخ السوري)

استلم العظم بعد ذلك وزارة المالية، وكانت مهمتها وضع دستور جديد للبلاد، وعاشت الحكومات فترات اضطرابات سياسية كبيرة، وأصبح الشيشكلي قائداً للجيش ومتدخلاً في أدق التفاصيل اليومية للحياة المدنية. كما تم رفض الوحدة مع العراق والأردن تحت الحكم الهاشميين، فصدرت حملة اعتقالات لنواب الجمعية التأسيسية.

بعد الإطاحة بالشيشكلي عام 1954 عاد الأتاسي إلى الرئاسة، وكانت حكومة صبري العسلي، فكان العظم وزيراً للدفاع، حيث لعب دوراً رئيسياً في التحالف مع الاتحاد السوفيتي والاتفاقات الاقتصادية وصفقات الأسلحة؛ مما أثار غضب الولايات المتحدة.

موقفه من الوحدة مع مصر

في عام 1958 رفض العظم الوحدة مع مصر وتخلّى عن العمل السياسي بعد حصولها، وقد صرّح العظم: أن عبد الناصر سيدمر النظام الديمقراطي واقتصاد السوق الحرة في سوريا، لكن كلامه كان قد ذهب أدراج الرياح، وغادر العظم إلى بيروت.

في عام 1961 وبعد قيام النحلاوي بفكّ الارتباط مع مصر، عاد العظم إلى سوريا وساعد في وثيقة الانفصال. انتخب في تلك الفترة ناظم القدسي رئيساً، وعاد العظم إلى البرلمان.

خالد العظم والقوتلي في احتفالات عيد الجلاء (التاريخ السوري)

العلاقة مع حزب البعث

تم إقالة خالد العظم من آخر فترة في رئاسته لوزارة سوريا في التاسع من آذار عام 1963، أي: بعد يوم واحد من استلام حزب البعث للسلطة، وقد صدر أمر باعتقاله، هو وناظم القدسي؛ فترك العظم البلاد نهائياً، وتوجّه إلى بيروت لاجئاً سياسياً، وبقي فيها ما يقارب العامين حتى وفاته في عام 1965 بعد أن عاش آخر سنتين في وضع اقتصادي مزري، نتيجة قيام حزب البعث بالسيطرة على جميع أملاكه باعتباره رجلاً رأسمالياً، مع محاولة البعث طمس تاريخ العظم الوطني، وتقديم صورته على أنه كان رجلاً سياسياً براغماتياً، وقُدِّمت شخصيته فيما بعد كشخصية إشكالية وغامضة في تاريخ سوريا المعاصر، مع مواقفه السياسية غير الواضحة.

بالطبع، كان أحد أهم الأسباب لتحوير شخصية العظم وتقديمه بذلك الشكل، يعود بالدرجة الأولى إلى أنه رجل ثري، ويمتلك تاريخاً سياسياً مُشرّفاً، والأهم، مواقفه الاقتصادية القريبة من الفقراء وتحسين المشاريع العامة رغم رأسماليته.

كان العظم بالعام شخصية محبوبة من قبل كثير من فئات الشعب، ومكروهة من أغلب السياسيين والسلطويين؛ لأنّ سياساته تقوم على مبدأ الديمقراطية للشعب أولاً، وذلك مشهود له بمواقفه في فترات الانقلابات العسكرية منذ أيام حسني الزعيم مروراً بالحناوي والشيشكلي وسيطرة الناصريين أيام الوحدة بقيادة عبد الناصر، حتى فترة الانقلاب المُسمى بثورة آذار لحزب البعث.

تلك الأسباب دعت الجميع أن يتخذوا موقفاً سلبياً منه، وقيام البعثيين بمحاولة تشويه صورته التاريخية الوطنية والشعبية.

خالد العظم وشكري القوتلي في المسجد (التاريخ السوري)

كتابة مذكراته

في آخر سنتين من حياته تفرّغ العظم لكتابة مذكراته السياسية في بيروت، ونشرها في جريدة النهار، وبقيت تصدر حتى بعد وفاته. ويُقال في كتاب الأعلام للزركلي: أن ذكرات خالد العظم السياسية قد تعرضت للتشويه والتحريف، عندما نُشرت في كتاب مستقل. ولقد كانت وصيّته الأخيرة، هي: أن يُدفن في بيروت وألا يُعاد جثمانه إلى دمشق؛ كي لا يهيج أنصاره، وتضطرب البلاد، ويسقط قتلى.

تُعتبر مذكّرات العظم التي صدرت في ثلاثة مجلدات، من أهم الكتب التي سجّلت تاريخ سوريا المعاصر، حيث ناقش في المجلد الأول ذكرياته الخاصة ونشأته ومحيطه، وصعود الملك فيصل في سوريا، ثم تحدث عن سوريا في مرحلة الانتداب والاستقلال. وفي المجلد الثاني ناقش مسألتين في تاريخ سوريا: أوّلاً- الاقتصاد والنقد السوري وما طرأ عليه من ظروف، والمشاريع العمرانية والخطوط الحديدية ومشاريع الري.

والثاني- كان عهد الانقلابات العسكرية والوزارات وحلف بغداد ومؤتمر باندوينغ، والأزمة بين سوريا وتركيا.

وفي المجلد الثالث تحدث عن سوريا قبل الوحدة، ووضع الأحزاب والصحافة والاتفاقات الاقتصادية مع روسيا، ثم تحدث عن الوحدة مع مصر والانفصال، وما خاضته سوريا في سنتين بين الانفصال واستلام البعث للحكم وانقلاب عام 1963.

كانت سياسات العظم ترتهن للفترة التي تخوضها البلاد، فكان ينتهج أسلوب بحسب الواقع الموجود، ومن أهم سياساته كانت في فترات تسلّمه للوزارات.

مصدر أرشيف الأيام
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.