خاطرة…صدري ليس كالثلج..بقلم فرات الشامي

خاص: فرات الشامي
مثل كومة الثلج هذه التي يلهو فوقها الصغار بلا اطمئنان… مثل تلك الدمية المنتصبة في البعيد تنزف “ثلجاً” ثم ما تلبث أن تلتصق بالأرض كومةً “ثلجيةً بيضاء”.
المكان هنا يوحي بالخوف … لا أحد في الطريق سوى زوجتي التي أمسكت مرفقي واقتربت مني كأنما تريد أن تحتضن بداخلي ذات الذكرى التي مرّت قبل عام.
الشوارع بدت غريبة… الطرقات بدت كأني أزورها لأول مرة…!! رغم أني منذ شهرين ونصف أمشي في ذات الأزقة، وانظر إلى ذات النوافذ، لكنها تبقى “غربةً”.
تذوبني هذه الليالي الباردة… كقطعة ثلج…!!
تذوبني هذه الأزقة المهجورة… كذوبان “رجل الثلج”، وأنا الذي اعتقدت دوماً أني رجلٌ “حبري”، يأبى الذوبان إلا فوق سطور ورقة.
ما بين ثلجٍ أبيض، وثلجٍ أبيض آخر ثمة مسافاتٌ لا تقاس بالأميال، لا تقاس بكل أدوات القياس، إنها ذاك الحد الفاصل بين “نبضات القلب” و”اشتياقي” الذي أدمى عيني في ذاك السوق الذي ذكرتني جدرانه بها.
تشي المسافات بأنها “قريبة”، وتحكي الحقيقة أني بتُّ بعيداً عن “حضنها” أكثر مما ينبغي، أنا الذي ما اعتاد إلا أن ينام في حضن “أنثاه”.
امتدت يدي نحو تلك الكومة “الثلجية” …. همست بي تفاصيل قديمة أن أصوغ لها عبارةً ما… إطراءً ما… أو حتى كلمة… عبثاً كانت المحاولة… تراني فقدت القدرة على “البوح” أنا الكاتب الذي لم يعرف إلا لغة “البوح” في اللحظات الفاصلة “الحرجة”…؟!!
مرت بي الدقائق… ما بين ذوبانٍ واشتعال… أيعقل كل هذا التناقض المتراكم في داخلي؟
أيذوب الرجل مرةً، ويشتعل أخرى في دقيقة؟!
أيعقل أنه “الحرمان” أم أنه “الرغبة” في العودة إلى “طفولتي” في ذاك المكان، وشبابي الذي غادرني في “حضنها” قبل أن أصل إلى هنا؟
تعيسةٌ هذه الأفكار… سوداء لا لون لها، تراني بتُّ أكره اللون “الأسود”…؟
ربما… من يدري؟ فالألوان صارت “حمراء”…!!
الأحمر… حتماً كان ذات يومٍ رمزاً للحب كالأبيض، لكنه اليوم ما عاد ذاك الرمز، وإن كنت أجد فيها بقايا “الحب”.
صقيعٌ… ثم انهمارٌ غزيرٌ للمطر… نجرّ أقدامنا مسرعين … ثم … نتوقف دقائق… لا أحد هنا يراقبنا… لكن لا مجال للعناق… لا أمل حتى في “رقصةٍ شتوية” نبتل بها ثم تعلو الضحكات عالياً … عالياً في السماء.
مثل كومة الثلج هذه التي يلهو فوقها الصغار بلا اطمئنان… غدت حروفي وكلماتي وأفكاري… ما أصعب الشوق … ربما لأنها الأنثى الوحيدة التي “أحببت”… حتماً لأنها “الأميرة” التي اعتادت يدي في مثل هذه الأيام أن تداعب وجنتيها… قطعاً لأنها لم تلامس إلا يدي حين عاهدتها أن نبقى سويةً… لكنني “خالفت الوعد”.
مرغماً… مشرداً… طريداً… تلاحقني انتصاراتٌ وهزيمة… هزيمتي في تلك المسافة المفروضة… قسراً.
آهٍ يا حبيبتي…
آهٍ يا كل الكلمات التي صغتها لأجلها بدمع العين.
آهٍ أيتها الروح التي تركت خلفي، وبقيت بلا نبض ولا روح.
صدري ليس كالثلج… ألمٌ بداخلي يشعل كل جسدي… يدفعني نحو بندقيتي … أمسكها… أطلق بضع رصاصاتٍ في الهواء، ارتمي فوق الثلج… لا تنطفئ النار.
كم احتاجك… كم وكم… ولا حدود لكلماتي… فوحدها التي تسبقني إليكِ.
مضى العام… ولأول مرةٍ لا أزور تلك “الأزقة العتيقة” وألمسها بيدي.
دمشق يا سيدة الحب والعشق والنساء… دمشق يا عروسي التي لأجلها كل الحروف… اشتاقك، ولا تكفي كلمة “اشتياق”.

الثلوج في العاصمة السورية دمشق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.