حين يُفتقد التلفزيون السوري

ندى الأزهري:_

لا بد من الاعتراف بأن ثمة شعوراً بخيبة الأمل يداهمني في كل مرة يتنقل فيها جهاز التحكم بين محطة وأخرى، فتعبر الأشكال والألوان إلا حين المرور على «سورية». هنا، لا شيء سوى شاشة سوداء. ليس حداداً على البلد الجميل الذي يُدمّر، بل عقاب على ما يبدو من القمر الموزع. مهما يكن الأمر فقد اختفت سورية من الجهاز ولا سبيل للوصول إليها سوى عبر الانترنت، إنما للآن يبقى التلفزيون متفوقاً على الشبكة على الأقل بالنسبة الى البعض، فهذه لا تعطي المتعة ذاتها ولا تسمح بهذا الهروب بين محطة وأخرى بواسطة جهاز التحكم حين تضجرنا محطة أو تستفزنا أو تجعلنا نتخذ قراراً حكيماً بإغلاق التلفزيون. وللشعور بكل هذا ليس هناك أفضل من التلفزيون السوري. بالطبع، بل من المؤكد ليس لأنه الأسوأ، ولعل فيه ميزات لا يتحلى بها كثير من الشاشات الأخرى، مثل اعتنائه باللغة العربية وبعض البرامج الثقافية، ولكن لأنه يمسَنا في شكل شخصي فهو تلفزيون بلدنا الذي نحب. إنما هل هو حقاً تلفزيون البلد؟
أن يفتقد أحدهم «شاشة الوطن»، والله وحده يعلم كم كان يتهرب منها، لهو أمر محير. فسواء حين كان في البلد أو بعد تركه له، تظلّ المحطات التلفزيونية السورية مصدر استفزاز وحنق وشعور ملازم بأن ثمة من يستهين بالعقول ويحطم النفوس. في البلد كنا نكتفي بإغلاق التلفزيون لا سيما في ايام المناسبات الوطنية التي نجح التلفزيون السوري بجعلنا نكرهها ونعتبرها اياماً كئيبة من كثرة ما كان يبث من خطب جوفاء ولقاءات نفاق ومسيرات مواطنين عمال وفلاحين وموظفين وتلاميذ وطلاب «مبتهجين» بالمناسبة. يظل يعيدها على مدى أيام لاغياً بذلك معظم البرامج اليومية ومنها… المسلسل اليومي الذي كان مصدر بهجة، حقيقية هذه المرة، لهؤلاء المواطنين. أولئك كانوا يعتقدون أنهم أظهروا من الابتهاج بالذكرى الوطنية ما يكفي حتى يحين موعد المناسبة المقبلة، وأن بإمكانهم الآن أن يعودوا إلى بيوتهم ويستقروا هانئين أمام شاشاتهم. ولكن، بدلاً من المسلسل كان التلفزيون يعيد نقل «الحدث العظيم» وما دار حوله من خطب ومسيرات وبرامج خاصة ليحافظ المواطنون على شعورهم بالابتهاج جراء نعيم مشاركاتهم «العفوية «دائماً وأبداً.
خارج البلد يصبح التلفزيون حاجة معنوية ووسيلة تواصل مع الوطن. تكفي صور من شوارعه بعض أخباره، غير السياسية بالطبع، وجوه من أمكنته، ليتلمس المرء ملامح منه ويشعر ببهجة ولو لثوانٍ، ولو كانت آتية من التلفزيون السوري وخطابه المستفز. ولكن ها هي «سورية شاشة وطن» قد اختفت ولم تعد غير المسلسلات السورية وسيلة لملء هذا الفراغ، ولكن حتى تلك لم تعد تملأ الفراغ بل أن كثيرها مليء به.
الحياة_

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.