حين يولد الطفل نازحاً

حين يتكرر القصف على منطقة ما يتكرر نزوح الأهالي من مطقة لأخرى بعيداً عن أعين الطائرات المحملة بالموت، يزيد الأمر صعوبة نزوح الشيوخ والأطفال والنساء ضعفاء المجتمع وأقلهم صلابة، يصبح الأمر كارثياً عند الحوامل الأضعف على الإطلاق.

الأيام السورية؛ سلام زيدان

لا تدري الحوامل أي مصير ينتظرها وولديها نازحة من منطقة لأخرى لا تحمل معها أكثر من أمتعة التي لا تكاد تكفيها في الأحوال الطبيعية، يتفاقم الوضع سوءاً حين تداهمها ولادة مبكرةً بسبب الوضع النفسي والجسدي الصعب.

غالية (35 عاماً) من ريف حماه الشمالي لديها أربعة أطفال وتنتظر الخامس بعد أن قضى تسعة أشهر في أحشائها، لكن نزوحها من قريتها –قلعة المضيق-كان الأسرع، غادروا جميعاً تاركين أحلامهم وآمالهم المستقبلية والأمل القريب بالعودة.

على طريق النزوح الساعة الثانية بعد منتصف الليل تحديداً شعرت غالية بألم المخاض؛ لم تتجرأ على البوح بما تعانيه، الطائرات لا تكاد تغادر الأجواء والمشافي نقاط استهداف لها، ومن يجرؤ على الاقتراب من نقطة الموت آنذاك؟

لم تجد بداً من أن تخبر زوجها بعد ليلة مضنية من الألم؛ ليذهب طارقاً الباب على أحد منازل علّه يجد من يساعد زوجته في ولادتها في تلك القرية المجهولة، تلد غالية في بيت ريفي صغير؛ دون امتلاك أبسط الأدوات الطبيّة؛ طفلٌ نازح منذ ولادته مصاب بفتق؛ قال الأطباء لها إنّها نتيجة التعب الجسدي الذي اصاب أمه بالوهن.

تنحدر دمعة معترضة حديثها “وجدت الكثيرات مثلي من الحوامل اللواتي عانين الويلات”.

 شهدت الفترة الأخيرة أعداداً كبيرةً من النازحين، وتختلف مصاعب الحوامل أثناءها بحسب فترة الحمل التي تعايشها بين تحمل جنينها في أشهره الأولى أو الأخيرة.

أم أحمد من ريف حماة الشمالي تقول للأيام:”نزحنا للمرة الرابعة من كفرزيتا، ولدت بالسيارة قبل موعد ولادتي بشهرين بسبب الخوف والتعب الذي داهمني؛ توفي ابني بعد نصف ساعة من ولادته” تتابع كلماتها بإرهاق باد عليها “كان علينا أن نضعه حاضنة أو مستشفى بإشراف طبيب لكننا لم نجد”.

تحدثت الأيام للطبيبة رقية العبد لله التي قالت إن حالات الولادة المبكرة والإجهاض ازدادت بسبب ويلات الحرب التي تعيشها النساء؛ لاسيما ظروف النزوح القاسية التي طالت الكثير منهنّ.

سارة تبلغ من العمر 18ربيعاً، عمرها الصغير وقساوة النزوح جعلها تخسر حملها الأول؛ الكثير من الأحلام التي فقدتها بفقده ما جعلها تدخل في أزمة نفسية شديدة “لم أعد أرغب بالحمل مرة أخرى لأن الحرب ستقتله كما قتلت ابني الأول”، تضيف سارا خلال حديثها للأيام “كنا في منتصف الطريق حين فقدت وعيي؛ وحين افقت علمت أنني فقدت ابني أيضاً الذي كان رابضاً في أحشائي لأشهر”.

حالات الوفاة كثيرة تتسببها الولادات المتعسرة للنساء عند الولادات المبكرة غير الطبيعية لاسيما عند فقدان المقومات الطبية في ظروف الحرب الطارئة.

أم عدنان 55 عاماً تتحدث لجريدة الأيام عن ابنتها حلا:”كانت في شهرها الأخير؛ خرجنا من قريتنا هائمين، اكترينا بيتاً صغيراً في الجبل، كان الليل شديد البرودة والمطر غزيرة حين بدأت آلام المخاض تفتك بحلا”.

تتابع حديثها بشفتين مرتجفتين ودمعة هاربة من عينها “لم نجد طبيباٍ أو مشفى في القرية النائية؛ تعسرت ولادتها كثيراً ولم نجد وسيلة لنقلها للمدينة؛ حاولت أن أقدم لها ما أستطيع لكنها ماتت بين يدي هاتين”.

بلغ عدد القتلى المدنيين ما يقارب النصف مليون شخص بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان؛ إذ أن الهجمات غير القانونية استهدفت المدنيين بما يشمل المنازل والأسواق والمدارس والمستشفيات، كما تشير الأرقام إلى نزوح أكثر من 6 ملايين شخص وما يقارب 5 ملايين طالب للجوء خارج البلاد وفق المصدر نفسه.

وعلى هذا فقد قسمت المعاناة ألوانها على الإنسان السوري كان للمرأة والأطفال نصيبهما الأكبر إذ أنّهما الحلقة الأضعف في المجتمع.

مصدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.