حين ” يهاجر الوطن” إلى المجهول

بقلم: عقاب يحيى

 أو يتناثر بين أنواع القصف، والموت، والدمار، وكوابيس الخوف ..
 وحين تصبح الحياة أقرب للجحيم.. تتجاوز يوميات القتل، والفناء .. إلى البحث عن قبضة ماء ولقمة عيش متوفرة، وضوء كهرباء لا أحد يعرف متى يجيء ومتى ينقطع، وقارورة غاز مشحونة بانفجار الأسعار..
 والأهم من ذلك كله : قبله، وخلاله، وبعده.. حين يكون مسمّى الوطن علبة مملوكة لنظام مستبد، فاشي، قهري.. حوّله على مملكة للرعب والموت والإخضاع، وألغى تخومه المستقلة ليدمجه به ..
 وحين لا تكون للإنسان كرامة، ولا قيمة، ولا حرية، ولا مساحة ما لشخصه، وإبداعه، وإنسانيته,,,,,
 وحين توليفات كبيرة، كثيرة تتشابك في اقتلاع الآدمية، والمواطنية، والحقوق، والعدل، وتكافؤ الفرص .. فإن أسئلة قوية . واقعية، ومفروضة، وباتت شبه شرعية ومشروعة تطرح نفسها عن مفهوم الوطن، والانتماء، والهوية.. وبما يفتح أشداق الهجرة إلى آخرها.. وكأن الوطن كله يهاجر إلى المجهول.. وكأن ذاك الشعب الحضاري، ابن آلاف السنوات، وصاحب البصمة الخاصة في تعاريج الحضارة البشرية لم يعد معنياً بمرتسمات الكيان، والتوصيفات، والشعارات..لأن الوطن الذي احتلوه ـ هؤلاء الحكام ـ لم يعد يتسع سوى لهم.. ولم يعد الشعب يشعر لا بالأمان، ولا بالارتباط به.. فتندلق الهجرة طاقة قدر تأخذ معها يومياً أعداداً كبيرة في نزيف مخيف يطرح أسئلة عن القادم، والمصير …
****
زمان.. وفي فيض الأماني.. والشعارات الكبيرة، والأحلام المشروعة عن بناء وطن موحد، حداثي، متقدم يتسع لجميع أبنائه.. ويضعه في موقعه الطبيعي بين دول العالم.. كان يعتبر مجرد التفكير بالحصول على جنسية أجنبية، خاصة إذا كانت من الدول الغربية، نوعاً من الخيانة، والانخلاع، واللاوطنية، وقد وقفنا طويلاً مع أصدقاء ورفاق.. ضد اكتساب أي جنسية أجنبية رابطين ذلك بالمسالة الوطنية ومفهومنا عنها، وبالانتماء ووعينا له، رغم أن الظروف والغربة، وافعال النظام الفئوي، الحاقد كانت تلزم الكثير بالبحث عن مكان آمن، ووثائق ما تكفل له شيئا من الأمان .. والعديد كان يخجل من حمله لجنسية أخرى غير جنسيته الأصلية ..
ـ لكن مع انهيار مشروع الأمة التوحيدي، النهضوي، الحداثي، وخيانته من قبل من ادعوا حمله، أولئك الذين خرجوا من رحمه مرتدّين، وانقضّوا وقضوا على بقاياه، وأقاموا ممالك الرعب، والإخضاع، والفساد، والفئوية، والسلخ واغتيال حريات المواطن وحقوقه….اختلّ مفهوم الوطن، والانتماء.. ونبتت أسئلة كبيرة عن مفهوم الوطن ومعناه، وعن جوهر الانتماء وتجسيده، وهناك من كفر بالعرب والعروبة، وباللغة، والمكان والتاريخ.. وكانت رغبات الهروب، والهجرة.. بعض التعابير القاسية، وردود الفعل الحادّة على واقع ليس افتراضياً. واقعاً معاشاً يقهر الكرامة، ويفرض على الناس الخوف، والخضوع، وطأطأة الرأس، والنفاق سياسة للنجاة، والانتهازية سبيلاً للوصول إلى موقع.. حتى لو كان وظيفة عادية واستبدال العلنية بالهمس.. والكبت المحقون..
**
ـ اليوم تفتح المأساة السورية ملفاتها الخطيرة في هجرة عشرات آلاف السوريين للخارج، ومحاولة مئات الآلاف الخروج بكل الوسائل، فيما يعتبرونه طاقة قدر فتحت للخلاص، والأمان، والاستبدال..
وبين الواقع الأليم المشبع بالمآسي والخوف الحقيقي من قادم قاتل.. والانسياق في موج قوي يأخذ معه عديد الحالات التي لا مبرر لهجرتها..تواجه سورية الكيان، وسورية الشعب، وسورية المستقبل ماساة أشدّ وطأة،سورية, الخلاص, الاستبدال,  نفجار, خضوع, الكبت, الاحتقان, المأساة الونتائجية.. تتمثل بفيض الهجرة المفتوح..والذي يشكل نزيفاً مرعبا ستكون له آثاره القوية في شتى المجالات..
ـ نعم هو نزيف مدمّر يُفقد الوطن مئات الآلاف من شبابه وعقوله وإطاراته.. بل وديمغرافيته، وبما حوّل بعض المدن والمناطق والقرى إلى قاع صفصف.. تماماً بالترافق مع فعل القصف والصواريخ.. والدمار الشامل.. وكأن المطلوب قتل الحياة بكل مركباتها، وإفراغ البلد من بناها وبناتها .
وبين وطأة الأوضاع الصعبة، ومشاريع خبيثة لتغيير ديمغرافي، وإفراغ منظم للبلد تتلاطم الأمواج بقوة . لقد سهّل نظام الجريمة والفئوية ـ منذ أشهر الثورة الأولى ـ خروج الناشطين والإطارات الشباب، وأوهم عديدهم أنه يطاردهم ويضيّق عليهم.. فهاجرت أسراب متتالية.. حتى إذا ما عمّ القصف، وانحسر وجوده في بعض المناطق.. كانت ظاهرة النزوح واللجوء متضافرة مع معلومات وارقام مثيرة عن تجنيس مئات آلاف الإيرانيين والغرباء، وعن شراء اراض واسعة، وممتلكات بأسعار رخيصة، ووجود مافيا رهيبة : إيرانية التمويل، سورية المظهر تقوم بوضع اليد على مناطق شاسعة : تملكاً وشراء واستحوازا.. وأن عملية شراء البيوت ـ حتى المهدّمة، والمقصوفة ـ تنتشر في جميع الأرجاء، وتستغل رخص الأسعار، أو حاجة الناس لتوفير كلفة الهجرة، أو تأمين وسائل الحياة أمام غلاء المعيشة المرعب …
ـ هو موج قوي يصعب الوقوف بوجهه طالما أن ىالمأساة مستمرة، وطالما أن الكوابيس حقيقية، وطالما أن طرق اللجوء مفتوحة..والكل يعرف أنه في الظروف العادية لم تكن المقارنة جائزة بين بلداننا وبلدان أوربة الغربية، خاصة لجهة حرية الإنسان، وحقوقه المكفولة بالقوانين، واحترامه، وتوفير مساحة له افتقدها طويلاً في بلده، ناهيكم عن فوارق لا يمكن مقارنتها في التحضّر، والتنظيم، والتقدم، والضمان الاجتماعي.. فكيف وبلادنا لم تعد تقارن لا بالصومال ولا بأي بلد يعيش الحرب الأهلية، ولا حتى بتلك التي كانت في آخر ترتيب سلم التقدّم، خاصة لجهة حرية الإنسان، وحقوقه..وتوفر الأمن والأمان، والحياة ؟؟.
ـ ومع ذلك….فالأمل قوي في أن تستعيد بلادنا عافيتها عبر إنهاء نظام النشاذ نهائياً، وتكنيس جذوره وآثاره، وما فعله في وعي الناس وعلاقاتهم، وما جرّه من دمار .. وما ما رسه من قتل ومحاولات تفتيت للحمة الوطنية، ولانتماء السوري وتعلقه بأهله، ومسقط راسه، ووطنه..
وحين تنجح بلادنا في تأسيس النظام التعددي، وفي إقامة دولة الحق والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين الجميع.. مهما كان جنسهم ودينهم ومذهبهم وانتماؤهم السياسي والفكري.. وتتجاوز مفاعيل وآثار هذا الوضع المفروض.. حينها سيعود الكثير إلى الوطن حضناً، ودفئاً، ومكاناً لا يمكن أن يساويه مكان آخر.. وحينها سيبدع الصوري شأنه دوماً.. معتزاً بوطنه والانتماء إليه ..
عقاب يحيى
الثاني من تشرين ثاني 2015

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.