حين صرنا غرباء وأميّين

الايام _ محمد المطرود
لا أدري لِما كنت أسمع: (نحو الأمية) من المعلم السوري والمتعلم، بدلاً من (محو الأمية)، فالبرنامج الذي تصدَّت له الدولة لتنوير رعاياها حظي شكلاً بما يناسبهُ من حيث كادر التعليم والشُعب الصفية وقوائم المتعلمين الذين فاتهم قطار التعلّم وهم صغار، ليجلسوا من جديد على مقاعد خشبية ويخطّوا بالطباشير خطوطاً مبهمة على لوح أسود كأيامهم، ويفكوا الخط في ما بعد ويقرأوا الشريط الإخباري للجزيرة من غير الاستعانة بالابن أو الحفيد.
المعلم، والذي هو عصب النظام التربوي أو المتطوع، سيحظى براتب إضافي، يأتي له بخمسة أزواج من الجوارب المتينة كما يجيء في الإعلانات، وثلاثة فراريج نية شاركت في الماراثون قبل أن تطولها السكين، وعشرين ربطة خبز خرجت للتوّ من الفرن ووصلت رائحتها ونكهة القمح المحمَّص أنوف الجوعى، هي بسيطة في الحسبة الشهرية، وصعبة (كالدورة) على امرأة، غير أنها عبء مضاعف على موظف مشغول بالبحث عن مصدر رزق آخر، يتنافى وعمله الأصلي، كأن يكون مهندساً فيعمل (كرسون) أو مدرس لغة إنجليزية فيكون صاحب بسطة مكسرات وسكاكر.

إذاً (نحو الأمية)، كأن هتافاً في شبه الجملة!، وليس (محو الأمية)، يبدو من الجملة المتداولة كخطأ شائع بأنها ليست كذلك، بل يتضح أنَّ تجهيلاً مؤكداً/ متعمداً، فلت منه العجائز في ما مضى، لا بدَّ أن يطولهم اليوم، وإلا كيف يمكن إفهام السبعيني أن (الأب الخالد) أسطورة وهو القائد الضرورة، وتوريث الابن الطبيب يعني المضي قدماً في مسيرة التطوير والتحديث وإحقاق الحق وإكمال ما بدأه السلف في الممانعة والتوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، ولا بد من فهم آلية الرد في المكان والزمان المناسبين، فكثير من هذه الشعارات تكتب ولا تُقرأ على المسامع. الرئيس (المواطن أولاً)، الكلمة التي قدَّم الشاب الذي لم يبلغ سن الرئاسة والحلم بعد نفسه بها في خطاب، سميّ زوراً بالقسم، فكان لا بد من قارئ يفك الخطَّ ويتلمس صدق (المواطن) بعينيه بعد أن تلمسَّه بقلبه.

نحو لغةً: الجهة أو الطريق وتعني (السير إلى) ولها دلالات أخرى، لا تميل في أبسطها مقاربة إلى (محو) وتعني الإلغاء والطمس، وقد كانت الأقرب إلى الحال/ حالنا، فسرنا معلمين وطلاباً عجائز، أرادوا قراءة الشريط الإخباري لفضائية الجزيرة إلى الأمية، بكل ما نملك من جَلد وإرث شفاهي وآخر مكتوب في الإلغاء والإقصاء ومصادرة الحقوق منها حق الحياة وحق التعلم، استجابة لنكتة عالمية سمجة وسميكة كبقعة زيت، تستدرج عقلنا الجائع إلى الأخذ باتفاقية حقوق الإنسان، الملحقة بحقوق الكلب في الدول المحترمة، وتصديقها.

المنهج الذي تبنته الدولة المشغولة بالقضاء على (الرجعية والإمبريالية وعصابة الإخوان المسلمين العميلة) هو ما برر للحزب القائد للدولة والمجتمع ولصمام أمانه جهاز المخابرات، وضع كل من يمسّ هيبة الدولة في وقت حربها ضد ما يقوّض أركانها في حمامٍ دخوله لن يكون كالخروج منه، أو ليقرأ داخله والقلة الخارجة منه “الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود”. بهذا العقل من السيد العصا، خضع العبد لقدره اللارباني، وصار آباؤنا الجاهلون عوناً للعصا علينا، كما لو أن رجل (الأمن)، والذي هو من لحم ودم أشبه بملك قابض للأرواح، ويسمع كل شيء، حتى وصل الخوف في “دولة الخوف” غرفة النوم وصار شريكاً في العملية الجنسية.

هي العطالة، أمية أخرى مضاعفة، انسحبت على عقل السوري بوصفه حبة رمان من رمانة انفرطت وتناهبتها أراض مصقولة بتأجيج الحنين، كتبَ خضر الآغا في صفحته على الفيسبوك وهو ناقد وشاعر بما معناه: “أنا الذي قرأت آلاف الكتب أصبحت أمياً” في إشارة إلى جهله بلغة البلد الجديد، وقد كان حظه جيداً فلم يأت في قارب ليغرق، حين حملته طائرة من لبنان بمنحة من مؤسسة هاينريش بول في ألمانيا. (الإنس الغريب) في الأمية الجديدة، مقرونة بصدمة حضارية، يتذكر الأمي الذي هناك، في فصل من فصول الدراسة يقال له: (الألف) عصا، والباء صحن تحته حبة حمص والتاء صحن فيه حبتا(دروبس)، والثاء صحن فيه ثلاث كرزات، وهكذا يربط الحرف بما يشبهه من الأشياء، في البلد الجديد، لا عون لك على اللغة فيما لو كنت، خاصة، من المشغولين بها في بلدك، وعليك الرجوع إلى تاريخ ما قبل الكتابة، فتتلمس الشاخصة، وتنظر في الصورة وتكون دقيقاً للحيلولة دون أن تدخل متجراً للحاجيات الجنسية على أنه متجر للعطور ومستحضرات التجميل.

من محو الأمية إلى نحو الأمية إلى محاولة محو الذاكرة وخلق ذكريات جديدة، الغريب الذي لفظته الحرب خارج ذاكرته وبيته وتفاصيله التي يكمن فيها حبه كشيطان مهذب، يجيد الحيلة ليجلب حباً أكبر، سيرتدُّ هذا الغريب الذي كان معلماً على الأغلب ليتعاطف مع هؤلاء العجائز الذين جُهّلوا بشكل ممنهج، بحيث يتماهى معهم، يكون أحدهم، وبعمره الذي لم يتجاوز نصف عمرهم، سيبزهم بعجزه وأميته المفرطة. ليست الجمل الواضحة تأخذ بيد قارئها دائماً، فمقولة “نحو الأمية” الشهيرة سورياً، لا تعني في حال من أحوالها محو الأمية التي دأبت دول على تمثلها والأخذ بيدها لتكون بحق محواً وليس “نحواً”.

العربي الجديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.