حين شرعت الجدران بالكلام..(4)

إهداء إلى روح حمزة الخطيب

تأليف الكاتبة ريما فليحان

 

فجأةً تمّ قطع الحلقة.. خلال نصف ساعة اتصلت بي إحداهن وهي تبكي.. قالت لي  لم يرض أحد ما قلناه وهجم عناصر الأمن على الاستديو لضربنا .. قالت لي لن يتوقف ذلك حتى تخرجي على تلفزيون  الدنيا وتعتذري.. دون ذلك لن تتوقف هذه الهجمة..

بدأت بالنحيب… لم يكن بمقدوري القيام بهذه المهمة كان الشعور مقرفاً ومهيناً .. لحظات واتصلت بي الدنيا ..قال لي المتحدث: إلى متى ستسببين بهذا القدر من المشاكل لأصدقائك؟ يجب عليك الخروج على الهواء الآن والاعتذار والتراجع عن ما قلته على العلن وإلا فالقادم أسوأ..

انهرت بالبكاء وكان المتصل يسخر من بكائي! ويقول: حين أحوّلك على الهواء يجب ألا يظهر بكاؤك.. أفهمتي؟… لحظاتٌ بالفعل وتمّ تحويلي على الهواء . ذكرت إنني من أتحمل المسؤولية وحدي عن كلّ ما حصل، وإنني من كتبت هذا البيان.. ولكنهم لم يكتفوا بذلك لأنّهم أعطوني صيغةً كان يجب أن أقولها:  وهي إيماني بعطف القائد وحكمته والاعتذار .. كنت على وشك التقيؤ ..كنت أشعر تماما بأنني اغتصب.. أغلقت الهاتف .. وانهرت .. لم أحتمل وزر الفعل الذي قمت به مرغمة. ليس سهلاً أن تمتهن كرامتك إلى هذا الحد ، ليس سهلا أن تقتلع منك كلماتك اقتلاعا وتنتظر أن تذهب إلى ما بعد هذا وكأنّ شيئاً لم يحصل….

حين يكون قد وقّع على ما كتبت ما يزيد عن ألف شخصٍ يصبح التراجع وكأنّه كفٌ للجميع..

أدرك تماما أن شعور المغتصبات لا بدّ أنّه يشبه تماماً ما شعرت به في تلك اللحظة.. تقطعت أوصالي .. هزيمة وانكسار .. بل إنّها نكسةٌ لروحي وكينونتي بكاملها..

نظرت إلى طفليّ النائمين كيف يمكن أن أقول لهما يجب أن تكونا شجاعين وتواجها الحياة بعد هذا…  كيف يمكن أن أقول لهما شيئاً أيّ شيء .. أيّ قيمة ..

قررت في لحظة انكساري تلك أن لا أرى أيّ صباح جديد.. قررت أن انتهي تماما كما انتهت كرامتي في لحظة الإجبار تلك ..

شربت علبةً من الدواء محاولة الانتحار، لم أكن بكامل وعي تماما كنت منهارة وأشعر بقرف لا يوصف..

استلقيت في سريري بانتظار الموت..  دقائقٌ لم أعد أشعر بشيء…

لكن صباح يوم جديد أطل عليّ رغما عني.. العناية الإلهية أرادت لي أن أستمر. استمراري بالحياة عنى لي أمر واحدٌ وهو ألا أسمح لأحدٍ بكسري مرة أخرى… وأنني يجب أن أكون أقوى..

لقد كسرت هذه التجربة آخر جدران الخوف..  وخلقت لدي تحدياً لا يوصف..

استمرت الحملة التي شنّها النظام على الموقّعين على البيان شهراً كاملاً.. شهراً كاملاّ بكل دقيقة فيه حتّى استطاعوا إجبارنا على أن نقول ما لا نريد قوله..

في نهاية شهر أيار ذاته سلّم النظام جسد الطفل حمزة الخطيب الذي أعدم في الاعتقال في درعا بعد التمثيل به..

خرجت إلى الشرفة مع صديقتي لينا و خالط صراخنا العويل..

ثم نزلت إلى الشارع ..

عندما خرج في ذلك اليوم 

“إهداء إلى روح حمزة الخطيب”

عندما خرج في ذلك اليوم كان يعتقد أنّه سيعود ربما ليلهو بتلك اللعبة التي أحضرها له قريبه سليم في دمشق قبل أن تشتعل الثورة في مدينته الطيبة بشهر ..

حمزة يتذكر جيداً زيارته مع أبيه  ليسلّموا عليه بعد أن  خرج من سجن استمر 27 عاما بتهمة الانتماء إلى حزب ينسى اسمه باستمرار..

وكان أجمل ما في ذلك اليوم تلك اللعبة وشوارع العاصمة التي أحبها … كان يرى أنّه قد يعود  في هذا اليوم ليلهو مع صديقه ناجي بتلك اللعبة.. لا لن يتمكن من اللهو مع ناجي مجدداً فأمّ ناجي هربت به  إلى دار أختها  في بلدة بعيدة، فناجي مطلوبٌ بتهمة الخربشة على الجدران وهي كما يعلم جيداً تهمة خطيرة قد تصل عقوبتها إلى قلع الأظافر .. ومع هذا فهو قد يعود..  يعود ليشتم رائحة الخبر.. الخبز الذي تلتصق بعض حوافه بصاج التنور فتخرج رائحة لذيذة تداعب معدتهِ…

لا لن يتمكن من أن يشتمّ رائحة الخبز، فالقمح لم يعد متوفراً كالسابق في بلدته التي اعتادت على إنجاب السنابل.. فرائحة الخبز لم تعد تعبق من تنور الدار يوميا .. لكنه سيعود حتماً .. يكفي أن يأكل وجبةً من البيض المقلي “بعيون ” بالسمن البلدي كما اعتاد أن تعدّه له أمه عند العشاء مع صحن من البندورة المقطّعة وبعض الزيت.. دائماً كان يجلس إلى جانب والده وينظر إليه بإعجاب ويحاول أن يقلّده بطريقة الجلسة وربما التهام الطعام… لا حتّى هذا لم ينفع فوالده أصبح يعود متأخراً إلى المنزل فواجب العزاء أصبح يأخذ حيّزاً كبيرا من سهرة الوالد فلم يعد يراه.. حسنا حسناً سيعود ليغفو على سطح الدار حيث تطرب أذنيه أصوات الطبيعة التي يحبها.. لا .. حتّى هذا لم يعد ممكناً .. فصوت الرصاص والمدافع يمنعانه من النوم أيضا رغم أنّه يحاول أن يخفي دائما بعض الرعشة التي تسري في أوصاله مع أصوات الانفجارات. إلا أنّه فعلاً لا يتمكن من النّوم.. حتّى أمّه الحبيبة لم تعد تبتسم فدموعها على أبناء البلدة باتت تعبر طوال اليوم على خدودها، وأصابعه التي تمسحانها عبثاً بمحاولةٍ يائسةٍ على إيقافها.. … ليس مهماً كلّ هذا فقد قرر حمزة الخطيب أن يخرج لينادي للحريّة.. الحريّة التي ستعيد له كلّ أحلامه وحياته التي يحبّها.. لكنّ حمزة بعد كلّ هذا لم يعد في ذلك اليوم. قتلوا الطفل حمزة الخطيب ولكنّهم خرجوا على التلفاز السوري ليقولوا إنّ حمزة قُتل في رحلةٍ، توجّه بها لسبي نساء ضباط الجيش كانت تلك الحكاية التي تمّ روايتها على التلفاز ….
أمّا جسد حمزة فقد روى حكايةً أخرى حيث أطلقوا عليه النار، وعذّبوه ثم قطعوا عضوه الذكري..

 

حماة … و الصدى …

لقد كانت أواخر شهر أيار وبدايات حزيران زاخرةً بالمظاهرات .. تلّونت كلّ سوريا بهتافات الحناجر، واقتلعت صور الأسدين في كلّ مكانٍ…

خرجت حماة أيضاً ولخروج حماة لونٌ آخر..

فالجرح القديم مازال مفتوحاً والسوريون ينتظرون ماذا ستقول حماة؟..

و قالت حماة: … قالت بحنجرة القاشوش يا لله ارحل يا بشار.. وردّ عليها السوريون في كلّ مكان..

يا بشار ومانّك منّا.. خود ماهر وارحل عنّا هي شرعيتك سقطت عنّا ويلا ارحل يا بشار

يا بشار و يا كذاب.. وتضرب أنت و ها لخطاب.. الحريّة صارت عالباب.. ويلا ارحل يا بشار

يا لله ارحل يا بشار

يا بشار و يا خسيس و دم الشهداء مانو رخيص و ضبلي غراضك بالكيس و يلا ارحل يا بشار..

بدنا نشيلو لبشار بهمتنا القوية ….  سوريا بدها .. حرية..

أذهلت حماة العالم بشارعها الكبير وأعلامها الممتدة مئات الأمتار وخلقت نموذجاً مبهراً لتنظيم المظاهرات  ..

فخرجت كلّ المحافظات السوريّة لتناجي حماة ..

في الثالث من حزيران وفي جمعة أطفال الحريّة ، ارتكب النظام مجزرةً بحق المتظاهرين في حماة . حيث فتحت قوات الأمن النار على المتظاهرين وأدّى ذلك إلى مقتل العشرات في ردّ وحشي على تحدي الحمويين لحظر التجول وتظاهرهم ومناداتهم بإسقاط النظام..

لربما ظنّ النظام أنّ المجزرة القديمة التي ارتكبها في الثمانينات قد أوغلت الصمت الأبدي في قلوب الحمويين , لربما لم يحتمل فكرة النهوض مجدداً..  وهذا بالتأكيد  ما دفعه لارتكاب هذا المجزرة في ذلك اليوم..

شهر حزيران وما تلاه كان زاخراً باسم حماة في كلّ مكان .. فالسوريون لطالما شعروا بالذنب اتجاه أهالي حماة .. فالمجزرة التي ارتكبت في الثمانينات ضمن صمت مطبق؛ كانت عاراً نطبق عليه بصمتٍ موجعٍ داخل صدورنا جميعاً .. بحيث يكفي أن تسمع إنّ هذا الشخص من حماة في موقفٍ عابرٍ، لتعتريك غصة وألم عابر يذكرك حتما بأنك كنت شاهداً صامتاً على مجزرة تقشعر لها الأبدان…

الثورة هي المرة الأولى التي صرخ بها السوريون نصرةً لحماة..

كانت المرة الأولى التي قالوا بها للعالم في حماة ارتكبت مجزرة…

لم يكن حدثاً عابراً في مظاهرة ساحة الفخار بالسويداء والتي كنّا بها بالمئات أن نصرخ بأعلى صوتنا يا حماة السويداء معك للموت..

صراخنا لم يكن فقط ردّاً على مجزرة أطفال الحريّة بل كان أيضاً ردّاً على شرخ دائم، حاول النظام إذكائه بين الدروز و السنة عبر قول مخابراته بشكل دائم ( إذا حكموا السنة بيقتلوكم ) ما بتتذكروا شو عمل الشيشكلي فيكم؟ في إثارةٍ خبيثةٍ لحدثٍ تاريخي يرتبط بالرئيس السابق لسوريا، أديب الشيشكلي وجبل الدروز .. حيث يروي التاريخ أنّ حملة عسكريّة توجّهت للجبل بسبب اضطرابات  تمخّض عنها صداماتٌ أدّت إلى مقتل العشرات من أبناء الجبل.. وكان هذا حدثٌ جلل أدّى فيما بعد لاستقالة الشيشكلي درءً للفتنة وغادر الشيشكلي للبرازيل، ثم لحق به شخص ينحدر من جبل الدروز بعد سنوات ليقوم باغتياله هناك..

الشيشكلي الذي التقيت بحفيده أديب ( يحمل نفس الاسم ) فيما بعد .. حيث أصبحنا أصدقاء، وتحدّثنا بتفاصيل هذه الحادثة من مختلف وجهات النظر واكتشفنا أن ما يجمعنا كسوريين ضمن آتون الثورة أكبر بكثير ممّا يفرقنا…

الثورة هي المرة الأولى التي صرخ بها السوريون نصرةً لحماة..

كانت المرة الأولى التي قالوا بها للعالم في حماة ارتكبت مجزرة…

هذا الحدث لعب على وتره النظام مطولا، وحاولت أجهزة المخابرات إثارته دائما وربط كلّ ما يحصل به من أجل تكريس عبارة مفادها ( حين يحكم السنة سيقتلونكم) والهدف التمسك بنظام الأسد تحت صيغة ( حامي الأقليات)

مظاهرة ساحة الفخار بالسويداء كانت نصرةً لحماة..

عمد النظام تاريخياً إلى إخافة السوريين من بعضهم و عمد أيضا إلى زرع الخوف بين كلّ مكونات الشعب السوري عبر ترويج مجموعة من الصفات والتهم لكلّ مكون سوري سواء أكان أقلية أو أكثرية.. وكان أهم ما أنتجته للثورة في بدايتها أيّ فترة السلمية أنّ السوريين أعادوا تعارفهم مجدداً وحطّموا الكثير من الحواجز المصطنعة فيما بينهم..

في كلّ سوريا رددت حناجر الثائرين أغنية القاشوش:  يا لله ارحل يا بشار.. متجاوزة بذلك كلّ الحواجز…

مظاهرة المثقفين

وبفعل تحطّم كلّ الحواجز تمت دعوتي إلى عدد كبير من الاجتماعات في دمشق ..في بيوت عامرة بالإرادة والتصميم ..  كان أغربها بالنسبة لي شريحة كنت بعيدة عنها كل البعد وهي بيوت سيدات متدينات في دمشق من دعاة اللاعنف.. اكتشفت من تلك الاجتماعات أنّ عدداً كبيراً من الأفكار المركبة في ذهني كرصيد لعمل إشاعات النظام كانت وهماً ..

وكنت أفكر طوال الوقت في حدثٍ استثنائي يعيد مشاركة المثقفين بالثورة بشكل أكبر خاصة بعد انتكاسة بيان درعا ..

وبدأت بالتفكير بمظاهرة المثقفين .. مظاهرة يتمّ الإعلان عنها وبأسمائنا الصريحة لنقول: إننا سننزل إلى الشارع فنانين وكتاب ومثقفين ، لنقول إننا جزء من هذا الشعب ولا ننفصل عنه..

تحدّث إليّ شخص على الفيس بوك مراراً قال لي في كل مرة :.. ” أنتم المثقفون مطالبون بموقف أكبر وبجدية أكبر يجب أن تكونوا بالشارع ببصمتكم الخاصة وسيكون الجميع معكم ..”

من هذا الكلام استوحيت الفكرة ..  فتحدّثت بها إلى  فايز سارة المعارض السوري الذي عبر عن موافقته ومن ثم توجهت إلى صديقي إياد شربجي..

التقينا في أحد المقاهي وطرحت عليه الفكرة، قلت له: يجب أن نكون بالشارع بأسمائنا وبعنوان مظاهرة المثقفين لنقول للنظام؛ الذي كان يروج أنّ هذه الثورة كذب وأنها مليئة بالمندسين والسلفيين ، أنت كاذب ونحن جزء من هذه الثورة..

إياد تحمّس للفكرة بعد حديث مطول وبدأت بطرح الفكرة على التنسيقيات ..

إقرأ المزيد حين شرعت الجدران …(3)

حين شرعت الجدران بالكلام (2)…الشعب السوري ما بينذل

حين شرعت الجدران بالكلام..!! (١)

 

يتبع..الجزء الخامس

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.