حين شرعت الجدران بالكلام (2)…الشعب السوري ما بينذل

كنت أفكر دائما في إمكانية الدخول إلى صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد دون أن تلتقطني أساليب المراقبة التي عرفت عن المخابرات السورية…

استجمعت قواي مرة بعد مرة، حاولت إزالة هذه الفكرة من رأسي ونجحت…

ولدت لدينا صفحة…صفحة تدعو السوريين للثورة ضد بشار…

في مكتبي الكائن في الشعلان حضر العديد من الأصدقاء…كنا نتحدث بما يشبه الهمس عما يحصل في مصر ونختبر النظرات وما وراءها.

هل نحن جاهزين؟

هل سننزل إلى الميادين؟

كان حديثنا اليومي، وبات الصوت يرتفع قليلا قليلاً مع تسارع الأحداث في كل مكان.

صوتنا لم يعد همساً…

سألت صديقتي الزائرة بثقة: بتنزلي إذا طلعوا الناس عنا بتنزلي؟!.

صمتتْ لبرهةٍ .. نظرت في كلّ أرجاء الغرفة، ثم حدّقت بي وانفجرت ضاحكةً..

لما يصيروا بالميدان بنزل مو قبل ريما .. !!!

ضحكنا معاً..  !! ثم صمتنا معاً لأفكّر في عبارتها التي لم ترضِ ما أصبو إليه نوعاً ما..

لقد كنت بحاجةٍ لاختبارٍ.. اختبار شجاعة.. وجوابٌ صريحٌ على سؤالٍ مفاده: هل سأتمكن من النزول إلى الشارع؟.  

و جاءت تلك اللحظة دونما تخطيطٍ..

حصلت حادثة الجمل ضمن أحداث ثورة مصر، وكانت حادثةً مريعةً اعتراني أثرها كما الكثيرين الغضب العارم..

كنت أريد النزول إلى الشارع .. أريد أن أصرخ وكأنني في ميدان التحرير معهم..


في ذلك اليوم جاءت ضحى إلى المكتب.. كانت ضحى الصحفيّة الشابة اليافعة،   والتي تصغرني بسنواتٍ مليئةٍ بالحماس، وكنت أرى في عينيها الكثير من الألق.. كنت أرى في عينيها بذور ثورة لطالما حلمت بها..

قالت لي سننزل إلى الشارع أمام السفارة المصرية اليوم.. تنزلي؟

كان اختباراً حقيقياً لكلّ ما كنت أفكّر به طوال الشهرين الماضيين.. في سوريا النزول إلى الشارع يعني: تحدّي الأمن حتّى وإن لم يكن سببه الاعتراض المباشر على النظام..

دقائقٌ قليلةٌ فصلتني عن الإجابة .. استجمعت فيها كلّ تلك الثرثرة التي كانت تجول في داخلي حول الثورة والغضب، وما يحصل في كلّ مكان ٍ وكنت أضع نفسي على محكّ أخلاقي حقيقي..

محكّ أخلاقي دفعني للإجابة بنعم..

ابتسمت وغادرت.. جلست على الكرسي أفكّر في جوابي.. خفق قلبي بطريقةٍ غريبةٍ.. طريقة لم أعهدها لم يكن خوفاً خالصاً؛ لأنّه ممزوج بالحماس أيضاً.. وحين يمتزج الخوف بالحماس يولد الجنون..

في المساء حضرت سمر يزبك.. صديقتي الكاتبة التي كانت تنوي الخروج إلى الاعتصام أيضاً..

شحذت همتي وخرجنا وتوجّهنا مع ضحى إلى كفرسوسة، حيث كانت تقف السفارة المصرية.. على الطريق مررنا أمام أفرع الأمن الجاثمة كمشاهد قبرٍ باردٍ في تلك المنطقة الحيويّة في دمشق.. كانت الباصات الواقفة أمامها تمتلأ بعناصر الأمن المدججين .. أدركنا حينها أنّهم مدعوون إلى نفس الحدث بطريقة أخرى.. ارتجف جسدي.. وارتفع صوت الخوف في داخلي… ولكنني قررت المضي إلى الأمام..

وصلنا  إلى المكان، وفصلتنا عن السفارة عشرات الأمتار بفعل حاجزٍ أمني ..

مئات العناصر الأمنية كانت بانتظارنا، وكنا لا نتجاوز العشرات..

اكتشفت حينها أنني أعرف معظم من حضروا شخصياً أو بالاسم .. معظم من حضر كان من فئة المثقفين والشباب الناشطين، و كنّا نعيش لحظة الاختبار ذاتها..

كما كانت القوى الأمنية تعيش حالة الاختبار تلك ولكن من الطرف المقابل…


عملياً كنّا محاصرين من ثلاث جهات، وكان على رأس المجموعة الأمنية عقيدٌ  طلب منّا المغادرة فرفضنا، وكان يتجمّع خلفه عناصر الأمن المدججين بأدوات مكافحة الشغب مع أننا لم نكن مشاغبين؛ كنّا فقط نحمل الشموع..

أوقدنا الشموع وحملنا اللافتات.. وبدأنا بالغناء.. جميلٌ أن يخالط الخوف الغناء فحين يخالط الخوف الغناء تولد الشجاعة..

مصر يامه يا بهيه  ياام طرحه و جلابيه الزمن شاب وأنت شابه هو رايح و أنت جايه جايه….

اختفت وجوههم، ولم أعد ألمح هامات الأمن المتحفزين من حولنا .. لحظات استطاعت فيها أضواء الشموع الخافتة أن تدفئ القلوب وتوحدها مع عبارات الأغاني القادمة من النيل لتستثير بردى..

وفي لحظةٍ مباغتةٍ هتف أحد الشبان: هبي يا رياح التغيير.. فهبت جموع الأمن الغفيرة بالهجوم علينا.. وانتهى الاعتصام بالهرب..

لكن تلك اللحظات كانت كافيةً لتهمس في أعماقي بجملةٍ كنت بحاجةٍ إلى سماعها:  

سننزل الى الشارع..

في 17 /2/2011 وأثناء وجودي في مكتبي ..صعدت زميلتي بالعمل تضحك.. قالت لي جملةً واحدةً انهمرنا بعدها بالبكاء سويا..

قالت لي: نزلوا .. مظاهرة بالحريقة .. بكينا .. لم نصدق… بحثنا على الفيس بوك.. وجدنا الرابط.. في وطنٍ سلبت إرادة شعبه لسنواتٍ ليس حدثاً عاديّاً أن تنتفض للكرامة..

ليس حدثاً عاديّاً أن تحيا بعد موتٍ سريري كُتب لك بأيدي الطغاة القذرة طوال أربعين عاماً…

ليس سهلاً أن يصرخ السوريين في وسط دمشق ردٍاً على صفع شرطي مرور لرجلٍ في الحريقة:  

الشعب السوري ما بينذل..

الشعب السوري ما بينذل ..

قبل شهرين فقط  حين تعطّلت سيارتي، و اضطررت لأخذ سيارة تكسي

وأمام روتانا  تحديداً، عبوراً من أبو رمانة باتجاه الحلبوني، توقفت سيارة هامر كبيرة أمام سيارة الأجرة التي كنت استقلّها .. كان سائق التكسي رجلاً هرماً استفزه مسير سيارة الهامر بعكس السير ووقوفها أمام السيارة، فضرب الزمور بغضب.. نزل الشاب سائق الهامر بغضبٍ وتقدّم باتجاه الرجل الذي تسمّر مترقباً خائفا،ً وثبّت يديه على المقود.. تجمّدت في المقعد الخلفي، وكنت أحدّق في الشاب الملتحي قليلاً الذي يقترب باتجاه السيارة كثور غاضب.. حاولت تذكر ملامحه التي بدت مألوفةً نوعاً ما..


أدخل يديه من شباك التكسي وأمسك برأس الرجل، وبدأ بضربه والصراخ ، عمّ تزمرلي يا كر… ولك أنا ماهر الأسد يا حيوان …

وضع يده على المسدس.. ثم لمح ارتجافي في المقعد الخلفي.. أدخل رأسه من الشباك وحدّق بي ثم قال للرجل.. لولا  هالست يلي معك كنت شفت ياحيوان..

غادر وصعد إلى سيارته، وانطلق كالمجنون بينما انهمرت دموع الرجل ودموعي معاً…

لم أكن متأكدةً إنّ كان فعلاً ماهر الأسد مع أنّه يشبه صوره المعلّقة في كلّ مكان..

لكن ما تأكدت منه في تلك اللحظة، إنّ ما خسره هذا الرجل بهذه الضربات المسكين لا يشبه أيّ خسارة..

الشعب السوري ما بينذل…

قبل 28 عاماً اضطررت وأنا طفلةٌ إلى أن أقف مراراً ضمن أرتالٍ لا تنتهي من الكبار رافعة بيدي دفتر العائلة، لعلّ المختار يلمحني بين كلّ هؤلاء ويختم لي الدفتر للحصول على علبة سمن وعلبة محارم.

كان هذا في الثمانينات وكان والدي قد توفي، وكنت مضطرةً لأقوم بأعمال الرجال في بعض الأحيان ..

الحصول على علبةٍ من السمن كان يتطلب نهاراً كاملاً …وكذلك ربطة الخبز.. والسكر والمحارم..  كانت هامات الرجال في تلك الفترة خاليةً من الروح وكان شحوبهم يخيفني..

نفس الوجوه كنت ألمحها مراراً ضمن أرتال الناخبين المسوقين حين تجديد البيعة،  حيث تسحب أصابعهم لتثقب بدبوس ليبصموا بالدم للقائد الخالد حافظ الأسد!!!

وجوه الغاضبين في الحريقة اليوم كانت تصرخ بالحياة هم كانوا يصرخون الشعب السوري مابينذل..

لربما عادت إليهم الروح..!

 

  • حين شرعت الجدران بالكلام..!! –

 

أخيراً بدأت الجدران بالكلام..  خرجت عن طور الصمت الأزلي لتقول: جاييك الدور يا دكتور.. في التلّ وحرستا ودوما وفي عددٍ من المناطق في سوريا…

شاركت أثناء ذلك باعتصاماتٍ عديدةٍ أمام السفارة المصريّة والليبيٍة بعد أن انضم الليبيون إلى الربيع العربي، كما شاركت في وقفةٍ أمام قصر العدل للمطالبة بالمعتقلين؛ الذي اعتقلهم النظام في وقفةٍ أخرى كانوا قد خرجوا بها أمام وزارة الداخلية، قام بها نشطاء وسياسيون للمطالبة بمعتقلي الرأي..  كانت الأعداد قليلةً نوعاً ما إلا أنّها كانت تعبّر بحق عن إرهاصات ولادة ماردٍ عملاقٍ سيسمى فيما بعد بالثورة السوريّة..

في 15/3/2011 خرجت أول مظاهرة في دمشق ضدّ النظام بسوق الحميدية بعنوان الثورة، وهتف السوريون الله سوريا حرية و بس.. ووينك يا سوري وينك!. وحين يقول السوريون في أول هتافات الثورة حرية وبس.. أيّ حرية فقط فهذا يعني: أنّهم سئموا تماماً من ربط سوريا بالأسد.. وإنّه لم يعد يعنيهم إلا الله والوطن وحريتهم .. هذا يعني: أنّهم قالوا للنظام الديكتاتوري: كفى..

حتى ذكر السوريون للفظ الجلالة بالهتاف هو خروجٌ عن المسموح. لطالما قمع النظام السوري أيّ هتافٍ لا يشمل القائد حتّى ولو كان الله..


وبعيداً عن كونك مؤمناً أو لا .. فإن هذا الهتاف يعني تماماً: أنّ جداراً ضخماً من الخوف قد انهار، وأن السوريين اتخذوا القرار ..

صرخوا أيضاً في ذلك اليوم: وينك يا سوري وينك.. وفي هذا الهتاف بحث  السوريون عن أنفسهم بعد كلّ هذا الرقاد، لقد نهض التونسيون والمصريون، وكنّا بانتظار أنفسنا…. إنّها استنهاضةٌ للهمم .. استنهاضةٌ للكرامة .. وبعث إلى الحياة بعد صلب طويل للكرامة والحريّة والروح الوثّابة ..

لكن أبلغ الكلام قالته جدران درعا حين خطّ أطفالها تلك العبارات، فزجُوا بالسجون وقُلّعت أظافرهم..

خرج أبناء درعا بتظاهراتٍ شعبيةٍ واسعةٍ في يوم 18/3/2011 واشتعلت شرارة الثورة بانتفاضة أهل درعا..

لقد أدركت تماماً بعد أن صرخ السوريون بهتافاتهم تلك: أننا دخلنا عهداً جديداً وإن سوريا قبل 15/3/2011 ليست أبداً كسوريا بعد هذا التاريخ..

استجابت حمص وبانياس واللاذقية وريف دمشق لنداء الفزعة، وبدأت المظاهرات بالخروج في كلّ تلك الأماكن..  وقرر النظام مواجهة ذلك بالعنف والاعتقال وإطلاق الرصاص الحي بدلاً من تلبية مطالبٍ إصلاحيّةٍ؛ كانت ستكفي لتهدئة السوريين..

كان كافياً لأهل درعا في بداية الأمر معاقبة عاطف نجيب؛ المسؤول عن فرع الأمن الذي اعتقل الأطفال وأهان الرجال وتعرض بالقول للنساء… كان كافياً لهم زيارة تعزية من بشار الأسد لعوائل من قتلهم الجيش والأمن بالمواجهات.. لكن بشار الأسد قرر بدلاً من ذلك الخروج على مجلس الشعب بخطابٍ استفزازي سخر  من كل ما حدّث، وضحك على دماء الناس …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.