حين شرعت الجدران بالكلام..!! (١)

إلى من تشاركت وإيّاهم نشوة الحلم و مرارة استلابه …إليكم أبناء الشمس وأرواح الهائمين..إلى كلّ تلك الابتسامات التي حرمها الموت من أن تورق شباباً؛  فدفنت في صدور الأمهات وآهات الآباء..إلى وطني العالق في الذاكرة، النابض كالقلب رغماً عنهم..

الكاتبة: ريما فليحان

تأليف: ريما فليحان
تقديم وشهادة  من الكاتبة والقاصّة الأردنيّة بسمة النسور

حين رحل والدها مبكراً، وضعت طفولتها جانباً، قررت أن تعيشها حيناً ميسرةً،

إذ بدا لها آنذاك أنّ في العمر متسعٌ لترفٍ كهذا!  فكبرت الصغيرة على حين فقدان،  جرى ذلك في لحظةٍ خاطفةٍ، فجأةً وضعتها الحياة في مواجهةٍ مجحفةٍ مع صدمة اليتم والحزن والخسارة. نعم: خسارة  الظلّ والأمان والسند والعزوة بالمعنى القروي الجميل.  

قُدّر عليها لها التعب والأسى رديفاً لروحها الصلبة العنيدة العصيّة؛ ولكن  شديدة الرهافة فائقة الحساسيّة صاحبة نفسٍ لوّامةٍ  تؤرّقها  بضراوةٍ  لمجرد اشتباهها بأنّها أسأت أساءت لصديقٍ، وهي لا تفعل سوى التغاضي بنبلٍ شديدٍ وتسامحٍ يثير الغيظ  أحياناً عن هفوات الآخرين.

ريما فليحان الطفلة المؤجّلة التي رافقت أمّها الراحلة في درب آلامٍ جائرة حيث المرض والأوجاع المبرحة، عاشت تفاصيلها يوماً بيومٍ وعاماً اثر إثر عام إلى أن أفضى بها إلى حجرة باردة نائية في مستشفى دمشقي . غسلت الجسد المغادر بيديها الغضتين، كفّنته بما يليق بالحب واللوعة وحرقة الفراق، كانت برفقة الجثمان  المسجى في طريقها إلى السويداء، حيث ودعت هناك وإلى الأبد طفولتها المنهوبة  دون وجه حق .

لم يخطر ببال ريما يوماً رغم أنّها منخرطةً بالشأن العام كناشطة حقوقية، وكاتبة سيناريو متورطةً حتى أخمص روحها بعذابات البشر، وأمٌّ مهجوسة مهووسة بتحقيق شروط حياةٍ أفضل لصغيريها .

لم يخطر لها أنّها ستتحول إلى معارضةٍ سياسيّةٍ لها حضورها المؤثّر، ويغدو رأسها مطلوباً رأسها  بتهمة الانحياز لجوع أطفال درعا، فتغادر بلادها في ليلةٍ ليس بها ضوء قمر لائذة بحلمها النبيل:” سوريا حرة ديمقراطّية، علمانيّة، تعدديّة.

ومن عمان في منفاها الذي أرادته على مرمى تنهيدة حنينٍ إلى سويداء قلبها، وإلى دمشقها الأغلى دمشق التي تضاهي غلاوة من تراب الأرض، وإلى شامها التي ما غادرت وجدانها لحظةً.

صارت وجهاً مألوفاً ومنتظراً ومحبوباً؛ يبث الأمل ويعزز حلم الخلاص في محطات التلفزة العربيّة والعالميّة.


زاولت نشاطها السياسي والإعلامي والإغاثي بمهنيةٍ عاليةٍ واقتدارٍ كبيرٍ وشفافية غير مسبوقةٍ، فدوّنت كلّ فلسٍ تمّ إنفاقه، انتشلت الكثيرين من شروط عيش مدقع  أمنت لهم الغذاء والدواء والدفء الذي عزّ في ليالي مخيم الزعتري الطويلة الباردة، لم يسمع بها أحدٌ حين انزلقت قدمها، وسقطت عن  سقف شاحنةٍ  في قلب الزعتري الغارق في بياضٍ موحشٍ، توزّع بيدها الأغطية على جموع اللاجئين المرتعدة أوصال صغارهم برداً، فتأذّى ظهرها، وكان ينبغي لها أن تتوقف. غير أنّها لم  تفعل  رغم إلحاح الجميع، وظلّت حتّى مطلع الفجر تقوم بعملها، فعلت ذلك بصمتٍ نبيلٍ حزينٍ في الوقت الذي كان البعض يلهون بكرات الثلج في مناطق عمّان  الفاخرة، ويجتهدون في اختيار كسوة رجل الثلج كي لا يتعرض للذوبان السريع!

تعالت على جراحها الكثيرة، وصمدت في مواجهة محاولات التشكيك والاغتيال  الشخصي، وقدّمت حين أتيح لها ما عجزت عنه مؤسساتٌ دوليّةٌ مكرّسةٌ.

أدركت ريما بذكائها الحادّ وفطرتها النقية: مقدار الوحل الذي غاص فيه كثيرون، ودارت خيبتها بأشخاصٍ توهمتهم أكثر صدقاً وشجاعةً، وآخرين مغرمين باللون الرمادي وقفوا في اللحظة الحاسمة بمنطقة ألما بين بين بانتظار حسم المعركة.

شأن كلّ الشرفاء احتملت هذه الشهيدة الحية بشجاعة عزٍّ نظيرها أذية وظلم نظام البطش والإجرام؛ الذي سخّر أدواته دون نجاح كبير للنيل من سمعتها انطلاقاً من حقيقة استحالة تغطية الشمس بغربالٍ أسود.

غير أنّ ما جرح روحها في العمق، وترك بصمة أسى غير قابلةٍ للزوال فقد كان ظلم ذوي القربى وهو الأكثر إيغالا في الروح .

رغم ذلك حاولت بكلّ طاقتها التصدي والمضي قدماً في تلك الدرب الشائكة الحافلة  بالمطبّات .

أتحدّث كشاهدة عيان، شاءت الأقدار أن أقف على تفاصيلٍ يوميّةٍ كثيرةٍ، ولأن فليحان نزيهة وحالمة أكثر مما ينبغي، لم تحتمل كلّ تلك البذاءات، فآثرت التمسك بالحلم النبيل ونأت بنفسها عن كلّ ذلك الضجيج .

وفي مرحلة التأمل والتقاط الأنفاس، التفتت نحو الوراء انتبهت إلى خزّان الذاكرة  المكتظ بالصور، وكان لا بدّ لها التخفيف منه، لدى ريما ما تقوله. وهو جدير بالالتفات؛ لأن تجربتها شديدة الخصوصيّة ولسوف  تصحبنا على مدى الصفحات  المقبلة إلى بوحٍ عفوي حميمٍ موجعٍ وأصيلٍ  وصادمٍ  أحياناً، منّذ تلك اللحظة الخارقة المدهشة الخارجة عن إيقاع الزمن الرتيب؛ حين شرّعت الجدران في الكلام وانفلتت الكلمات الحبيسة في الصدور فاحتشدت بها سماء سوريا الحرة الأبيّة التي  في البال.

مذكّرات ريما فليحان تلخيصٌ فادح عظيمٌ لسيرة الحلم والأمل والوجع والبطولة والشجاعة والصمود والتضحيات  الكثيرة.

إنّها باختصارٍ صرخةٌ شاهقةٌ للحقّ الذي لن يضيع .

بسمة النسور

عمان 29/6/2014



 

مقدمة

كان يجب أن أخرج كلّ شيءٍ من رأسي على الورق؛ لأضعه أمامي وأحدّق فيه مليّاً مرةً أخرى ..

ثلاث سنوات لا تقاس بالدقائق والساعات الزمنيّة المعهودة، لأنها ترتبط بذاكرة الإعصار..

أحدّق في جسد وطنٍ يئن أمام عجزي وتضارب مشاعري، فأشعر بالاحتراق.. وأبحث عن حلمي وبقايا البلاد، ضمن ما تبقى من أهداب ثورةٍ صارت خارج التغطية بفعل تراكم الدماء..

غدر بنا الجميع، وقتل بعضنا بعضاً، وجاءت الغيلان من كلّ مكانٍ لتسرق ما تبقى  لنا من بقايا أحلامٍ، وترفع أعلامها الغريبة فوق الجماجم.

يقود المجرم  حملته الانتخابية، وتقام الأعراس الوطنية لتجديد استبعاث بعث الديكتاتور فوق الدماء وأنقاض أمل في التغيير؛ ما زال يستشعر النبض في ثورة مولودة موؤودة موءودة بأيدي الغدر والأنانية والقتل..  وأبحث تحت غبار الركام عمّا تبقى .. وتسقط البراميل لتفجّر كلّ شيءٍ حتّى الأطفال.. !

في  وطني حربٌ بالوكالة، يشنّها الجميع ضد الجميع، وينتصر فيها الموت ويخسر فيها كلّ السوريون ..

بين كلّ هذا وذاك تطحننا رحى لا نعلم من يمسك بذراعها، وتسحق عظامنا تحت وطئة الدوران وخلط الأوراق في هذا العالم المجنون..

كان يجب أن أستدعي الصوت والصورة من عمق الذاكرة المتعبة..  فحلمي الضائع كان أبيضاً كلون الغيوم، وما زلت أبحث عن المطر بالرغم من كلّ هذا السعار الذي يفترس كلّ شيءٍ…

من أجل كلّ هذا تخرج صوري وحكاياتي على الورق ضمن هذا الكتاب..

لحظة الانسلاخ:

صوت انسلاخ الروح عن الجسد، كان التعبير الآني لرئتيّ اللتين أصدرتا صفيراً غاضبا في أزمة ربو؛ أسقطتني على الفور إلى الجانب الأردني وأدخلتني مباشرةً في الشريط الشائك؛ الذي أمسك بقدمي في محاولةٍ أخيرةٍ لتجميد اللحظات التي رافقت الخروج المكلوم من سوريا..

على قمة ذلك الساتر الترابي كانت نهاية العالم خلفه. يئن وطنٌ غادرته عنوةً وأمامه مستقبلٌ مجهولٌ تحيط به العتمة، ضمن ما يمكن تسميته رحلة اللجوء إلى بلدان الجوار..

كانت تلك اللحظات التي رافقت هربي من سوريا بعيداً عن أعين المخابرات الجويّة، وكانت تلك اللحظات هي التي حوّلتني بقدر صخبها إلى لاجئةٍ مجهولة المصير والمكان. ككثيرٍ من أبناء وطني الخارجين المتعبين الهاربين من عيون المخابرات الوقحة؛ التي أرادت دائما أن تقتحم عشقنا الممنوع للحرية والذي خرج إلى الحياة  كماردٍ عملاقٍ من رحم الأمل والألم ..
ولدت فيزيولوجيا في حلب، ورافقت سنوات عمري الأولى مراحلٌ كثيرةٌ عبرت من حلب منها إلى دمشق ثم إلى السويداء محافظتي التي أنحدر منها. وبين هذه المدن الثلاثة تعلّمت الألم والصمت والعضّ على الجراح، كما أنني تعلمت أيضا أن أضمّد جروح الآخرين في محاولةٍ يائسةٍ لفعل شيءٍ في مواجهة وحشٍ بشعٍ يُسمى الظلم..

ولكنّ هذا لم يكن كافياً، فوجود الهواء لا يعني أبداً أنّ الأوكسجين كان كافياً ..

طوال أعوام الارتقاء بالنمو نحو الوعي  كان يجثم على صدري صمتٌ مطبقٌ يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ ذلك الهدوء الذي اختزنته ذاكرتي في تجربتي الجنينية ..

التجربة أن تعيش في العتمة تسعة أشهرٍ كاملةٍ، بحيث لا يكون لك الخيار إلا في النمو والحصول على ما يُختار لك فقط، تجربةٌ يحقّ لنا أن نتذكرها وأعتقد أنّ هذا الصمت هو السبب المباشر لشهقاتنا وصرخاتنا الأولى، والتي تعلن للعالم إننا وصلنا .. ها نحن هنا وقد مللنا الصمت و سنحيا…!!

فشلت دائماً في استعادة تلك الذاكرة، كما فشل الآخرون على ما أعتقد.. إلا أنني نجحت فعلياً في الحصول على كلّ المشاعر التي رافقت ولادتي الحقيقية في شهر نيسان من عام 2011 حين دخل الكثير من الأوكسجين إلى صدري، وصرخت بأعلى الصوت لأنطق كلمتي الأولى فعلياً… حرية .. حرية .. حرية..

في ذلك اليوم اجتاحت السيالات العصبية كلّ المسامات والأحاسيس في حالةٍ من النشوة المقدسة؛ التي أعلنت من خلالها ككلّ المولودين المعمدين بالكبرياء إننا هنا ولدنا هنا، ووجدنا لنقول ولتحطم أصواتنا أسوار السجون والأقبية وظلام القبور السريّة وأعواد المشانق ..

في سوريا ولدنا من جديدٍ، ورأينا ذلك الفجر المعمّد بدمائنا يخرج من رحم الصمت، هو لنا ونحن له أيضاً. ومن أجل هذا فإننا سنحارب كلّ جيوش الظلام، من أجل هذا لن نسمح لأحدٍ بسرقة الحلم منّا مجدداً وسرقة القمر الوليد على أكفانٍ مسجّاةٍ بأعلامنا الهادرة فوق سيولٍ من الهامات…

منذ خرجت في 25/9/2011 وانا أبحث عن ملامح… ملامح الشارع المسجّى بغبار أقدامهم..



ملامح العجوز المتكئ على ناصية الباب في حواري الميدان في رحلة عبوري إلى الطفولة…

ملامح البازلت الأسود؛ الذي قفزت فوقه كالماعز طفلة في مدينتي السويداء..

ملامح الأصدقاء وأصوات القهقهات.

ملامح بائع الفول والخضار في آخر الحارة في حي الميدان الدمشقي قبل أن أرحل..

رائحة القهوة والعرانيس في الأسواق الشعبيّة ..

ملامح وطنٍ أو ما تبقى منه..

ملامح ثورةٌ وحلمٌ.. ولدت وتنازعتها الأيدي لتغيّر من ملامحها..

ملامح وجه أمي .. وطني.. وأصدقائي..

هي كلّ ما بحثت عنه طوال الأعوام الثلاث التي مضت…  

عبثاً بحثت عنها خارج طيف الطاقة المرتبطة بالحياة في جسدي المتعب ..

ودائماً كانت تنتهي رحلة بحثي الشاقة خلف المقل في ظلام الليل البارد، حيث أهرب من البرد إلى البرد ومن الحياة إلى الحياة ..

ترقب:

 

لم أكن انتوي أنوي الترشح لفترةٍ رئاسيّةٍ جديدةٍ..

عبارةٌ قالها حسني مبارك في خطابه الأخير لشعب مصر..

أن تسمع في هذه البلاد المحكومة بالطغيان مثل تلك العبارة فهذا يعني: أنّ هناك شيءّ قد تغيّر في تاريخ المنطقة…

فالجمهوريات في بلادنا هي كذبةٌ تمّ اختراعها لتكرّس في الواقع الاستحواذ على السلطة وتوريثها الآباء فالأبناء ..

إنّها أبديّة الديكتاتور واستمرار حكم المخابرات .. بحيث يصبح خبر وفاة أيّ زعيم “تماما” أمراً لا يصدق ..

حين توفي حافظ الأسد في العاشر من حزيران من عام 2000 كان أشبه ط بالمستحيل  بالنسبة  لي أن أصدق..!

أذكر تماماً ما حصل في ذلك اليوم .. كنت وحدي في البيت، ولم يكن التلفاز مضاءً كالعادة، رنّ جرس الهاتف و كانت صديقة تحاول ربما معرفة ردّة فعلي وإن كان الخبر قد وصلني..

تحدثّت إليها بشكلٍ اعتيادي، وكانت مرتبكةً تماماً حين أدركت أنني لم أعلم بعد، وهذا يعني أنّه من الواجب عليها إعلامي دون أن تقع في فخ التنصت على المكالمات ودون أن تبدي أيّ ردة فعل قد تتسبب في مشاكل لها. هي بالغنى عنها..

قالت لي: ريما هل شاهدت التلفاز اليوم، فقلت لها لا ..


فقالت ما رأيك أن تفتحيه؟.. وداعاً.. أغلقت السماعة.. شعرت بغرابة الموقف، توجّهت للتلفاز كان القرآن يُتلى على التلفاز السوري، استهجنت الأمر.. لم أفهم!  وشعرت بأن هناك أمراً ما .. لحظات استدركت.. ظهر الخبر الذي أعلن شيئاً، كان من الصعب عليّ تصديقه.. حافظ الأسد مات..

تجمّدت للحظات .. ثم انتابتني نوبة من الضحك..  ضحكت مطولاً..

أتعلمون لماذا؟ لم أعرف أبداً رئيساً لسوريا منذ ولدت إلا حافظ الاسد ..

أُجبرت طوال وجودي في المدرسة على ترديد شعار إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد.. رأيت تلك العبارة في كلّ الشوارع طوال حياتي..

صورة حافظ الأسد لاحقتني على دفاتر المدرسة والكتب.. على شهادات نهاية العام الدراسي .. على التلفاز .. في الساحات العامة.. في كلّ مكان..

لم أصدق أنّه مات .. لم أكن أتخيل أنّه كان رجلاً يمكن له الموت .

. فالموت دائماً كان من نصيبنا.. نحن.. الشعب.. فالزعماء لا يموتون..

في ذلك اليوم ضحكت كثيراً ورددت مراراً.. يالله .. حافظ الأسد طلع بموت.. مات..  !!!!

و بالرغم من أن الضحك عند سماع خبر وفاة أيّ مخلوقٍ قد يكون مخلاً باللباقة الاجتماعية أو بالحالة الشعورية؛ التي يجب أن تعتري الإنسان الطبيعي في هذه الحالات.. إلا أنّ فكرة موت “الأبديّة ” كانت غريبةً فعلاً وتستدعي الضحك.. فالطغاة يفكرون في كلّ شيءٍ إلا أنّهم ربما يموتون… !

هكذا ظننت وربما كان هذا هو سبب ضحكي؛ الذي ما لبث أن تحوّل إلى بكاءٍ حين تمّ تعديل الدستور السوري في ثلث ساعةٍ ليكون بإمكان ابن الديكتاتور الترشح للرئاسة، حيث كان سنة عمره أقلّ من السنّ المحددة في الدستور، ضمن مسرحيةٍ هزليّةٍ، كان أبطالها أعضاء مجلس الشعب في ترداد كورالي لكلمة “موافق على التعديل”..

وصل بشار الأسد إلى السلطة وورثها .. وأُجبرنا على الخروج إلى الشوارع لنهلل بقدوم الأمل.. هكذا أجبرنا كسوريين على حمل لافتاتٍ كُتب عليها: أنت الأمل في تهليل وترحيب بالقائد الجديد للبلاد..

لا يمكن أن تختبر بنفسك شعور أن تكون ” لا شيء ” تماماً لا شيء . إلا حين تجبرك المخابرات والتنظيمات الحزبية في أن تخرج بمسيرات تأييدٍ دون أن يكون لك حق الرفض أو الاعتراض  ..

هكذا وصل بشار الأسد إلى السلطة، وهكذا امتلأت الشوارع من جديد بصورة الرئيس الشاب إلى جانب الأب وشقيق بشار المسمى ماهر..

في إيحاءٍ غريبٍ لاستمرار العائلة حتّى بعد بشار..

إنّه تماماً ما يمكن وصفه بالعار..


لقد كانت أحلام معظم السوريين تتجسّد في طوق نجاة فردي، يؤمّن لهم رغيف الخبز وبيت يتمكنون من دفع إيجاره، وربما في آخر العمر بيت يمتلكونه..

أمّا السيارة فكانت حلم الطموحين فقط..

ولم يكن يحق لأطفالنا أن يحلموا بأن يكونوا رؤساء .. لأنه حلم خاص بأبناء الرؤساء فقط..

وكان يجب علينا أن نكون حذرين في أن تتمادى أحلام أطفالنا بأبعد من الغد..

فما بعد غد سيؤمّنه الزعيم  الفذّ والقائد الملهم بحكمته البالغة فهو من يقود المسيرة، ونحن من يجب أن يصفق..!!!

وبمناسبة الحديث عن التصفيق فأودّ أن أعبّر عن مدى كرهي له كفعل مرتبط بذاكرة السوريين بمجلس الشعب؛ الذي كانت مهمته الموافقة والتصفيق.. فالتصفيق في ظل نظام الاسد هو: مؤشّرٌ مطلوبٌ على المستوى الوطني لتقييم الميول السياسيّة.

المواطن الصالح هو: من يصفق في كلّ الاحتفالات الرسميّة والمسيرات و ربما في البيت..!!

وبالرّغم من رحيل الأسد الأب إلّا أنّ سياسته الأمنية استمرت كنهجٍ قائمٍ، حيث سيطرت على كلّ مرافق الحياة وثبّتت حكم الابن بوقاحةٍ لا توصف ..

في بلادي .. هناك خوفٌ.. صمتٌ..و شللٌ ..

حالةٌ هزليّةٌ من السيطرة الأمنية على كلّ شيء..

أنْ تطلق نكتةً يرد فيها اسم الرئيس فهذا يعني: أنّك ستقضي سنواتٍ طويلة كمعتقل..

أن تفتح محل فلافلٍ صغيرٍ فهذا يعني: أنّك تحتاج لترخيصٍ من المخابرات.

أن تقيم عرساً في صالة أفراح فهذا يعني: أنّك تحتاج لموافقةٍ أمنيةٍ.

وبالتالي لن لم يكن صعباً على القارئ أن يتخيل حجم التكاليف المترتبة على أيّ مواطنٍ يفكّر فيما يتعدى ذلك..  !!

لقد امتدّ صدى صراخ المصريين والتونسيين ليهزّ قلوبنا ..

كنّا معهم نشاركهم الصراخ والألم والأمل.. بكينا معهم، وفرحنا معهم، واهتزت ضمائرنا لما كان يلمّ بهم.. ليس فقط لأننا تشاركنا وإيّاهم الإحساس بالظلم تاريخياً..

بل لأننا كنّا نتخيل أنفسنا مكانهم  تماماً، نعيش أحلام اليقظة التي كنّا نريد لها أن تولد في بلادنا ومياديننا تماماً كما كان يحصل لديهم..

اليوم قالها حسني مبارك.. قالها وللمرة الأولى، أسمع تلك العبارة من زعيم عربي .. عبارة يعلن فيها للملأ أنّه لم “يكن ينتوي ينوي الترشح لولاية رئاسيّةٍ جديدةٍ “…

حالةٌ لا تصدّق.. كانت توحي أنّه قد يرحل ورحيل الزعماء في جمهوريات الديكتاتورية أمرٌ لا يصدق..


تذكّرت حالاً ذلك الرجل التونسي على شاشات التلفاز يصرخ كالمجنون وحده في شارع فارغ ليلاً: ..  بن علي هرب .. بن علي هرب..!

حين رأيته للمرة الأولى شاركته الصراخ والبكاء والأمل..

أغمضت عيني مراراَ لأتخيّل نفسي في الشارع الموازي لبيتي.. أصرخ مثله كمجنونةٍ .. الأسد هرب .. الأسد هرب…. لتصفعني عبارة تخرجني سحلاً من حلم اليقظة الجميل ذاك..

عبارة قالها بشار في مقابلةٍ تلفزيونيةٍ : ما يحصل في هذه الدول لن يحصل لدينا.. !

ومع هذا يمكنني أن أقول:

نعم لقد كنا في حالة ترقّب.. !

الشعب السوري ما بينذل:

كنت أفكر دائماً في إمكانية الدخول إلى صفحة الثورة السوريّة ضد بشار الأسد، دون أن تلتقطني أساليب المراقبة التي عرفت عن المخابرات السوريّة…

 

 

استجمعت قواي مرةً بعد مرةٍ.. حاولت إزالة هذه الفكرة من رأسي ونجحت..

ولدت لدينا صفحةٌ .. صفحةٌ تدعو السوريين للثورة ضدّ بشار الأسد..

نحن في مكتبي الكائن في الشعلان حضر العديد من الأصدقاء .. كنّا نتحدث  بما يشبه الهمس عمّا يحصل في مصر ونختبر النظرات وما وراءها..

هل نحن جاهزون..؟؟

هل سننزل إلى الميادين ؟؟

كان حديثنا اليومي.. و بات الصوت يرتفع قليلاً قليلاً مع تسارع الأحداث في كلّ مكان..

صوتنا لم يعد همساً ..

سألت صديقتي الزائرة بثقةٍ:

بتنزلي إذا طلعوا الناس عنّا..  بتنزلي.. ؟؟

صمتت لبرهةٍ .. نظرت في كلّ أرجاء الغرفة، ثم حدّقت بي وانفجرت ضاحكةً..

لما يصيروا بالميدان بنزل مو قبل ريما .. !!!


ضحكنا معاً..  !! ثم صمتنا معاً لأفكّر في عبارتها التي لم ترضي ترضِ ما أصبو إليه نوعاً ما..

لقد كنت بحاجةٍ لاختبارٍ.. اختبار شجاعة.. وجوابٌ صريحٌ على سؤالٍ مفاده: هل سأتمكن من النزول إلى الشارع؟.  

و جاءت تلك اللحظة دونما تخطيطٍ..

حصلت حادثة الجمل ضمن أحداث ثورة مصر، وكانت حادثةً مريعةً اعتراني أثرها كما الكثيرين الغضب العارم..

كنت أريد النزول إلى الشارع .. أريد أن أصرخ وكأنني في ميدان التحرير معهم..

في ذلك اليوم جاءت ضحى إلى المكتب.. كانت ضحى الصحفيّة الشابة اليافعة،   والتي تصغرني بسنواتٍ مليئةٍ بالحماس، وكنت أرى في عينيها الكثير من الألق.. كنت أرى في عينيها بذور ثورة لطالما حلمت بها..

قالت لي سننزل إلى الشارع أمام السفارة المصرية اليوم.. تنزلي؟

كان اختباراً حقيقياً لكلّ ما كنت أفكّر به طوال الشهرين الماضيين.. في سوريا النزول إلى الشارع يعني: تحدّي الأمن حتّى وإن لم يكن سببه الاعتراض المباشر على النظام..

دقائقٌ قليلةٌ فصلتني عن الإجابة .. استجمعت فيها كلّ تلك الثرثرة التي كانت تجول في داخلي حول الثورة والغضب، وما يحصل في كلّ مكان ٍ وكنت أضع نفسي على محكّ أخلاقي حقيقي..

محكّ أخلاقي دفعني للإجابة بنعم..

ابتسمت وغادرت.. جلست على الكرسي أفكّر في جوابي.. خفق قلبي بطريقةٍ غريبةٍ.. طريقة لم أعهدها هو ليس لم يكن خوفاً خالصاً؛ لأنّه ممزوج بالحماس أيضاً.. وحين يمتزج الخوف بالحماس يولد الجنون..

في المساء حضرت سمر يزبك.. صديقتي الكاتبة التي كانت تنوي الخروج إلى الاعتصام أيضاً..

شحذت همتي وخرجنا وتوجّهنا مع ضحى إلى كفرسوسة، حيث كانت تقف السفارة المصرية.. على الطريق مررنا أمام أفرع الأمن الجاثمة كمشاهد قبرٍ باردٍ في تلك المنطقة الحيويّة في دمشق.. كانت الباصات الواقفة أمامها تمتلأ بعناصر الأمن المدججين .. أدركنا حينها أنّهم مدعوون إلى نفس الحدث بطريقة أخرى.. ارتجف جسدي.. وارتفع صوت الخوف في داخلي… ولكنني قررت المضي إلى الأمام..

وصلنا  إلى المكان، وفصلتنا عن السفارة عشرات الأمتار بفعل حاجزٍ أمني ..


مئات العناصر الأمنية كانت بانتظارنا، وكنا لا نتجاوز العشرات..

اكتشفت حينها أنني أعرف معظم من حضروا شخصياً أو بالاسم .. معظم من حضر كان من فئة المثقفين والشباب الناشطين، و كنّا نعيش لحظة الاختبار ذاتها..

كما كانت القوى الأمنية تعيش حالة الاختبار تلك ولكن من الطرف المقابل…

عملياً كنّا محاصرين من ثلاث جهات، وكان على رأس المجموعة الأمنية عقيدٌ  طلب منّا المغادرة فرفضنا، وكان يتجمّع خلفه عناصر الأمن المدججين بأدوات مكافحة الشغب مع أننا لم نكن مشاغبين؛ كنّا فقط نحمل الشموع..

أوقدنا الشموع وحملنا اللافتات.. وبدأنا بالغناء.. جميلٌ أن يخالط الخوف الغناء فحين يخالط الخوف الغناء تولد الشجاعة..

مصر يامه يا بهيه  ياام طرحه و جلابيه الزمن شاب وأنت شابه هو رايح و أنت جايه جايه….

اختفت وجوههم، ولم أعد ألمح هامات الأمن المتحفزين من حولنا .. لحظات استطاعت فيها أضواء الشموع الخافتة أن تدفئ القلوب وتوحدها مع عبارات الأغاني القادمة من النيل لتستثير بردى..

وفي لحظةٍ مباغتةٍ هتف أحد الشبان: هبي يا رياح التغيير.. فهبت جموع الأمن الغفيرة بالهجوم علينا.. وانتهى الاعتصام بالهرب..

لكن تلك اللحظات كانت كافيةً لتهمس في أعماقي بجملةٍ كنت بحاجةٍ إلى سماعها..

سننزل الى الشارع..

في 17 /2/2011 وأثناء وجودي في مكتبي ..صعدت زميلتي بالعمل تضحك.. قالت لي جملةً واحدةً انهمرنا بعدها بالبكاء سويا..

قالت لي: نزلوا .. مظاهرة بالحريقة .. بكينا .. لم نصدق… بحثنا على الفيس بوك.. وجدنا الرابط.. في وطنٍ سلبت إرادة شعبه لسنواتٍ ليس حدثاً عاديّاً أن تنتفض للكرامة..

ليس حدثاً عاديّاً أن تحيا بعد موتٍ سريري كُتب لك بأيدي الطغاة القذرة طوال أربعين عاماً…

ليس سهلاً أن يصرخ السوريين في وسط دمشق ردٍاً على صفع شرطي مرور لرجلٍ في الحريقة:  

الشعب السوري ما بينذل..

الشعب السوري ما بينذل ..


قبل شهرين فقط  حين تعطّلت سيارتي، و اضطررت لأخذ سيارة تكسي

وأمام روتانا  تحديداً، عبوراً من أبو رمانة باتجاه الحلبوني، توقفت سيارة هامر كبيرة أمام سيارة الأجرة التي كنت استقلّها .. كان سائق التكسي رجلاً هرماً استفزه مسير سيارة الهامر بعكس السير ووقوفها أمام السيارة، فضرب الزمور بغضب.. نزل الشاب سائق الهامر بغضبٍ وتقدّم باتجاه الرجل الذي تسمّر مترقباً خائفاً، وثبّت يديه على المقود.. تجمّدت في المقعد الخلفي، وكنت أحدّق في الشاب الملتحي قليلاً الذي يقترب باتجاه السيارة كثور غاضب.. حاولت تذكر ملامحه التي بدت مألوفةً نوعاً ما..

أدخل يديه من شباك التكسي وأمسك برأس الرجل، وبدأ بضربه والصراخ ، عمّ تزمر لي يا كر… ولك أنا ماهر الأسد يا حيوان …

وضع يده على المسدس.. ثم لمح ارتجافي في المقعد الخلفي.. أدخل رأسه من الشباك وحدّق بي ثم قال للرجل.. لولا  هالست يلي معك كنت شفت ياحيوان..

غادر وصعد إلى سيارته، وانطلق كالمجنون بينما انهمرت دموع الرجل ودموعي معاً…

لم أكن متأكدةً إنّ كان فعلاً ماهر الأسد مع أنّه يشبه صوره المعلّقة في كلّ مكان..

لكن ما تأكدت منه في تلك اللحظة، إنّ ما خسره هذا الرجل بهذه الضربات المسكين لا يشبه أيّ خسارة..

الشعب السوري ما بينذل…

قبل 28 عاماً اضطررت وأنا طفلةٌ إلى أن أقف مراراً ضمن أرتالٍ لا تنتهي من الكبار رافعة بيدي دفتر العائلة، لعلّ المختار يلمحني بين كلّ هؤلاء ويختم لي الدفتر للحصول على علبة سمن وعلبة محارم.

كان هذا في الثمانينات وكان والدي قد توفي، وكنت مضطرةً لأقوم بأعمال الرجال في بعض الأحيان ..

الحصول على علبةٍ من السمن كان يتطلب نهاراً كاملاً …وكذلك ربطة الخبز.. والسكر والمحارم..  كانت هامات الرجال في تلك الفترة خاليةً من الروح وكان شحوبهم يخيفني..

نفس الوجوه كنت ألمحها مراراً ضمن أرتال الناخبين المسوقين حين تجديد البيعة،  حيث تسحب أصابعهم لتثقب بدبوس ليبصموا بالدم للقائد الخالد حافظ الأسد!!!

وجوه الغاضبين في الحريقة اليوم كانت تصرخ بالحياة هم كانوا يصرخون الشعب السوري ما بينذل..

لربما عادت إليهم الروح..!

حين شرعت الجدران بالكلام..!!

 

 

أخيراً بدأت الجدران بالكلام..  خرجت عن طور الصمت الأزلي لتقول: جاييك الدور يا دكتور.. في التلّ وحرستا ودوما وفي عددٍ من المناطق في سوريا…

شاركت أثناء ذلك باعتصاماتٍ عديدةٍ أمام السفارة المصريّة والليبيٍة بعد أن انضم الليبيون إلى الربيع العربي، كما شاركت في وقفةٍ أمام قصر العدل للمطالبة بالمعتقلين؛ الذي اعتقلهم النظام في وقفةٍ أخرى كانوا قد خرجوا بها أمام وزارة الداخلية، قام بها نشطاء وسياسيون للمطالبة بمعتقلي الرأي..  كانت الأعداد قليلةً نوعاً ما إلا أنّها كانت تعبّر بحق عن إرهاصات ولادة ماردٍ عملاقٍ سيسمى فيما بعد بالثورة السوريّة..

في 15/3/2011 خرجت أول مظاهرة في دمشق ضدّ النظام بسوق الحميدية بعنوان الثورة، وهتف السوريون الله سوريا حرية و بس.. ووينك يا سوري وينك!.

وحين يقول السوريون في أول هتافات الثورة حرية وبس.. أيّ حرية فقط فهذا يعني: أنّهم سئموا تماماً من ربط سوريا بالأسد.. وإنّه لم يعد يعنيهم إلا الله والوطن وحريتهم .. هذا يعني: أنّهم قالوا للنظام الديكتاتوري: كفى..


حتى ذكر السوريون للفظ الجلالة بالهتاف هو خروجٌ عن المسموح. لطالما قمع النظام السوري أيّ هتافٍ لا يشمل القائد حتّى ولو كان الله..

وبعيداً عن كونك مؤمناً أو لا .. فإن هذا الهتاف يعني تماماً: أنّ جداراً ضخماً من الخوف قد انهار، وأن السوريين اتخذوا القرار ..

صرخوا أيضاً في ذلك اليوم: وينك يا سوري وينك.. وفي هذا الهتاف بحث السورييين السوريون عن أنفسهم بعد كلّ هذا الرقاد، لقد نهض التونسيون والمصريون، وكنّا بانتظار أنفسنا…. إنّها استنهاضةٌ للهمم .. استنهاضةٌ للكرامة .. وبعث إلى الحياة بعد صلب طويل للكرامة والحريّة والروح الوثّابة ..

لكن أبلغ الكلام قالته جدران درعا حين خطّ أطفالها تلك العبارات، فزجُوا بالسجون وقُلّعت أظافرهم..

خرج أبناء درعا بتظاهراتٍ شعبيةٍ واسعةٍ في يوم 18/3/2011 واشتعلت شرارة الثورة بانتفاضة أهل درعا..

لقد أدركت تماماً بعد أن صرخ السوريون بهتافاتهم تلك: أننا دخلنا عهداً جديداً وإن سوريا قبل 15/3/2011 ليست أبداً كسوريا بعد هذا التاريخ..

استجابت حمص وبانياس واللاذقية وريف دمشق لنداء الفزعة، وبدأت المظاهرات بالخروج في كلّ تلك الأماكن..  وقرر النظام مواجهة ذلك بالعنف والاعتقال وإطلاق الرصاص الحي بدلاً من تلبية مطالبٍ إصلاحيّةٍ؛ كانت ستكفي لتهدئة السوريين..

كان كافياً لأهل درعا في بداية الأمر معاقبة عاطف نجيب؛ المسؤول عن فرع الأمن الذي اعتقل الأطفال وأهان الرجال وتعرض بالقول للنساء… كان كافياً لهم زيارة تعزية من بشار الأسد لعوائل من قتلهم الجيش والأمن بالمواجهات.. لكن بشار الأسد قرر بدلاً من ذلك الخروج على مجلس الشعب بخطابٍ استفزازي سخر به منه من كل ما حدّث وضحك على دماء الناس …

 

تفاصيل تاريخيّة ثوريّة لا بدّ منها:

 

استولى الفيس بوك على يوميات السوريين منذ بدأت بدء الثورة وبعيداً عن إيماننا بقدرة هذا النظام على التأثير، إلا أنّه فعلاً شكّل مع بداية الثورة انعكاساً للآراء المختلفة حول ما يحصل في سوريا..

بعيد أولى المظاهرات التي خرجت والتي أعلنت ولادتها.. بدأت مع مجموعة من الأصدقاء والصديقات تكثيف اللقاءات والتنسيق للمشاركة في المظاهرات،  التي تخرج في دمشق، والتواصل مع النشطاء الذين بدأوا بتشكيل ما سُمي بالتنسيقات لاحقاً.. شهدت المظاهرات اعتقالاتٍ واسعةً وعنفاً بالغاً، حيث ساقت الدولة الشبيحة المدججين بالسلاح الأبيض والعصي لمواجهة المتظاهرين.. وأطلق الأمن الرصاص في عددٍ من المظاهرات ..

اعتقلت ضحى مرتين خلال شهرٍ واحدٍ، واعتقل كثير من الشبان ممن أعرفهم.. وخرجوا ليحدثونا عن تجربتهم المريرة داخل الاعتقال..

كنت أترقب تحرك محافظتي التي أنتمي إليها؛ وهي السويداء المدينة ذات المكون الدرزي بأغلبيته، حيث كنت أتوقع أن يكون لهذه المحافظة تحرك واسع ومشاركة كبيرة في الثورة، وهذا ما لم يحدث كما كنت آمل على الأقل بنفس الحجم والمستوى..


فالسويداء التي عانت من اضطهاد النظام طوال حكم الأسد الأب والابن عبر اتباع سياسة التفقير والإهمال والتشديد الأمني، والذي أدّى لهجرة الكثيرين من أبنائها الشباب إلى دول المغترب عبر العالم. كانت تشكل إحدى أهم المناطق التي شارك أبناؤها في المعارضة مبكراً، عبر حزب العمل الشيوعي في الثمانينات والأحزاب الممنوعة الأخرى أو عبر إعلان دمشق لاحقاً ..  

بدأت السويداء بتحرك ثوري سلمي في 25/3/2011 عبر اعتصامٍ دام لعشرة أيامٍ أمام مبنى المحافظة الحكومي تضامناً مع أهالي درعا، المحافظة الجارة التي بدأ النظام بحصارها حصاراً خانقاً بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية فيها ..

كما قامت نقابة المحامين في السويداء بأول اعتصام ينتقد أسلوب النظام في التعاطي مع أحداث ثورة في نفس المرحلة تقريباً، وخرجوا ببيان جريء ردّاً على التداعيات الجارية في البلاد..

ومع هذا فالسويداء لم تتحرك بشكلٍ واسعٍ بما يتناغم مع الحراك الشعبي المتنامي في حمص وبانياس ودمشق وريف دمشق..

كان هذا يؤرّقني فعلاً فمشهد السويداء الثائرة الذي سبق وشهدته في العام 2000 مع بداية حكم بشار الأسد للبلاد كان مذهلا بكثافته وتعاضد الناس به.

يومها امتلأت الشوارع والشبان والأهالي وحتى طلاب المدارس .. لقد خرجوا متظاهرين انتقاداً للسياسة التي تتبعها الدولة ضد المزارعين، حيث تتيح للرعيان من بعض البدو انتهاك تلك الأراضي الزراعية بالرغم من الشكاوى المتكررة للمحافظة دون أّي ردّ أو تجاوب .. وكان آخر انتهاك أدّى لهذه التظاهرات قيام عضو في مجلس الشعب السوري بإطلاق النار على طالبٍ في الثانوية في قرية الرحى مما أدّى إلى مقتله، وكانت تلك الحادثة السبب المباشر لمظاهرات استمرت لأيامٍ..

فعضو مجلس الشعب ذاك المنتمي للبدو المقيمين بالسويداء كان على صلة وثيقة برئيس فرع الأمن العسكري في السويداء ومع المحافظ.

خرج الناس إلى الشوارع وحملوا جثمان الشاب الذي قتل، وبدؤوا وبدأوا بالهتاف: لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله . ساعاتٌ فقط وامتدت المظاهرات من قرية الرحى لتشمل معظم المحافظة، وكان نتيجة لهذا نزول قوات الأمن والجيش إلى الشوارع، والبدء بإطلاق النار على المتظاهرين السلميين وقتل العشرات منهم وسجن المئات وبينهم أطفال

أذكر تماماً ذلك التجمّع من الناس أمام مبنى المحافظة الآن، وتعود إلى ذاكرتي الصورة ..  خرج المسؤولون ووقفوا أمام الناس، النساء المرتديات للأسود والقادمات من عزاء أحد الشهداء الذين سقطوا جرّاء إطلاق النار خلعن غطاء الرأس فيما يستنشدن نخوة الرجال فهاجت الجموع…

بعض الموظفين والموظفات من المسؤولين في المحافظة من أبناء السويداء غيّروا مواقعهم لينضموا للمتجمهرين، متخلين عن المسؤولين بما فيهم المحافظ. كان مشهداً مؤثراً تقشعر له الأبدان، أربعة أيام قبل أن يتمكن الجيش والمخابرات من إخماد هذا الحراك. شهدت بها بنفسي شجاعة أبناء السويداء الذين كانوا يتلقفون الرصاص ويكملون المسير دون خوفٍ أو وجلٍ..

أشاع النظام في حينها أنّ هناك نزاعٌ طائفيّ في السويداء، وبدأ باستثارة المكونات الأخرى والمحافظات المجاورة ضدّ الدروز. مع أنٍ هذا لم يكن صحيحاً وكان الأمر ذا بعدٍ آخر.

للنظام بصماتٌ واضحةٌ في أدواته وأسبابه الأصلية محلية لا علاقة لها أبداً بأيّ بعدٍ طائفي..

قام النظام بعد تلك الحادثة بدفع ديّة الشهداء ومعاقبة بعض الشخوص الأمنية .. إلا أنّ تلك الحادثة تركت جرحاً عميقاً في داخل أبناء المحافظة ..

يبدو أنّ إدراك النظام لهذا دفعه لمحاولة استرضاء أبناء هذه المحافظة، حيث تكررت في الأشهر التي سبقت الثورة الزيارات المفاجئة لبشار الأسد للمحافظة،  وتجوّله في بعض القرى النائية بين الأهالي. كما قامت أجهزة الأمن مع بداية الثورة ببث الشائعات بين الناس والتي تحرك النعرات الطائفية بين السويداء ودرعا وتشكك في الثورة وما يحصل في درعا.. ومع هذا فإن بذور حراك سلمي معارض بدأ بالتحرك. بالإضافة لشخوص لشخصيات المعارضة السياسية التقليدية المتمثلة في إعلان دمشق وحزب الشعب بالإضافة للنشطاء والنخب..

بدأت بزيارة السويداء بشكل أسبوعي والتواصل مع النشطاء الذين بدؤوا بإنشاء أولّ التنسيقيات في السويداء وشهبا ..

علماً أنّ عدداً من ناشطين ناشطي الحراك السلمي بالسويداء كثّفوا عملهم في دمشق عبر تنسيقيات أحياء دمشق، وكان من أبرزهم شادي أبو فخر وعاصم حمشو وعمر الأسعد ..

في بداية الأسبوع الثاني من نيسان قمت مع صديقتي ” م” من السويداء بتنظيم أول اعتصام نسائي في السويداء ..


كنّا عشرات النساء، ارتدى البعض منّا زي السويداء التقليدي .. لم يكن من الممكن الخروج في قلب المدينة فاتجهنا إلى منطقةٍ مرتفعةٍ قليلاً تسمى ظهر الجبل.. تظاهرنا وحملنا لافتات تضامن مع درعا وباقي المحافظات السورية..  

للنساء في السويداء تاريخٌ هامّ من العمل السياسي والمدني، وقد سبق واعتصمنا قبل ذلك بسنوات أمام المحافظة اعتراضاً على طريق السويداء دمشق الذي كانت الدولة تماطل في إصلاحه لسنوات .. هذا الطريق الذي أدّى لموت المئات من أبناء السويداء. و بالرغم من كون النساء المعتصمات في ذلك اليوم حزينات على كلّ هذا الموت الذي يصيب شبابهن،  لكنّ الرسالة المضمّنة في ذلك الاعتصام كانت أقوى.. اعتصام اضطر النظام بعده لإكمال الطريق، وأدّى إلى متابعاتٍ أمنيّةٍ للجميع أيضا..

كان لنا كنساء في السويداء تجمّعٌ ضمّ العشرات اجتمعنا بشكلٍ أسبوعي على مدى أعوام لنناقش الشأن العامّ والشأن الاجتماعي والثقافي بنفس معارض دون هويةٍ واضحةٍ لتعدد الأمزجة التي خرجنا منها، وكان اجتماعنا بحدّ ذاته تحدياً سافراً للأمن الذي يمنع التجمعات دون ترخيص…

وفي الحديث عن نساء السويداء لا يمكن إغفال ما قامت به السيدة منتهى الأطرش ابنة سلطان الأطرش قائد الثورة السوريّة الكبرى؛ والتي أعلنت موقفها بكلّ شجاعة، وجالت بين المناطق والنواحي في دمشق وريفها، لتعلن موقفها إلى جانب الثورة، ولتشارك في عزاء الشهداء برفقة عدد من أبناء وبنات محافظة السويداء مما ترك أثراً كبيراً بين كلّ السوريين على اختلاف مشاربهم..  في شهر نيسان ذاته كان لي شرف مرافقتها وصديقتي “م ” ذاتها إلى عزاء شهيد بالقدم.. السيدة منتهى والتي ألقت كلمة أعلنت بها وقوفها إلى جانب الثوار على المنبر بين الأهالي المحتفين بها كانت فخراً لنا بحق..


الشعب يريد إسقاط النظام

حين هممنا بالمغادرة بدأت الحشود بالهتاف، فلم أقوى أبداً على  المغادرة فأصواتهم كانت تشدّني لأتسمّر في المكان.. كذلك صديقتي ” م “.. تأخرنا قليلا عن مجموعتنا.. فتوسطنا مئات الشبان من أبناء القدم .. صرخنا بأعلى الصوت:  يا قدم سويداء معاكي للموت.. وكانوا يجيبون بصوت مجلجل: يا سويداء القدم معاكي للموت“.

كنت أرتعش.. ولم أعد أشعر بقدمي.. لا بدّ أنني حلّقت إلى الأعلى وكأنني أطير بالسماء أو على الأقلّ هذا ما شعرت به، إنّه انعتاق الروح وسمو الجسد على ضعف الخوف وانكسار الذلّ..  كان شعور بالتوحد مع الجميع لا يوصف.. تحوّل الحشد إلى مظاهرةٍ .. وهتفت الحشود: “ الشعب يريد إسقاط النظام..

فهتفت معها:” الشعب يريد اسقاط النظام لم أصدق نفسي كان صوتي يخرج من القلب وليس من الحنجرة..

لم تخجل دموعي من الانهمار بكثافةٍ فنشوة الانعتاق النهائي من الخوف وقرع الأجراس في مملكة الهمس الداخلي كان حدثا غير عاديّا..

إنّها المرة الأولى التي أعلن بها وبكلّ ثقةٍ إنني أريد إسقاط هذا النظام..

ليس حدثاً عاديّاً أن تسمع صوتك للمرة الأولى .. ليس حدثاً عاديّاً أن تخترق خوفك الراقد داخل العظام؛ لتطرده خارج جسدك وروحك..

في السابع عشر من ذات الشهر صادف يوم الجلاء في سوريا، و كنت قد بُلِغت عن مظاهرةٍ سنخرج بها أمام الجامع الأموي. وكان هذا حدثاً مغرياً بالنسبة إلي للمشاركة…

تجمّعنا في  حي ساروجة.. جلسنا كأيّ زوارٍ في المقاهي المنتشرة هناك.. منتظرين لحظة إبلاغنا بالانطلاق..

قالت لي (ح ) بتشارطي إنّه كلّ القاعدين طالعون معنا..؟ ضحكت وبدأت بالتحديق بملامح الحاضرين ..  في لحظة ما أعلمنا محمد بضرورة التحرك.. وقفنا فوقف الجميع فانفجرنا ضاحكين ..اتّضح فيما بعض بعد أنّ عشرات الجالسين في المكان مدعوون إلى نفس الحدث، كنا نتبادل النظرات وننفجر ضاحكين. مشينا معاً وبدأنا بالتحادث وكأننا نعرف بعضنا من سنوات .. بعد قليلٍ فقط اتضح أنّ عشرات الأصدقاء حاضرون في المكان، أو يتجولون في الشارع المحاذي، فالتقينا في زقاقٍ ضيقٍ، وبدأنا برحلة البحث عن المظاهرة..

توجهنا نحو الجامع الأموي.. لم نجد أحداً .. ولم نتمكن يومها من اللحاق بمظاهرة أخرى، أعلمنا عنها بالميدان.. لكننا سرنا برتلٍ واحدٍ دون قصد في حواري دمشق القديمة هتفنا وغنينا، ورافق المسير عناصراً من الأمن المتخفي بغباء …

 اتصل بي ” أ  ” أثناء المسير .. وأعلمني بما حصل في ذات التوقيت بالسويداء مظاهرات في ساحة الشعلة والقريا إلى جانب ضريح قائد الثورة السورية سلطان الاطرش.. في ذلك اليوم ضرب هاني حفيد سلطان الأطرش من قبل الأمن إلى جانب ضريح جده، واعتقل عدد من المتظاهرين.. شعرت بالأسى لعدم تمكننا من التظاهر في دمشق، وعدم تلبيتي لدعوة التظاهر في السويداء في ذات التوقيت، وباتت التظاهرات تتحوّل لدي إلى ما يشبه الإدمان..

في الشهر الرابع والخامس كثّف النظام حصاره لدرعا، وبدأ بحصار غذائي خانق ..

أدّى ذلك الحصار لنقص في الخبز والمواد الأساسيّة للناس بما فيه حليب الأطفال..



بيان الحليب ( نداءٌ للحكومة السوريّة من أجل أطفال درعا )

قالت لي: ماذا سنفعل؟

كان سؤالاً صعباً فما يحصل في درعا كان عصيّاً عن التخيل، فالنظام اقتحم درعا وحاصرها ..  شعورٌ خانقٌ وعجزٌ قاتلٌ …

بين السويداء ودرعا تداخلٌ كبيرٌ في عددٍ من القرى، وكان عددٌ من الأهالي بالسويداء يقومون بتهريب الطعام إلى أهالي درعا سرّاً، وكان بعض التجار والأهالي من أبناء درعا في المناطق غير المحاصرة يتزودون بمؤنهم وبضائعهم من السويداء، ويعودون بها إلى قراهم، ويقومون بتهريبها لاحقاً إلى أماكن درعا المحاصرة..

في مصادفةٍ جمعت بين بعض الشخصيات من درعا وشخصيات من السويداء لاحقاً، لهذا التاريخ أخبرني أحدهم: وهو من رجالات درعا عن حادثةٍ حصلت معه في حينه.. كان يشعر بالخوف من اكتشاف ما يقوم به، ومع هذا فقد اتجه إلى أحد المحال الصغيرة في إحدى قرى السويداء؛ ليشتري الخبز وبعض الموادّ الضروريّة بما يمتلك من نقودٍ قليلةٍ.. بدأ صاحب المحل الشيخ الدرزي المتدين بتحميل ما يطلب من موادّ.. توقّف الرجل عن الطلب، لكنّ الشيخ استمر في تحميل السيارة بموادٍ لم يطلبها .. نظر إليه الرجل باستغرابٍ قال له: عمّي أنا ما معي أدفع حق هذول.. ابتسم الشيخ له وأكمل ما يقوم به بصمتٍ… وحين امتلأت السيارة مدّ الرجل يده إلى جيبه ليخرج النقود إلا أنّ الشيخ أمسك بيده وقال له: روح يا بنيّ… هذول هدية وفزعة….

حاول النظام دائماً إثارة النزاع الطائفي والمناطقي بين أهالي السويداء ودرعا .. لكن مثل تلك الحوادث كانت تعيد النظام إلى المربع الأول.. فبين السهل والجبل ماء وقمح وتراب… !

لم أكن أستطيع أن أتخيل إنّ هناك طفلٌ سوري جائعٌ بسبب حصار يفرضه عليه سوري آخر..

كنّا نتحدث مع الأصدقاء عن خطوات يمكن القيام بها دون جدوى..

في 29/4/2011 وفي الساعة الواحدة ليلاً وصلت إلى صندوق البريد لصفحتي على الفيس بوك صورة لطفل من درعا كتب على جبينه جوعان..

كنت أحدّق في الصورة ..كان الطفل يشبه إلى حدّ كبيرٍ ابني مازن حين كان صغيراً..

نظرت إلى الصورة وإلى زجاجة الحليب الفارغة التي يحملها في يده ..

سرى في جسدي شعورً مفاجئ.. يشبه إلى حدّ كبيرٍ الشعور الذي كان ينتابني حين كان يبكي صغاري جوعاً. كانت نوبة من الأمومة لم أكن قادرةً على مقاومتها..

تذكرت تماماً تلك الدقائق الثلاث التي كان يتطلبها تبريد زجاجة الحليب، وتذكرت عدم قدرتي على تحمل بكاء ابني الجائع في تلك الدقائق الثلاث .. تذكرت أنّ هؤلاء الأطفال محرومون من الحليب لأيامٍ.. خلال دقيقتين وجدت نفسي وقد كتبت على صفحتي على التو و دون أيّ تفكير.



نداءٌ عاجلٌ إلى الحكومة السورية من أجل أطفال درعا:

“إنّ الحصار الغذائي المفروض على درعا أدّى إلى نقص المواد التموينية والضروريّة لاستمرار الحياة، وأثّر سلباً على الأطفال الأبرياء الذين لا يمكن أن يكونوا مندسين في أيّ من العصابات أو المشاريع الفتنوية بكلّ أنواعها، نحن نطالب بدخول إمدادات غذائية من مواد تموينية وأدوية وأغذية أطفال بإشراف وزارة الصحة السورّية أو الهلال الأحمر، لا نريد لأطفال بلدنا أن يجوعوا أو يتعرضوا للأذى. نرجو الاستجابة بالسرعة الكلية، فأطفال درعا جائعون ويحتاجون للأغذية والأدوية بشكل عاجل وطارئ”

لم أتخيل ما حدث بعد ذلك لقد تمّ تداول البيان على كلّ الصفحات، وبدأت تردني التواقيع بالعشرات فنانون وكتّاب أصدقاء ومواطنون سوريون من كلّ مكان..

خلال ساعتين كان هناك أكثر من 400 موقع..

كان الجميع بانتظار مبادرة ما؛  تزيل شعور العجز المقرف الذي كنا نشعر به تجاه جوع أطفالٍ من بلدنا..

حين كتبت البيان لم أكتبه أبدا ككاتبة سيناريو.. لم أكتبه أبداً كناشطةٍ .. ولا كمعارضة.. فموقفي السياسي كان أعمق بكثير من الصيغة البسيطة التي كتبت بها البيان.. لقد كتبته كأمّ .. كأمّ فقط .. أم تريد للأطفال أن يأكلوا، وألا يكونوا وقوداً لأحدٍ.. و لم أتخيل أبداً ما كان ينتظرني والموقعين بعد ذلك ..

العاصفة ما بعد البيان:

كنت أقود سيارتي ظهراً عائدةً من عملي، وأستمع إلى مذياع الراديو حين سمعت التالي:

الخائنة ريما فليحان.. الخائنة يارا صبري.. الخائنة كندة علوش“.

وكان المذيع يقرأ أسمائنا أسماءنا ويسبنا علنا على المذياع من إحدى قنوات الراديو الخاصة التي يملك جزءا منها ماهر الاسد.. لقد كانت البداية فقط..!!

بعد يومٍ واحدٍ من كتابة البيان و الذي أرسلته لاحقاً عبر الإيميل لوزارة الصحة، تمّ تداول البيان على كلّ المحطات العربية ووكالات الأنباء، وأصبح عدد الموقعين 1200 موقع في سابقة أولى من نوعها خلال الثورة .. ترجم إلى لغات عديدة  ووقع عليه سوريون موالون ومعارضون على حدّ سواء .. سوريون اشتركوا في الرغبة بحماية الأطفال وتأمين مستلزماتهم ..

جنّ جنون النظام فالبيان جمع موالين ومعارضين على حدّ سواء. كما أنّه خلق دليلاً مادياً على وجود حصار غذائي في درعا، وهو ما جعله يفقد صوابه وكلّ هذا لم يكن بحسباني حين صغت البيان..

خرجت في الأيام التالية على محطات العربية والجزيرة والبي بي سي وفرانس 24  من وسط دمشق باسمي الصريح، وتحدّثت عن موقفي بكلّ صراحةٍ وعن البيان دون أيّ خوفّ..

دخولنا كمثقفين وكوسط فني تحديداً كان أمراً لا يرغب به النظام أبداً، لأنه يدرك الشعبية والتأثير والمصداقية التي تمتلكها تلك الفئة بين السوريين.  ولأن ذلك سيؤدي إلى تكذيب ما يشيع عن العصابات المسلّحة التي يدّعي وجودها في درعا.. وقّع على البيان العشرات من الفنانين والكتّاب، وكان منهم الفنانة الكبيرة منى واصف والفنانات كندة علوش ويارا صبري وكاريس بشار والشاعرة رشا عمران والمخرجة رشا شربتجي والكاتبة يم مشهدي والمخرجة هالة العبدالله.. والكثير من الفنانين والفنانات والكتّاب..

لقد كان مهيناً وبشكلٍ بالغٍ بالنسبة لي كابنةٍ لضابطٍ متوفى أن يكون الجيش العربي السوري الأداة التي يستخدمها النظام لقتل السوريين وتجويعهم، بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية طبعا..

لم تكن صورة الجيش في رأسي كالحة دائماً فوالدي المتوفى في عام 1985 كان ضابطا في الجيش ولطالما كان بطلي..

طوال صغري كنت أراقب كلّ ما يقوم به أبي في المنزل، وكان كرهه لحافظ الأسد واضحاً لي ففي كلّ مرة يظهر بها الأسد على التلفاز ونشرات الأخبار كان أبي يكيل له سيلاً من الشتائم على مدار الساعة ..

لم أكن أدرك تماماً سبب هذا في صغري.. وكنت أقع في حيرةٍ من أمري؛ لأن الأغنية التي يعلموننا إيّاها بالمدرسة كانت تبجل بهذا الرجل الذي يشتمه والدي (بطلي ) دائماً..

في وقتٍ لاحقٍ حين أصبحت أكبر قليلاً وبعد وفاة أبي، علمت من أحاديث والدتي أنّ أبي سُجن لأشهرٍ في سجن المزة حين كنت أظنّه مسافراً وأنا في الثامنة من عمري..

في زيارة قمت بها لأحد الأقرباء والأصدقاء لوالدي في السويداء أثناء الثورة، قصّ لي شيئا لم أكن أعرفه عنه … عرفت يومها السبب: فوالدي كان من أوائل المنشقين إن صحّ التعبير.. لأنّه حين سمع عن أحداث حماة استقال من الحزب، وشتم رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد المسؤول عن مجزرة حماة… فكانت النتيجة سجنه في سجن المزة.. أبي العقيد جدعان فليحان كان من المشاركين في ثورة 8 آذار التي أدّت لوصول البعث إلى السلطة، ولكنّه حين حدثت هذه المأساة استقال من الحزب؛  الذي انحرف عن حلمه وأخلاقياته التي آمن هو بها حين كان شاباً. ورأى فيها وطناً حراً قوياً يحلم يه.. فسجن و جمد كرتبة في الجيش وتمّ نقله.. طوال حياتي كنت أكن له مشاعر محبة وتقدير وفخر في ذلك اليوم شعرت بفخر أكبر .. كنت أعلم أنّه كان حرّاً..



لقد كان استخدام النظام للجيش لقتل السوريين مهيناً بحق..

بيان درعا كان صفعةً موجعةً للنظام، فبشار الأسد بدا تماماً كشارون حين حاصر أطفال غزة.. لم أكن أعي أبداً مدى ما سببه البيان من ألمٍ للنظام، إلا حين رأيت ردة الفعل الفاجرة التي قام بها النظام ووسائل إعلامه وشبيحته ابتداء من اليوم الثالث بعد إعلان البيان …

توالت الأحداث وبدأت حملةٌ أمنيةٌ كبيرة، تضمّنت اعتقالات لبعض الموقعين وطرد من الوظائف، وحملة تخوين وتشهير لنا بالأسماء والصور. بالإضافة لقائمة كان يسير بها بعض المحامين التابعين للنظام، الذين طالبوا بها بمحاكمتنا بتهمة الخيانة العظمى.. وأنشأت صفحات على الفيس بوك بعناوين مختلفة منها صفحة  “مليون بصقة على الفنانين الخونة الموقعين على بيان الحليب..”

مواقع الأخبار التابعة للنظام بدأت بحملة من المقالات التخوينيّة التي فتحت المجال في أدناها بالتعليق بما يحمل السب والشتم، واتهامنا بشرفنا وأخلاقنا ووطنيتنا..

كما تمّ اختلاق صور مشينة لعدد من الموقّعات؛ نشرت على صفحات الإنترنت..

موقع شام برس التابع للنظام بإدارة أمنية نشر ، إنّ هذا البيان كتبته بإيعازات إسرائيلية ..

ولأول مرة تتشكل أمام مدخل البناء الذي أقطن به في برزة مجموعة من الشبيحة تقضي طوال اليوم أمام البناء، وتسمعني الكلام القذر في كلّ مرة كنت أعبر بها من أمامهم

تعرّض البعض للضرب، كما قامت نقابة الفنانين بإصدار بيان تخوين طالبت به بمحاكمتنا بتهمة الخيانة العظمى..

شركات الإنتاج أيضاً قامت وعبر حملة مسعورة قام بها المخرج نجدت آنزور بإعلان مقاطعتنا، وعدم شراء أعمالنا ككتّاب، وعدم تشغيل أيّ من الفنانين الذين وقّعوا على البيان..

ندوات على المحطات السوريّة تصف عمق الخيانة التي قمنا بها؛ شارك بها فنانون موالون “شبيحة” مثل زهير عبد الكريم والمخرج هشام شربتجي الذي خوّن ابنته على التلفاز المخرجة رشا شربتجي ..!!

هشام شربتجي قال: من كتب البيان كتبه بإيعازات إسرائيلية.. !!!

الفنانون الكبار أمثال منى واصف والآخرين  تمّ سبّهم وشتمهم علنا.. وتعرّض بعض الموقعين للضرب في أحيان أخرى بالشارع وبالمقاهي وأمام بيوتهم… تهديداتٌ بالقتل وصلتني ووصلت غيري من أعلى المستويات في النظام، وكان التحريض بالقتل علينا علناً وفي كلّ مكان..

وبدأ الضغط على الموقعين للتراجع عن البيان..

وكانت تلك سياسة يقوم بها النظام عبر إعلامه، حيث أجبر مثلا الشيخ أحمد الصياصنة شيخ الجامع العمري في درعا للخروج على التلفزيون السوري وتأكيد رواية النظام والتراجع عن تصريحاته السابقة.. حتى يتملص من أيّ دليل قانوني على الإجرام الذي كان يقوم به..

1200 سوري وقّعوا على البيان … ” 1200 مشنقة رح تتعلق لهم بساحة الأمويين” وكان هذا ما قاله مكتب ماهر الأسد في اتصال بعد الحلقة مع مدير إذاعة شام ضمن توبيخ شديد اللهجة بالسماح “لهال….” بالخروج على الهواء بعد استضافتنا لتوضيح الموقف على هواء الإذاعة..!!

ازداد السعار يوماً بعد يومّ ومع هذا فقد وقفت بعض الأقلام إلى جانبنا.. اتصل بي الصحفي رأفت الرفاعي.. وخالطت دموعي الكلام.. اختنقت مراراً أثناء الكلام.. لكنني أجبت على كلّ أسئلته..  في اليوم التالي نشر رأفت مقالاً يدافع به عني على موقع “شو الأخبار ” الذي أغلقته السلطات السورية لاحقا:

” ربما بات القرف هو الشعور الوحيد الذي يعتري داخل كلّ سوري لا يريد أن يتطرف تجاه الأحداث، يصرّ أن يرى بكلتا عينيه، و يتمكّن لديه نداء القلب من التوغل في سلطان العقل و التعقل .

و شعور القرف يتحوّل إلى خيبةٍ كبيرةٍ ينكسر صاحبها بكاءً أو صمتا؛ لينطحن في ماكينة التجييش الإعلامي و الإعلاني البغيض الذي حذّرنا في أكثر من مناسبة من كارثية النتائج التي بدت ملامحها تظهر .





أن تكون “سوري وطني ” اليوم يعني: أن تضرب وتقمع و تشتم و تلعن و تدعس كلّ شاب لا ليس فقط لأنّه نزل إلى الشارع، بل لمجرد أنّه يفكر بالنزول و يعبر عنه بمقال أو حتى تعليق في مكان ما، ليتحوّل إلى متآمرٍ وخائنٍ و بندري وحريري و ذيل من ذيول الفتنة الجزيرة و العربية و البي بي سي .

قلنا سابقاً: إنّ “الذهنية الأمنية “معششةٌ في عقولنا و أذهاننا و تفاصيل حياتنا اليومية، حاورنا لنعي وجوب التحرر منها قبل المطالبة بكفّ يد الأجهزة الأمنية، و اليوم بات السوري ” اللي بدو السلة بلا عنب بس السلة ” بين فكي الجهاز الأمني و المواطن الأمني .

بدأت بكتابة هذا المقال بعد أن انتهى اتصالي بالكاتبة “ريما فليحان” و التي ارتكبت جريمةً بحق الوطن و التاريخ و الجغرافية و التربية القومية، منفذة خلالها أجندة الفكر الفوضوي الاندساسي السلفي الفتنوي البلطجي المتلجي؛ حين أطلقت نداءها الإنساني لأجل أطفال درعا .

و اتصلت بـ ” فليحان ” بعد اطلاعي على توضيح ٍلها على اتهامها بالخيانة و التآمر و الاندساس لصالح جماعة مريخيّة؛ ترسل صحون طائرة إلى لبنان و السعودية و كلّ دول العالم التي تتآمر على سورية منذ جريمة مقتل هابيل على سفح قاسيون المقابل لـ التلة الكائن عليها سجن المزة العسكري .

سألتها هل ثمة زيادة لديك رغبة في أن تضاف؛ فبكت و ثوان قليلة استرجعت شريط الأحداث مشهداً مشهدا.

بكاء الكاتبة “ريم فليحان” أعاد إليّ اللاتوازن حين رأيت ” سلفيين ” أطلق عليهم الرصاص أمام مدخل درعا، فجرح أربعةً بينهم سلفي الكبير، واستشهد ابنه السلفي الصغير، ومازالت ملاحقة هؤلاء الآثمين جاريةً منذ أكثر من تسعة أيام، لم يتمّ خلالها تمشيط متر واحد من محافظة درعا .

“بكاء ريم هو سقوطٌ لكلّ التحليلات و النظريات و أصوات العقل و انتصار لصوت الدنيا “. تماما حين كنت لا أرى كاميرات “الدنيا” في دنيا درعا المعتمة؛ لتعود تحت جناح المدرعات؛ تصوّر فرح المواطنين باستتباب الأمن وخصوصا في الحشد الذي شهده الملعب البلدي بدرعا لمئات الشباب الذي ربما لا يعرف ” رش الرز ” .

بكاء ” ريم ” كان كهدير البولمان الذي خرجت به من دمشق يوم الجمعة الماضي،  مررت به في سوريتي وصولاً إلى حلب، وكان البولمان الوحيد الذي انطلق من دمشق تلك الساعة و” امتط ” الطريق حينها بسبب أحداث الرستن و تلبيسة، فمررت بالسلمية الحبيبة، وسمعت في البولمان نغمات موبايل بدءا من ” حماك الله يا أسد ” .. و انتهاء بـ ” يارب العالمين ..الله الله ” ليختصر البولمان ببساطة وعفوية كلّ التذاكي الفج لإعلامنا الذي يتحفنا بدروس الوحدة الوطنية الشبيهة بدروس برنامج “أبناءنا في الجولان” أيضا درسا لم يتعلمه من طلب مني الانتظار في كراج هنانو بحلب فقط لأن القيد في الهوية ” درعا ” .

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.