حين تكسر راء الحرب

قلّما يرغب القلم بالبوح في زمن الانكسارات العشقية وخرافة “الحب”… بدت حروفي هذه كأنما هي محاولاتٌ للإفلات من بين أصابع الوقت، اختلستها للكتابة والابتعاد عن الحرب ورائحة البارود وتراب الرباط أمام العدو، لأكتب بعيداً حيث تحلق الروح نحوها كلما ضاق الصدر.

الأيام السورية - فرات الشامي - سوريا

احتسي فنجان القهوة سريعاً… أذوب بين قطعة السكر التي وضعتها بيدها وبين تفاصيل تلك الدقائق… لأبدأ بالاسترخاء على كتف “السمراء”… لا ألمح إلا “غيابها” و”حضورها” في مزيجٍ من التناقضات المبهمة تداهم أفكاري، ويقطع أزيز الرصاص صمت الليل، ويكسر معه حالة الصفاء والشوق.

مروا من هنا… يفصلني عنهم ساترٌ ترابي… وحيداً كنت تلك الليلة… “فادي” ترك المكان مضطراً… وحدها بندقيتي ترافقني وقلم الحبر وفنجان القهوة أعدته “حبيبتي” القريبة مني… البرد قارس… وشاحها يلف عنقي… كأنما تطوقني بيديها… أيّ يومٍ ذاك الذي يمتزج فيه “الحب” بـ”الدماء”…؟!

إما أن أقتل ويكسر القلم وإما أن أغرقهم بالدماء… يقتربون أكثر من المكان الذي أرابط فيه… ما اعتادت يدي أن تبطش … ما اعتدت إلا جر القلم منتصراً على الورق… انتصاراتٌ عشقية… لكنها “قوانين الحرب”… تلغي نواميس “الحب”… ليتها ما كانت… هكذا صرت أهمس في داخلي، لكن…

بدأت أصابعي تداعب البندقية كأني أعزف على وتر “العود” وأرديهم قتلى أمام حاويةٍ من القمامة تركها نظامهم ممتلئة ليقتلنا بسمومها لمدة شهرٍ كامل…

لم يكن يؤلمني منظر الرصاص وامتزاجه بتلك الدماء، فقد تفتقت عنه حروفٌ أشبه ما تكون بزهرةٍ حمراء… ربما تلك “الجورية” التي قطفتها وأهديتها لمولاتي خلسةً عن عين والدها “الشرقي” يوم خطبتنا.

سجدت شاكراً… قفزتُ كأنما أحاول أن ألتقط بكفي خيوط القمر، إنها “الحرب” من أجل “الحب” فقط إسقاط حرف “الراء” برصاصة، ليأتي الفجر وأطوقها من خصرها وأشتم رائحة أنوثتها عبيراً يتسلل إلى داخلي ويعيد إليّ ذاك الرجل الذي يطمح ليكتب عن “الهيام” بوطنٍ وحبيبة، فتبدل إلى “مقاتلٍ” يضع على جنبه قلماً وبندقية، دفتراً وجعبة… حبراً أحمر وآخر أسود… إنها لحظاتٌ ساحرة.

أخبرتها أنني لم ولن أسمح لمليشيا “حزب الله” أن تقترب وتدنس طهارة أرضنا… لن أكون لقمةً سائغة، كذلك “الحرائر” خلفي.

توقفتُ اليوم أمام تلك المحطة… لا فرق بين المحارب والكاتب… كلاهما يمكن أن يقتل بـ”خربشة” قلمٍ، أو طلقٍ ناري، وقلّما يجتمع في داخل أحدهما ثنائي الكتابة والرغبة في خوض الحروب، لكنها حين تجتمع بداخل “العاشق” تثمر “قصائد” كما تنتج “توازناً” لا يعرفه إلا من ذاق أمسيات البوح على السطور وتدوين المذكرات، على وقع “الصواريخ” و”البراميل”.

من الصعب أن يفهم العالم ماذا تعني “الرصاصة” حين تخرج من فوهة البندقية… لكنها كـ”الحرف” حين يخرج من بين يدي الكاتب إلى السطور… إنها حالةٌ “فريدة” شريطة أن تكون لتشكيل “حياة” لا لمجرد “القتل”.

قد نكون مللنا “الحرب”… لكن لا مجال لإسقاط الـ”راء” من منتصف الكلمة …. لا مجال لكسر راء “رعبٍ، رهبة” إلا عبر لمساتٍ من “يدي عاشق” يروي فصول الحكاية، ليختصر أن بعض الحروب تقوم لبناء حالة “عشق”، هكذا تعلمنا… وهكذا ينبغي أن نفهم… فلا يفصل بين “عاشقٍ” و”وطنه” إلا “حاجز إجرام” لا ينتهي إلا باجتماع “الرصاصة والقلم”… مصير الاحتلال إلى زوال… مصير الحرب إلى “حب” … مصير الانتظار انتصار… مصير الألم أمل…

أعترف أني مولعٌ بها … وأني لم أهتف يوماً باسم الأسد… أعترف أني ما لمست جرحاً إلا لعلاجه… أنا الكاتب والشاعر … أنا المقاتل والممرض، كيف لا …؟ ولم يكن ثمة في تلك البقعة غيري وبعض الرفاق متعلمين…؟!

هي حكايةٌ طويلة… تفاصيلها قد ترويها “الأيام” بعد “موتي”، ولعلي حينها أكون مرتاحاً في حضن “دمشق”، تاركاً خلفي حروفاً ووطناً يفخر بأبنائه… يكون قد حوّل “الحرب” إلى “حب”… و”الكلام السياسي الفج” إلى “سلام”.

أما الموسيقا في المقدمة فقد رافقتني ذاك اليوم لدقائق… قبيل أن أخلو ببعض آيات القرآن أرتلها.

مقاتلٌ لا قاتل… هذا أنا “السوري”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.