حينما يتشارك العرف والقانون في تعطيل حياة المرأة

أصبحت حياتي باردة وتراجعت العلاقة الجنسية والاجتماعية بيننا إلى أدنى حد، طلبت الانفصال مراراً، لكن أهلي عارضوني “(في عائلتنا نساءنا لا تطلق) وسيترتب على هذا الطلاق قطع العلاقات بين العائلتين، تحملي نتيجة اختيارك”

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

كنت في الواحدة والعشرين من عمري عندما لفت نظري أحد أقربائي، تودد لي بدماثة، عرف مواعيد محاضراتي وكان ينتظرني يومياً، كنا نتحدث بحماس ومرح، بدأ يسمعني عبارات المديح ومن ثم تطور إلى عبارات الغزل، هكذا بدأت أم سعدالله تروي قصتها.

الحب الأول

تقول؛ لم يكن لدي أي تجربة حب سابقة، فتحت له قلبي وتعلقت به، رغم معرفتي سلفا بما يمكن أن يكون عليه رأي عائلتي، لن يقبلوه صهراً بسبب الفرق المادي والاجتماعي بين العائلتين، كان موظفاً جديداً وراتبه متواضع وغير كاف لأسرة، وليس باستطاعة عائلته دعمه مادياً. لم أهتم ورفضت كل من تقدم لي من الخاطبين.

تقدم لخطبتي ورفضته عائلتي، لكني تمسكت به وتسبب موقفي بخلاف مع أهلي وصل حد التحدي، وأخيراً وتحت إصرارنا وافق أهلي وتزوجنا ضمن طقوس بسيطة، لم يكن عرساً كما تحلم وترغب البنات، وقتها تخليت عن كل تلك الشكليات، تعاملت بوعي ومسؤولية وكنت متعاونة إلى أبعد حد، قبلت السكن مع أهله في بيت متواضع جداً، وهذا كان أحد أهم أسباب رفض أهلي ولكن لم أهتم؛ كنت تحت تأثير شعارات المحبين وعذابات العشاق بأفلام أيام زمان وقصائد الحب العذري. فور زواجي عملت كمدرسة، أردت أن نعتمد على أنفسنا وتجنبت طلب المساعدة من أهلي.

اعتبري عندك أربع ولاد

لم تقدر عائلته موقفي وعاملوني بطريقة سيئة وكأنهم يعاقبوني على رفض أهلي زواجي من ابنهم، بقيت 16 عاماً بذاك الوضع المشحون، أنجبت خلالها أولادي الثلاثة. في وقت كان هو يقوم بمشاريع وصفقات فاشلة تنتهي كل مرة بالخسارة؛ كان عملي يتطور حتى حصلت في النهاية على عمل ثابت وبراتب مقبول يفوق راتبه، بالإضافة لذلك كنت مسؤولة عن كل ما يخص احتياجات المنزل من طعام وشراب ولباس وتعليم أولادي، عملت ليلاً نهاراً داخل البيت وخارجه، في حين كان لا يلتفت لمسؤولياته تجاه البيت والأولاد.

مضت السنون واستقلّينا أخيراً في شقة خاصة، أذكر ذلك اليوم جيداً، أحسست بالحرية كسجين تم الإفراج عنه، أصبح همّي وشغلي الشاغل أن أبني لحياة كريمة مع أولادي وأن لا أقصر تجاههم، كنت لهم الأم والأب، بغياب دور حقيقي لوالدهم. ازدادت ساعات عملي وتحملت كامل مسؤولية البيت والأولاد، وزوجي أيضاً. تحدثت بذلك مرة بضجر مع صديقة، قالت: “اعتبري عندك أربع ولاد”

حياة باردة

كنت إذا رغبت التحدث معه بموضوع يخص المنزل أو الأولاد نلتقي في مطعم أو كافتيريا، وغالبا كان ينتهي النقاش بشجار أو بلا مبالاة منه.

أصبحت حياتي باردة وتراجعت العلاقة الجنسية والاجتماعية بيننا إلى أدنى حد، طلبت الانفصال مراراً، لكن أهلي عارضوني “(في عائلتنا نساءنا لا تطلق) وسيترتب على هذا الطلاق قطع العلاقات بين العائلتين، تحملي نتيجة اختيارك”.

رفض الطلاق

مع اشتداد الضغط الأمني والحصار وازياد القصف، كان علي مغادرة سوريا، طلبت الطلاق وأصريت عليه قبل سفري، كان السبب المباشر هذه المرة أني اكتشفت علاقة له مع إحدى صديقاتي، رفض الطلاق بشدة وتكلم معي أمام الأولاد بطريقة مهينة ومذلة (متلك متل رجل الكنباية بها البيت رح اتركك هيك لا معلقة ولا مطلقة، طلاق لا تحلمي) ورد طلبي الطلاق إلى وجود رجل آخر في حياتي، ولن يسمح لي الارتباط بغيره. كان حديثة جد مستفز.

لم يترك لي خيارا آخر؛ اعتبرت نفسي مطلقة منه أمام الله وأمام أولادي، ولن أعيش على ذكراه.

سافرت وبقي هو. بعد سفري طلبت منه الكترونياً أن يطلقني، رفض أيضاً، وكلت محامية لتباشر إجراءات دعوى الطلاق، عندما استلم تبليغ المحكمة، تواصل مع المحامية وتحدث إليها بوقاحة واتهمها بأنها تسعى إلى خراب البيوت. شطبت الدعوى.

معلقة لا مزوجة ولا مطلقة

بقيت معلقة كما شاء زوجي وأراد. بعد فترة استشهد ابننا، احسست بالتلاشي ولم أعد أهتم بوضعي أو بمصيري ولا بزوجي وصرفت النظر عن فكرة الطلاق وتعايشت مع وضع المعلقة. بعد ثلاث سنوات ابتليت بمرض ودخلت مشفى عدة مرات، المرض ضعف، يحتاج الإنسان إلى سند وعائلة، شعرت بالوحدة دون زوج ودون عائلة، كل منا في مكان ويتعذر الوصول لبعض. تحتاج المرأة إلى رجل قوي محب يساندها ويرفع من معنوياتها. لم يكن إلى جانبي.

اليوم وبعد مضي سنوات أصبحت مصممة على الطلاق أكثر من السابق، لست مكترثة الآن برأي العائلة أو المجتمع. هي حياتي التي ضاعت هدراً، قضيتها أركض بين العمل والبيت ومدارس الأولاد والتسوق وتصليح الأعطال في البيت ….الخ.

لا تتراجعن أمام ضغط العائلة والمجتمع

تنهي أم سعدالله حديثها بتوجيه نصيحة لكل امرأة تشعر أنها وحيدة وهي في بيت واحد مع زوجها، لكل امرأة هجرها زوجها؛ “نصيحتي لها أن تطلب الطلاق وتصر عليه وإن رفض لا تنتظر، بل ترفع دعوى وتطلب من القاضي أن يطلقها. “لا تضيعي عمرك، اليوم اللي عم يروح ما بيرجع ولا بيتعوض. لو حبيتي لا تلغي عقلك وفكري بتعقل، الزواج اللي دعامته فقط الحب هو زواج فاشل. لو بترجع السنين لورا ما بتزوج عن حب”
وللناس التي تلوم الزوجة التي تطلب الطلاق وتحاصرها لتبقي حبيسة بيت الزوجية، “حلوا عنها، أنتم لا تشاركوها حياتها ولا تعبها وألمها.”

كلمة أخيرة للرجل الذي تطلب منه زوجته الطلاق ويرفض أقول له: “كيف تقبل على نفسك امرأة لم تعد ترغب بوجودك في حياتها. اعتقها لوجه الله وعش حياتك أنت أيضاً.”

مصدر أرشيف الأيام
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.