حينما لا تكون الثورة انفتاحا شاملا على كل شيء، تعيد تشكيل الاستبداد

الثورة التي لا تحمل وعياً اجتماعياً لتغيير التفكير الشعبي، ويبقى تركيزها لتغيير شكل السلطة فقط، لا يمكن لها النجاح ولا بأي شكل. إنها حركة حرق مراحل لتخبطات سياسية لا أكثر ولا أقل.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

أليس من الطبيعي في حركة التاريخ أن تؤدي الأفعال الثورية الموصومة بالحرية، إلى تجربة استقلال اجتماعي ودستوري وثقافي مغايرة عن الحياة والنظم القديمة؟. إذاً؛ لماذا تتحول التجربة الثورية إلى نار تلتهم أبنائها!.

إنّ أي أحد اطلع على التاريخ الثوري في العالم، حتى وإن كان من باب المعلومة السريعة، بعد مرور كل هذه السنوات على الأحداث التي جرت فيه، قد يُعيد تصويب وجهات نظره حول مفهوم الثورة وسياقاتها السياسية في التاريخ.

فأمثلة الثورات جميعها، كالثورة الفرنسية التي اجتاحت كل حالة منطقية في تدمير الهوية الفرنسية القديمة المتمثلة بالملكيّة والإطاحة بمجموع الأمراء والنبلاء، لم تكتف بذلك الحد، بل عملت على الإطاحة بكل تفكير منطقي عند الفلاسفة والمفكرين والشعراء، وحتى أبناء الثورة السياسيين والحقوقيين، لقد أكلت أبناءها الأوفياء، وبطريقة ما، خضعت لانقلابات ثورية متلاحقة، أعادت الملكيّة بشكل أشد سوءاً وبطشاً مما كانت عليه في زمن الملكيّة.

ذات الأمر ما جرى مع الثورة البلشفية في روسيا، ومفهوم الخيانة، واجتياح عسكري لكل نظام دولة وحكومة داخل إطار المعسكر الاشتراكي وطالبت بالحرية من النظام الموحد، كاجتياح التشيك. والتاريخ يذكرنا قطعاً بلحظات تهديم تماثيل ستالين ولينين في التسعينات من قِبل الشعب. أو الفرحة العارمة للألمان الشرقيين بعد توحيد ألمانيا بهدم الجدار، وسقوط وهم العدالة الاجتماعية. وحتى قبل ذلك، الهياج الشعبي الروماني عند مناهضة الحكومة وإعدام نيكولاي تشاوتشيسكو.

الثورات الكبرى التي تغيّر وجه المجتمعات والعالم أيضاً، رغم اتساعها، لكنها لا تغير مفاهيم السلطة والدين والتقاليد بشكل جذري، بمعنى الوعي الاجتماعي في الثورة لا يتغير إلا بنسب ضئيلة.

أو الثورة الإيرانية التي قامت لمناهضة حكومة عميلة للغرب، بموافقة شعبية شبه كاملة، ثورة للخلاص من الفساد وجمع خيرات إيران في أيدي أبنائها، لكن ما جرى هو اشتداد نظام ديني طائفي أطاح بالتنوع الثوري الذي أوصل خامنئي للسلطة والتفرد المطلق ونشر الديكتاتورية والرعب والتدخل بدول الجوار.

الثورة بطبيعتها؛ فعل غوغائي يؤدي قطعاً لتفسخ الدور الاجتماعي دون تطويره، وفرز مفاهيم بالمستوى الأخلاقي وإنهائها تباعاً. والثورات العربية بطبيعة الحال خلال تاريخها، ليست خارج هذه المعادلة، وهي التي اعتبرت نماذج الثورات الأوروبية السابقة في الخلاص من مفاهيم الاستعمار القديم أو الحكومات العميلة، حالة ناجعة، كثورة يوليو في مصر، والفاتح في ليبيا، وآذار في سوريا. بخلاف الموقف الشعبي من تلك الثورات، لكنها كانت حالة تاريخية، ولو أنها فيما بعد توضّحت بصورة جلية على أنها ثورات لخدمة استعمار ما بعد كولونيالي.

إذاً؛ هل يمكن أن يُعوّل على حالة الثورة بالخلاص من فكرة الاستعمار الشرس في السيطرة على مقدرات الشعوب في نظم استعمار كلاسيكي، أو الأنظمة العميلة في ولائها لما بعد الكولونيالية!.

جميع التجارب أوضحت عبر تاريخها ما أوصلت إليه سكانها وأبناءها الثوريين في قيام أنظمة، بطريقة ما، هي أشد سوءا من الأنظمة القديمة. فهل الموضوع مرتبط بطبيعة الثورة، أم بآلية التنفيذ الثوري!.

شخصياً؛ أميل إلى آلية التنفيذ، رغم أني لا أستطيع إنكار غوغائية التدمير في الأفعال الثورية؛ طبيعة الثورة الأكثر تهديماً للبنية التحتية مع الحفاظ على البنية الفوقية.

الثورات الكبرى التي تغيّر وجه المجتمعات والعالم أيضاً، رغم اتساعها، لكنها لا تغير مفاهيم السلطة والدين والتقاليد بشكل جذري، بمعنى الوعي الاجتماعي في الثورة لا يتغير إلا بنسب ضئيلة. كل التركيز يتمحور حول شكل الاستبدال السياسي، وتحسين ظروف الاقتصاد، هذان الجانبان لا يختلفان أبداً عن مفهوم الإصلاح في أي نظام قائم، إذاً؛ ما فائدة الثورة فعلياً إن لم تهدّم الوعي في الدرجة الأولى!

إن كانت الثورة بأسرها تتمحور حول إصلاح سياسي بشكل السلطة وتحسين الظرف الاقتصادي، وبقاء مفاهيم المجتمع الكلاسيكية المرتبطة بالدين والأخلاق والثقافة، فما الذي تغيّر!.

الفعل الثوري عندما يلتصق بوعيه البدائي في تغيير شكل المشكلة والالتفاف عليها في الحفاظ على جزء كبير من آلياتها، دون تعمّق في الإطاحة بكل شيء ورفضه بالمطلق، لا يمكن أن يصنع مجتمعاً آخر، مغاير عما كان.

عملية الحفاظ على كلاسيكية التفكير هي بحد ذاتها تهديم للمفهوم الثوري، وقتل الثورة قبل أن تولد، وهو ما يستدعي فعلياً ولاء شعبياً لانطلاق استبداد جديد في شكل السلطة الحديث. تجربة فرنسا، وروسيا، وإيران التي تحدثنا عنها، وتجارب الثورات العربية في النصف الثاني من القرن الماضي، ليست سوى تنفيذ لهذه الأشكال في تدمير هوية الثورة قبل ولادتها.

الثورة التي لا تحمل وعياً اجتماعياً لتغيير التفكير الشعبي، ويبقى تركيزها لتغيير شكل السلطة فقط، لا يمكن لها النجاح ولا بأي شكل. إنها حركة حرق مراحل لتخبطات سياسية لا أكثر ولا أقل، لكنها لا تبني في المعيار الاجتماعي؛ إنها تفسّخ المجتمع وتستبدل السلطة، لكنها لا تلغي السلطة ولا تغيّر المجتمع نحو الأفضل.

في النهاية؛ هذا الكلام هو محاولة فهم بأن الفعل الثوري عندما يلتصق بوعيه البدائي في تغيير شكل المشكلة والالتفاف عليها في الحفاظ على جزء كبير من آلياتها، دون تعمّق في الإطاحة بكل شيء ورفضه بالمطلق، لا يمكن أن يصنع مجتمعاً آخر، مغاير عما كان.

الثورة؛ انفتاح شامل على كل شيء، وليست استبدال سياسي، لأنها في تلك المرحلة ستعيد تشكيل الاستبداد بطريقة أكثر دموية.

مصدر أرشيف الايام
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.