حوار في الطائفيّة عبد الواحد علواني

التقيت مجموعة من السوريين ينتمون إلى مشارب مختلفة في لقاء رتبه منتدى الحوار المدني الديمقراطي مشكوراً، لقاء جسد الفائدة المتبادلة بين المحاضر ومستمعيه الذين أغنوا اللقاء بمداخلات قيمة، وحضور نوعي، إلا أنه لفتت نظري ثلاثة أمور هامة:
1- تكرر الكلام أكثر من مرة أننا كلنا طائفيون، وهذا الجلد للذات برأيي مبالغة في غير محلها، لا لسنا طائفيين، وكلنا نريد التعايش على أسس عادلة، قسوة أيامنا، واستثمار البعد الطائفي من قبل الأنظمة والمستبدين والفاسدين بالتأكيد ستؤدي إلى مظاهر توصف بالطائفية، لأننا من لحم ودم ومشاعر، وعندما تمتلئ الشوارع دماً وتهدم البيوت الآمنة على أصحابها، ويتم تسريب كل ذلك بصبغة طائفية، من الطبيعي جداً أن يتصاعد هذا الحس، لا لأننا طائفيون بالفطرة.. إنما لوجود إجرام وقتل ودمار أكبر من قوة احتمالنا. وهناك نظام جائر يتحالف مع بنى طائفية، وجماعات تعينه على نشرها وهي تزعم مواجهته، يستثيران بدأب المشاعر الطائفية، هذه المشاعر التي أنا على يقين بأنها ستضمحل بمجرد أن يتوقف هدر الدم والكرامات، وستقنصر في حدها الأعلى على محاسبة من أجرم بحق غيره وحسب.
2- تكرر الحديث عن الهوية السورية، وهذا الحديث يعكس ما ذكرته في البند الأول، فهاجس الهوية السورية يعني أننا نرغب في هوية سورية تلائم كل السوريين، وتنصفهم وتقدرهم على اختلافهم، فسورية التي نعرفها بشكلها هذا عمرها لا يتجاوز السبعة عقود، كانت الهوية السورية خلالها تنمو قليلاً، ثم تخنق بارهاصات سياسية، إلى أن جثم البعث على صدر السوريين، وأفسح المجال لأقذر نظام حكم أن يحكم سورية أربعة عقود بالاستبداد والفساد، وإثارة النعرات في أغرب وأخبث حاكمية شهدها التاريخ. الهوية السورية لم يقيض لها أن تنمو حتى تصبح هوية متبلورة، وهي تحتاج إلى جهود عظيمة، خاصة في ضوء الأحداث الفجائعية، هذه الهوية التي ظهرت بداية الثورة على النظام بإنسانيتها ومطالبها الحثيثة في الحرية والكرامة للجميع، ثم خنقت تحت قمع همجي وتلاعب دولي.. هذه الهوية لا تزال موئل كل من يروم حياة آمنة ومنصفة. ولا بديل عنها على الاقل في راهننا.
3- ما الحل؟ هذا السؤال الذي أرق الجميع، متوقعين وصفة علاجية واضحة المعالم، للخروج من المأزق التاريخي الكبير، وخاصة مع انعدام الأفق، والتدمير المستمر، وتعقيد إمكانية الحل إلى درجة الاستحالة، ولئن كان المثقف معنياً بتشخيص الحالة بدقة، فإن مسؤوليته في إيجاد الحلول مثل مسؤولية أي سوري، والحلول لا تأتي من وصفات فردية، إنما بنهوض قوى مجتمعية واعية تستطيع أن تضع تصوراً للمجتمع المنشود، وتضع الخطط الملائمة والتي وإن اختلفت تصب في مجرى واحد، هو استعادة سورية، استعادتها من نظام جائر، وانقاذها من لعبة دولية قذرة، وبناء المجتمع السوري، وهي أمور ليست سهلة أبداً.. لكنها ليست مستحيلة. الاستفراد في الحل هو تمهيد لاستبداد جديد.. وهو ما يشتت الجهود ويدفعها للتصادم بدلاً من التآزر.. فمطلب العيش المشترك لا يتم إلا عبر جهد مشترك.. وبعيداً عن الانتهازيين والفاسدين والقتلة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.