“حنعمرها”… حملة شباب غزّة بعد دمار مدينتهم

اجتمع في الحملة النساءُ والرجال والأطفال، وخرجت غالبية المتطوّعين بأدوات بسيطة وفّروها بأنفسهم، وأحياناً بدفع من أسرهم الذين أصرّوا على المشاركة. الكلّ يساهم في إعادة الحياة إلى المدينة المنكوبة. نقرأ معاً شهادة للصحافي الفلسطيني عبد الله أبو كميل، من غزة.

بقلم: عبد الله أبو كميل

هدأ العدوان، واستكانت غزّة، وتجلت مظاهر الألم في كلّ زاوية من القطاع، وبين زوايا الأماكن التي كانت تسمّى مساكن قبل الدمار. إذ تشوّهت معالم المدينة الحزينة، وتغيّر الكثير، وتشابهت المطارح لكثرة الخراب، حتى المارة تاهت عنهم الأماكن!

أحد عشر يوماً من القصف العشوائي فوق رؤوس المدنيين، ألقت إسرائيل خلالها ما يقارب الـ 11 طناً من المتفجرات، راح ضحيتها حوالي 253 شهيداً من بينهم 69 طفلاً، و 40 سيدةً، وهناك نحو ألفي مصاب.

تسببت إسرائيل خلال عدوانها بنزوح 120 ألف مواطن، من بينهم خمسون ألفاً في مراكز الإيواء، والباقي في منازل أقربائهم. وتضرر ما يقارب 16800 وحدة سكنية، سواء بشكل كلي أو جزئي، و74 مرفقاً حكومياً، و 66 مدرسةً، بالإضافة إلى خمسة أبراج سكنية هدمت بشكل كلي. أمّا البنية التحتية فباتت غير صالحة. وتقدر كلفة إعادة الإعمار بما يزيد عن ثلث مليار دولار. وأنه يحتاج لعدّة سنوات، وأنَّ حجم الدمار المرصود فاق خراب عدوان عام 2014 الذي استمر 51 يوماً.

وعجز مجلس الأمن خلال ثلاث جلسات عن لجم عدوان “إسرائيل” على المدنيين في غزَّة، ليكتفي بعد انتهاء العدوان بإعلان نيته فتح تحقيق لما حصل في غزَّة.

وأما السكان، فعلى الرغم من الألم والخوف والحزن، فقد نزلوا إلى الشارع فور توقف القصف، وأطلقوا حملة “حنعمرها”. والحملة جاءت بدعوة من المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مشكلةً مزيجاً من كل شرائح المجتمع كالفنانين والصحافيين، والرياضيين والأكاديميين. الكلّ أجمع على إضاءة أنوار المدينة المعبقة برائحة البارود.

الحملة المستمرّة مذّاك، تهدف إلى تعزيز المشاركة المجتمعية، وتسخير الإمكانيات لإعادة الحيوية لشوارع غزّة، من خلال تنظيفها من الركام الذي خلفه دمار الأبراج والمساكن المدنية، واستهداف “إسرائيل” للطرقات العامة بشكل عشوائي. وأعداد المشاركين تزداد يومياً، وكانت قد بدأت بحوالي ثلاثة آلاف مواطن.

بدأت الفرق الشبابية بالانطلاق من برج هنادي المدّمر الذي يتكون من 13 طابقاً، فعملت على تنظيف الشوارع المحيطة به، وحاولت قدر الممكن إزالة الركام، ورشّ الطرقات بالمياه لتذويب الغبار، مروراً بشارع الوحدة الذي ارتُكِبت فيه مجزرةٌ راح ضحيتها 43 مدنياً، إلى كلّ معْلم دمّره المُحتل، كما برج الشروق المدمّر، الذي كان يحتوي المؤسسات الإعلامية والإنسانية والمحال التجارية.

وقد اجتمع في الحملة النساءُ والرجال والأطفال، وخرجت غالبية المتطوّعين بأدوات بسيطة وفّروها بأنفسهم، وأحياناً بدفع من أسرهم الذين أصرّوا على المشاركة. الكلّ يساهم في إعادة الحياة إلى المدينة المنكوبة. ووثق الفنانون ما دمّره الاحتلال برسوماتهم على جدران المساكن والمؤسّسات المهدّمة.

بلدية غزَّة تبنّت الحملة بعد انطلاقها، من خلال الإرشادات، وتسخير طواقمها العاملة للمساهمة في العمل، بالإضافة لعقدها اجتماعاً تنسيقياً مع كافة المشاركين، وتحديد طبيعة العمل، وكيفية استثمار ذلك الجهد.

ما يميّز “حنعمرها” هي الرسالة التي وجهها المتطوعون “لإسرائيل”، مِن أنّه على الرغم من الرعب ومن الجراح، فنحن مصرّون على حبّ مدينتنا، وهي فيها ما يستحق العيش بإنسانيّة كباقي مدن العالم، وأنَّ السلام الداخلي الذي يعيشه هؤلاء المدنيون مع أنفسهم قادر على جعلهم يتخطّون كلّ الصعاب، إنَّ الورود التي قُصِفت ستعود لتنبت من جديد في الغدِ القريب، وتفوح رائحتها، ونشتمّها.

واشتهر أحد الأطفال الذي كان يزاحم الشباب خلال العمل بقوله: “خلي إسرائيل تُعيد حساباتها المرّة الجاي لما تتعامل معانا، نحن شعب الجبارين صعب تقدر لنا، إلي بيستشهد بيجي غيره، و يا جبل ما يهزك ريح”.


عبد الله أبو كميل، صحافي من غزة

مصدر المقال منشور في موقع السفير العربي بتاريخ 7 حزيران/ يونيو 2021
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.