حنة آرنت.. فيلسوفة السياسة التي نادت بالتحرر الفكري والفهم العميق

هذا التحرر الفكري والفهم العميق لدى آرنت في زمن كان الجميع يخوض غمار الخضوع، تمت محاربته على المستوى العالمي ومن الجميع، لكن بقي فكر حنة حاضراً حتى يومنا هذا وأصبح مسألة نقاشه وفهمه ضرورة للتغيير الذي أرادته آرنت قبل خمسين عاماً.

الأيام السورية؛ خالد علوش

ولدت حنة آرنت لعائلة ألمانية علمانية يهودية الديانة، عام 1906 في مدينة ليندن \ هانوفر، ونشأت بين كونسبرج وبرلين. استقبلت حنة العالم منذ طفولتها بوعي مختلف، وفي زمن أصبحت فيه الفلسفة والفكر أقرب للحداثة والتغيير، وعاشت في وقت مضطرب وحافل بالتغيرات على مستوى الواقع والوعي الاجتماعي والثقافي، وهذا ما خلق منها لتكون أحد أهم علائم الفلسفة الأوروبية الحديثة، وأكثر المنظّرات في مسائل السياسة والفكر، رغم رفضها الدائم أن يتم وصفها بالفيلسوفة.

الاضطراب والقلق المعرفي

نشأت في ذلك الواقع المحاط بسقوط أنظمة إمبراطورية وصعود أخرى، وبداية تغير وجه العالم السياسي والعسكري. فدرست مراحل تعليمها الأولى داخل ألمانيا، قبل أن تعيش غمار الحرب العالمية الأولى عام 1914، وما رافق تلك المرحلة من انكسارات اجتماعية وثقافية لتليها مرحلة انهيار اقتصادي وسقوط ألمانيا في دوامة الهزيمة. أكملت حنة دراستها قبل أن تعود ألمانيا الدولة إلى تصاعد قومي واكتساح للفكر العلماني داخل أوروبا، وبداية انتشار الفكر الفاشي، ومن ثم عودة حرب ثانية وانكسار معنى الهوية مرة أخرى، رغم هرب آرنت من أوروبا اتجاه الولايات المتحدة، لكن تركها لبلدها لم يغير من التأثيرات الفكرية على حنة وموقفها من الأنظمة المتصارعة. هذا الاضطراب والقلق المعرفي على الأرض الذي رافق آرنت منذ نشأتها حتى لحظة وفاتها، خلال 69 عاماً من حياتها، جعل مسألة التفكير والتمعّن بالوضع الأوروبي والإنساني العام هو هدف حنة آرنت الثقافي.

اكتشفت أهمية الأدوات المتبعة في السيطرة حتى وإن اختلف الهدف الإيديولوجي، فالسمة الشمولية تظهر جلياً من خلال الاستيلاء على السلطة والامتداد للسيطرة على كل المجتمع وتماهي مفهومي الحزب الحاكم والدولة.

علاقتها مع الفلسفة

انجذبت حنة منذ صغرها إلى الفلسفة، وفي مرحلة متقدمة التزمت بدراستها داخل جامعة ماربورغ إلى جانب فيلسوف ألمانيا الأكبر مارتن هايدغر، حيث نشأت بينهما علاقة حميمة ورومانسية طويلة جداً، لكن تلك العلاقة أخذت منحى مختلف مع تصاعد النازية في ألمانيا، وتعرضت حنة لكثير من الانتقادات لعلاقتها، بسبب دعم هايدغر للفكر النازي، حيث كان يشغل منصب عميد جامعة فرايبورغ.

منذ تلك اللحظة أخذت حنة منحى فكري مستقل وهجومي في عام 1933، فابتعدت عن الفلسفة بمفهومها النظري، وبدأت الانخراط في العمل السياسي، لإيمانها أن الفلسفة بمحاورها النظرية تعنى بمناقشة الفرد وتفكيره والدخول لجدلية غير واقعية، وهو ما دعاها للتركيز على الواقع والتنظير له وتغييره من خلال العمل المباشر.

في نفس العام تم اعتقال آرنت من قبل الحكومة النازية الصاعدة بسبب عملها السياسي في الدرجة الأولى، وتركيز النازيين على ملاحقة جميع اليهود في الدرجة الثانية. لكن فترة اعتقالها لم تطل، فتم إطلاق سراحها واستطاعت الهرب من ألمانيا باتجاه باريس ثم التوجه إلى نيويورك لتبقى فيها حتى وفاتها عام 1975.

حنة آرنت(موقع درج)

عملها في مجال الصحافة

في الولايات المتحدة عملت حنة في مجال الصحافة مع جريدة النيويوركر كباحثة وكاتبة مقالات ومراجعة لغوية، ومحاضرة في عدد من جامعات أمريكا كوزليان وييل وشيكاجو وكولومبيا وبركلي وكاليفورنيا ونورث وسترن وبرنستون، وانخرطت في بحوثها السياسية العميقة مع عملها المباشر، وكانت أولى البحوث النظرية المهمة التي غيّرت المفاهيم السياسية التي اجتاحت العالم خلال تلك الفترة، هو كتابها أصول الشمولية 1951، والذي ناقشت فيه أصول تلك الأنظمة وخطورتها على العالم من خلال نموذجي الستالينية الروسية والنازية الألمانية، حيث اكتشفت أهمية الأدوات المتبعة في السيطرة حتى وإن اختلف الهدف الإيديولوجي، فالسمة الشمولية تظهر جلياً من خلال الاستيلاء على السلطة والامتداد للسيطرة على كل المجتمع وتماهي مفهومي الحزب الحاكم والدولة.

واعتبرت آرنت أن ظهور مثل تلك الأنظمة هو انتكاس حقيقي لتاريخ الفكر الأوروبي، وعالجت بطريقة تفصيلية الخطر المحيق في تلك الأنظمة وتأثيرها الآلي على العقل الإنساني ومشاعره.

اكتشفت أهمية الأدوات المتبعة في السيطرة حتى وإن اختلف الهدف الإيديولوجي، فالسمة الشمولية تظهر جلياً من خلال الاستيلاء على السلطة والامتداد للسيطرة على كل المجتمع وتماهي مفهومي الحزب الحاكم والدولة.

سحب الجنسية الألمانية

في عام 1937 قامت حكومة ألمانيا النازية بسحب الجنسية الألمانية من حنة آرنت، وفي المقابل لم تستطع الحصول على الجنسية الأمريكية، فخلال 18 عام من إقامتها في نيويورك كانت حنة تعامل معاملة الأجانب، وما رسخ هذا الموقف اتجاه حنة هو عملها السياسي مع المنظمات اليهودية التي كانت ناشطة في نيويورك، واتخاذها فيما بعد موقفاً عدائياً من تلك المنظمات التي تحولت إلى كيانات صهيونية فاشية على حساب الفلسطينيين. فتجسد عملها بالبداية داخل تلك المنظمات في محاولة إنقاذ اليهود الأوروبيين من شبح النازية اتجاههم، والعمل على إقامة وطن لليهود لهم، لكن بدأ هذا الابتعاد إبان الخلاف الذي نشب داخل الحركة الصهيونية حول التحالفات التي من الممكن عقدها بين ما أُطلق عليه أنصار “الواقعية السياسية” (هرتزل) وأنصار “المثالية الأدبية” (ب. لازار)، حيث وقفت أرنت بجانب الأخير، لأن رؤى حنة تكمن في أن السياسة الواقعية الوحيدة تنحصر في سياسة تحالف مع الشعوب المتوسطية الأخرى التي تعزز الوضع المحلي اليهودي في فلسطين والتي تؤمّن تعاطفاً حقيقياً مع الجيران.

حنة آرنت ومارتن هايدغر (فيسبوك)

الواقعية السياسية

رأت أرنت أن أحد مصادر العمى الصهيوني الخاص بما تسميه “المسألة العربية” يكمن في الاتجاه نحو الواقعية السياسية، أي الاندراج في لعبة القوى العظمى التي تُقدّم البشر كأكباش لمصالح اقتصادية، دون التركيز على هوياتهم إن كانوا يهوداً أم عرباً. وكان موقف آرنت يتمثل بأن انجازات اليهود في فلسطين هي ودها يمكن أن تكون مصدر الشرعية ونقطة الالتقاء المحتمل مع العرب، فإذا كان هناك بُعد تاريخي لاختيار فلسطين دون أي بقعة أخرى في العالم – بحسب الزعم الصهيوني – فهذا لا يضفي وحده شرعية على الوجود اليهودي فيها. فالشرعية لا يمكن أن تتأتى إلا من مبدأ يمكّن الآخرين من الاعتراف به.

حنة آرنت على طابع(درج)

اتهامها بالعداء للسامية

لكن أزمة حنة لم تتوقف عند هذا الحد، فعند بداية محاكمة آيخمان الألماني، حيث غطّت حنة الخبر لصالح النيويوركر، وأصدرت لاحقاً كتابها، آيخمان في القدس 1963، اتخذت موقفاً جلب عليها هيجاناً من قبل الصهيونية والمنظمات اليهودية، حيث رأت حنة أن آيخمان ليس سوى موظف برجوازي تافه، وإنسان عادي تماماً، وحاولت شرح أن الكارثة تكمن في قدرة الأنظمة الشمولية على جعل المواطن العادي آلة تنفيذية غير واعية، ومجرد من إنسانيته العقلية، وأن آيخمان هو عبارة عن ستار لإخفاء مشروع سياسي متجذر عميقاً لترسيخ دعائم نظرية الهولوكوست لجعلها أداة سياسية لاحقة، وخلال بحوثها توصلت إلى النقطة التي كانت القشة التي قصمت الظهر، وهي أنه في وقت كان بن غوريون يحاول الحصول على المزيد من التعويضات المالية من ألمانيا الغربية، كشفت آرنت دور المجالس اليهودية في التعاون مع النظام النازي ضد اليهود أنفسهم، وهو ما أدى لاتهامها بالعداء للسامية.

إخراج السياسي من الفلسفي

أن طبيعة حياة آرنت وتجربتها لا يمكن فهمه إلا ضمن بنيته الفكرية، فالسياق الأساسي لرؤاها تجسدت من خلال نظرتها بإخراج السياسي من الفلسفي، وإعادة صياغة الإجابات على التساؤلات الإشكالية من خلال مقولات غير فلسفية، واعتمدت لحل هذه المعضلة إلى تحليل فهم العالم وطريقة سيره من خلال تمييزها لمعنى الوجود المكاني عند الإنسان، من أنه يصنع شروطاً غير طبيعية ويخضع لها، وهي شروط العالم الاصطناعي، لذا فهمت حنة بتمييز دقيق بين الأرض كمحور للوجود، والطبيعة كشرط للحياة، والعالم كشرط للمعيشة، وتمييز الحدود بينها لتستطيع إخراج السياسي من الفلسفي التنظيري، ويصبح إمكانية تحويل العالم لمكان أفضل هو تجربة عملية، وإخضاع التصور الفلسفي للعالم والوجود الإنساني إلى تصور سياسي.

ركزت في جميع بحوثها على مسألتين مهمتين في خلق النظم السياسية، وهما العنف والسلطة، وتحليلهما من خلال الواقع والتجربة، وتقسيم السلطة إلى الجماهير والإرهاب، وطريقة استخدامهما كأدوات يومية وحية.

على هذا المبدأ اشترطت حنة بداية فهم أولى النظريات والبحوث وهو الشمولية في جعل الدولة والحزب الحاكم كيان واحد، لمزج الطبيعة مع مفهوم الأرض مع العالم وإخضاعهم لبنية عنصرية متفوقة. لقد عمل العالم السياسي خلال تاريخه إلى خلط الأوراق بين الفلسفي والعلمي والاجتماعي والاقتصادي ليخرج بتفكير أكثر شمولية وغير قابل للتعدد، كما شرحت في نظريتها حول الشمولية الستالينية والنازية.

العنف والسلطة

هذا ما أوصلها فيما بعد لتحديد خطوط منهجية لمسائل عالجتها دائماً في بعدها السياسي المستقل في أشهر أعمالها، بين الماضي والمستقبل، وفي العنف، وفي الثورة، وأسس التوتاليتارية. وركزت في جميع بحوثها على مسألتين مهمتين في خلق النظم السياسية، وهما العنف والسلطة، وتحليلهما من خلال الواقع والتجربة، وتقسيم السلطة إلى الجماهير والإرهاب، وطريقة استخدامهما كأدوات يومية وحية، لاستمرار مفهوم السلطة من خلال جعل قوة الطبيعة والتاريخ تنتصر على الجنس البشري كمنحى إيديولوجي، أي جعل العقل الاجتماعي يخضع لشروط السلطة بتخدير التفكير في جعل الطبيعة متفوقة على الجنس البشري كما في النازية أو سيطرة التاريخ كما في الماركسية، مع محاولة هذين النظاميين تقديم رؤى وفلسفات يركزان على أن فئة بشرية واحدة فقط تستطيع التحكم بالطبيعة أو بالتاريخ، لكن هذا التحكم لا يخرجهما من دائرة الخضوع الكلي. بهذا المعنى فهمت حنة وأفهمت العالم معنى جعل الطبيعة والعالم كله داخل دائرة سلطوية غير متناهية.

هذا التحرر الفكري والفهم العميق لدى آرنت في زمن كان الجميع يخوض غمار الخضوع، تمت محاربته على المستوى العالمي ومن الجميع، لكن بقي فكر حنة حاضراً حتى يومنا هذا وأصبح مسألة نقاشه وفهمه ضرورة للتغيير الذي أرادته آرنت قبل خمسين عاماً.

مصدر موسوعة ستانفورد للفلسفة (عبد الرحمن مظهر الهلوش، الفيلسوفة الحائرة) (د. سعد البازعي، حنة أرنت.. التباسات الحرية)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.