حنة آرنت.. تحلل ظاهرة العنف والسلطة بشكل جذري في كتابها “في العنف”

لماذا نستخدم العنف كمجتمعات أو كدولة؟ وهل العنف وليد السلطة، بل هو وليد عن تراجع السلطة وتدهورها؟ وهل من الممكن أن يكون العنف حلول آنية وليست جوهرية مع أهميته إزاء النظر للألم البشري؟

الأيام السورية؛ خالد علوش

عملت حنة آرنت، في كتابها القصير “في العنف”، على تحليل ظاهرة العنف والسلطة بشكل جذري، وتطرقت لكثير من الأمور أهمها الحركات الطلابية، والذي يمكن تجسيده من خلال بعض أهم النقاط التي وردت فيه. فبحسب حنة، إنّ السلطة والعنف ليسا الشيء نفسه، بل هما متعارضان قطعاً، وظهور أحدهما بشكل مطلق يعني اختفاء الآخر تلقائياً وكضرورة.

مفهوم العنف المتناقض

إن السلطة هي الشكل الواضح، لكن هذه السلطة لمجرد زعزعتها فإن العنف جاهز للظهور وبقوة. تقول حنة: “كل انحطاط يصيب السلطة إنما هو دعوة مفتوحة للعنف”. بمعنى أن صورة العنف هي مستترة للحظة تصبح فيها قادرة على التحرك عندما تصبح السلطة مهددة، ويجب كبح جماحه بعنف مضاد، لأنه لو ترك كحركة سجية سيؤدي إلى إنهاء السلطة للأبد وتدميرها دون القدرة على خلق سلطة بديلة.

بهذا المعنى شرحت حنة مفهوم العنف المتناقض بذاته ما بين قدرته وعجزه في نفس الوقت، قد يدمر العنف السلطة، لكن العنف لا يشترط أن ينتج عنه سلطة، أي أن العنف قد ينتج من السلطة لكنه قد يتسبب في إنهائها، وترسيخ نظرية تماهي السلطة والعنف هي أقرب لمنطق الشمولية.

صورة العنف هي مستترة للحظة تصبح فيها قادرة على التحرك عندما تصبح السلطة مهددة، ويجب كبح جماحه بعنف مضاد، لأنه لو ترك كحركة سجية سيؤدي إلى إنهاء السلطة للأبد وتدميرها دون القدرة على خلق سلطة بديلة.

ماهية الهوية العنفية

ضمن سياق المقارنات والبحث، باتخاذ أرنت نماذج لمفهوم السلطة والبيروقراطية وعلاقتها بالعنف، تشرّح آلية النشوء وتحدد ماهية الهوية العنفية ضمن أبعادها السياسية.

المثير في رؤيا حنة هو تحليلها العميق حول هشاشة الأنظمة البيروقراطية وفي مثال فرنسا حيز كبير، وتتوقف المسألة حول الرغبة باختبار ذلك الصدام الشعبي، والذي في كثير من الأحيان لا يكون واضحاً، أو ضرورياً كصورة عنفية مستمدة من أصوليته التاريخية.

العنف سلوك إنساني أصيل

لكن الخطير من وجهة نظرها أن يتم أخذ هذه الحقيقة القائلة بأن العنف سلوك إنساني أصيل وتوظيفها لصالح خطابات فلسفية وأيديولوجيات سياسية تمتدح العنف، وتبارك ممارسيه، وتنظر إلى آثاره من قلاقل وصراعات كدليل يبعث على الاطمئنان على تدفق نهر الحياة وعدم نضوبه وهو الذي لا يجب أن ينضب، وتعتقد أن فعل العنف ممكن فقط لمن يتمتع بالحيوية كلها.

كما أن العنف لا يحل الأزمة من خلال التعديل البنيوي للمظاهر الاجتماعية أو السياسية، إنه حل قصير المدى مهما كانت الجهة القائمة عليه كمستويات قيادية.

العنف الوليد من البيروقراطية

النقطة الثانية المهمة في كتابها هي العنف الوليد من البيروقراطية. تقول حنة: “كلما كانت سيطرة النزعة البيروقراطية على الحياة العامة أكبر، كان إغراء ممارسة العنف أكبر”. بمعنى أن تضخّم روتين الحياة الاجتماعية والسياسية والعقلية للبشر ازداد، بدأ جوهر العنف بالتحرك التدريجي، لأن مبدأ البيروقراطية يعمل أساساً على صناعة الأفراد ليكونوا آلات، ومحاولة تدمير الإبداع الحر بكافة مناحيه، وهذا ما يستدعي إلى تحريك العنف كشكل إبداعي في الإرادة الحرة، وكسر الشكل البيروقراطي للحياة.

وهذا هو بالضبط السبب الأساسي في تدهور الأنظمة الشمولية وسقوطها بشكل مدوي، وتجارب العالم كالنازية والسوفييت والفاشية والقمع العسكري أكبر أمثلة لدراسات حنة السباقة اتجاه معنى هذه النظم، وارتفاع نسبة البيروقراطية في أجهزتها الإدارية.

جذر العنف

بحثت في كتابها أيضاً، بأنه كي نستطيع فهم العنف يجب إخضاعه لدراسة جذوره ومنشأه، فجذر العنف هو الغضب، الرد الطبيعي والتلقائي اتجه البؤس الإنساني، وهو وليد معنى العصر الحديث، فالألم البشري تاريخياً كان يتم النظر إليه كحالة ذاتية في الوجود، وبالتالي معنى الغضب يزول تلقائياً، ولهذا كانت معاني الثورة والعنف متحجمة في تاريخها، وشكل حركات التمرد العنفي في هذا التاريخ تخضع لفترات زمنية طويلة، لكن مع بداية القرن الحديث، وسيطرة النظم السياسية على كل تفصيل حياتي وإداري، جعل الرفض المتمثل في العنف حاضراً وبقوة.

وما رسخ هذه الحركات هي الحربين التي كانتا وليدتي تلك الأنظمة الطاغية، فمع انتهاء الحرب العالمية الثانية اجتاح العالم قوى فكرية استقلت لفترة عن مفهوم السلطة وظهر العنف كحلول أساسية وردة فعل عميقة اتجاه ما جرى، وما أمثلة الحركات الطلابية في فرنسا وبعض الحركات العمالية واجتياح ظاهرة الهيبيز واحتجاج السود في أمريكا ضد العنصرية، إلا أشكال رفضية لتلك التجربة الإنسانية بإطارها العنفي. رغم أن ظاهرة التجلي العنفي تم تحجيمها فيما بعد نسبياً داخل ذكاء سلطويات الأنظمة الليبرالية، إلا أنها ما زالت حاضرة وبقوة في العالم.

العنف والسلطة

ركزت أيضاً على توضيح الفرق والعلاقات بين العنف والسلطة، وأوضحت الفروق بينهما هو حاجة السلطة للعدد، بينما العنف لا يحتاج للعدد إنما الأدوات. يحتاج العنف للتبرير باستمرار المرتبط بغاية مستقبلية، بينما السلطة لا تحتاج للتبرير إنما تحتاج للمشروعية المستندة على ماضي السلطة. وعملت في كتابها على نقد الماركسية وشكلها اليساري المتمثل ببعض الأنظمة من حيث طريقة عرض البناء المستقبلي ومعارضتها لجدلية التاريخ التي تحدث فيها يسار القرن العشرين، وإحكام قبضة السلطة وإيهام الناس بالعدالة.

العنف لا يحتاج للعدد إنما الأدوات. يحتاج العنف للتبرير باستمرار المرتبط بغاية مستقبلية، بينما السلطة لا تحتاج للتبرير إنما تحتاج للمشروعية المستندة على ماضي السلطة.

يمكن الحديث عن كتاب حنة بمجمله كدراسة متميزة في زمن مضى، بتساؤلات من قبيل، لماذا نستخدم العنف كمجتمعات أو كدولة !، والتركيز الأساسي والنقطة الفارقة في فهم تاريخية السلطة، أن العنف ليس وليد السلطة بل هو وليد عن تراجع السلطة وتدهورها. والعنف هو كحلول آنية وليست جوهرية مع أهميته إزاء النظر للألم البشري. فصراع السلطة والعنف لا ينتج عنه التطور إنما التدمير والفناء. وذلك بسبب جذور وطبيعة العنف.

لا يمكن تلخيص كتاب “في العنف” بصورة سريعة، فطريقة بنائه هو أشبه بطريقة بناء كل كتب آرنت وحتى أشبه بطبيعة حياتها وتكوين رؤاها الفلسفية والسياسية، لكن هذا الكتاب هو من الأهمية للتوقف عند أهم نقاطه ومحاولة فهمه لما له من أثر كبير على استدراك العالم في مراحل صعوده قبل سقوطه وتغيير شكل العالم الحديث.

غلاف الكتاب
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.