حنا بطاطو.. إنجاز تحليلي فريد لطبيعة النظم الحاكمة الحديثة في المشرق العربي

يُعتبر حنا بطاطو من أهم مؤرخي منطقة الشرق الأوسط، وأحد أهم مفكريها الذين اختصّوا بدراسة تاريخ المشرق الحديث، في هذا المقال نستعرض معاً تجربة هذا الباحث في تشريح طبيعة أنظمة الحكم في سوريا والعراق.

الأيام السورية؛ خالد علوش

وُلد حنا بطاطو في فلسطين\ القدس عام 1926، وكانت نشأته الأولى حافلة بالاضطراب السياسي، حيث كانت فلسطين تحت الاستعمار البريطاني، فتعلّم في مدارسها، قبل أن يُعلَن عن قيام دولة إسرائيل، فهاجر في عام 1948 إلى الولايات المتحدة، ولم يعد مرة أخرى إلى بلده.

يُعتبر حنا بطاطو من أهم مؤرخي منطقة الشرق الأوسط، وأحد أهم مفكريها الذين اختصّوا بدراسة تاريخ المشرق الحديث.

بعد استقراره في الولايات المتحدة وهو في عمر الثانية والعشرين، حاول بطاطو إكمال دراساته في حقل الدراسات الروسية، قبل أن يكمل الدراسة في مدرسة إدموند ويلش للشؤون الخارجية بجامعة جورجتاون بين عامي 1951 و 1953، كما حصل فيما بعد على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفرد عام 1960، حيث قدّم أطروحته المعنونة “الشيخ والفلاح في العراق”. بعد حصوله على الدكتوراه بعامين عمل بالتدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت لمدة عشرين عاماً، قبل أن ينتقل مرة أخرى من عام 1982 حتى تقاعده عام 1994 إلى جامعة جورجتاون في الولايات المتحدة.

لقد كانت دراسة بطاطو للعلوم السياسية مفتاح لتحديد المسارات الفكرية التي كانت البلاد المشرقية تخوضها من بدايات النضال ضد الاستعمار حتى ثورات البلاد العربية ضد القوى السياسية التي كانت بشكل من الأشكال تقليدية اجتماعياً وفكرياً، وهو ما جعل بطاطو يحاول دراسة التاريخ والنشوء لتلك القوى الجديدة وكيف حملت المنطقة المشرقية إلى مستوى من المزيج الغريب بين الانفتاح وصناعة الديكتاتورية، وخاصة أن قوى العلم هي من كانت تُسيطر بحركات ثورية على البلاد العربية خصوصاً من مصر وثورة يوليو إلى العراق وسوريا، وتغيّر لبنية الاقتصادية في الخليج العربي وصعود قوى شعارها الأساسي النضال ضد الإمبريالية مدعومة بالحلف الاشتراكي السوفيتي.

كانت دراسة بطاطو للعلوم السياسية مفتاح لتحديد المسارات الفكرية التي كانت البلاد المشرقية تخوضها من بدايات النضال ضد الاستعمار حتى ثورات البلاد العربية ضد القوى السياسية التي كانت بشكل من الأشكال تقليدية اجتماعياً وفكرياً.

كل تلك الحالات الواقعية والتجارب اليومية والنضال فيها، أثرت على رؤية بطاطو لمستقبل المنطقة في البداية، لكن مع التفرّد السلطوي بدأت تتوضح لديه النظرة بشكل جلي لصناعة الديكتاتوريات، فعكف لدراسة تلك الظواهر بشكل معمق، وربما كان بطاطو قد اختص بجانب معين ولم يتفرد بشكل كلي لدراسة جميع الظواهر المحيطة في المنطقة، فأنجز كتابه المؤلف من ثلاثة أجزاء حول تاريخ العراق. وربما كان مرّد ذلك هو الفترة التي جعلت من العراق نموذجاً ثورياً محضاً في الخمسينيات، وحالة الاضطرابات السياسية وارتفاع الفكر الثقافي فيها، وإعادة تتويج الملك فيصل الثاني عام 1953. كل ذلك كان بداية تعلّق بطاطو بذلك البلد، وبقي فعلياً متعلقاً حتى وفاته، ومحاولاً كشف خفايا تاريخ تلك المنطقة.

وتذكر بعض المصادر أن بطاطو كان على علاقة مع عبد الكريم قاسم، مما سهّل وصوله للكثير من الأرشيفات السرية للأمن العراقي، وساعدته تلك الملفات لفهم تاريخ العراق في فترات متنوعة ومكّنته من وضع دراسة عن المتغيرات السياسية بعنوان “الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية الحديثة في العراق” والذي نشره عام 1978، واُعتبر ذلك العمل بمثابة مرجع أساسي لتاريخ العراق الحديث، والتي تعتمد منهجية بطاطو على التحليل الاجتماعي السياسي.

سلسلة كتب بطاطو عن تاريخ العراق(المدرسة الإصلاحية)

في أواخر حياة حنا بطاطو، قام بدراسة مماثلة حول سوريا بعنوان “فلاحو سوريا، سليلو الوجهاء القرويين الأقل شأنا وسياستهم”. وذلك قبل وفاته في وينستد كونيكتيكوت في الولايات المتحدة عام 2000.

اكتشف حنا بمنهجه التطبيقي لدراسة واقع العراق وعلاقاته الاجتماعية المعقدة، أن أي سلطة تتكون في الشرق الأوسط، تقوم أساساً على درجة القرابة لضمان استمرارها، وقد وجد ذلك بأعلى مستوياته في العراق بالذات، كون التاريخ الاجتماعي هناك هو مجموعة بُنى تحرك التاريخ السياسي له منذ ثورة تموز 1958، القائمة بشكل واضح على القرابة والتبعية والعشائرية والطائفية والنظرة الحزبية الضيقة. وكان العراق هو بمثابة مفتاح أساسي لتوسيع نظرة بطاطو حول البنى السياسية في دول المشرق، مُعتمداً ببناء منهجيته كأدوات ومادة تجريبية مستقاة من المجتمع الغربي في تحليل الواقع العربي على ماركس وفيبر وماديسون كنظريات، ومعالجاً تلك المادة النظرية بلمس الواقع العراقي بالذات، فخلق بطاطو تلك المنهجية المتماسكة لكتابه. يمكننا تلخيص التاريخ الذي حاول بطاطو فهمه وتقديمه إلى العالم في المنطقة من خلال عمليه الأساسيين، وهما العراق وفلاحو سوريا.

غلاف كتاب بطاطو عن فلاحو سوريا(الميادين)

كان عمله الأول العراق في ثلاثة أجزاء، يقوم على رصد الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية. يلقي الكتاب الأول الضوء على ملاك الأراضي، والتجار، ورجال المال، وسلطتهم، وطرق تفكيرهم، وسلوكهم السياسي، وموقعهم الاجتماعي، وجذور منزلتهم أو ثرواتهم، ويهدف اكتشاف ما إذا كانت المعالجة الطبقية تفتح منفذاً لرؤية علاقات تاريخية أو ملامح اجتماعية، كانت ستبقى لولا ذلك بعيدة عن النظر، أو بشكل أكثر عمومية، ما إذا كانت هذه المعالجة قادرة على إعطاء رؤى جديدة أو نتائج ذات قيمة عند تطبيقها على مجتمع عربي ما في فترة بعد الحرب العالمية الأولى.

أما الكتاب الثاني فقد تناول تاريخ الشيوعيين في العراق على نطاق واسع، لأنهم كانوا أسبق من القوى الأخرى، وتأثيرهم العميق على المستوى الجماهيري للمجتمع. ويتتبع الكتاب أصول الحركة الشيوعية، وأفكارها والعواطف التي كانت تسيرها، وصيغها التنظيمية، وبناها الاجتماعية، وكيفية إعادة بناء حياتها الداخلية في اللحظات ذات المغذى، وتقييم تأثيراتها على العراق وتاريخه، مستنداً إلى مصادر لم يسبق لأحد ان اطلع عليها، كالسجلات السرية للمديرية العامة للأمن العام، وملفات الشرطة السياسية، وأدبيات شيوعية، وتقارير الاستخبارات البريطانية، وهذا ما أعطى الكتاب غنى ووفرة في المعلومات لم تتوفر في أي كتاب آخر جاء حول هذا الموضوع.

غلاف كتاب الشيخ والفلاح في العراق(تويتر)

ويتناول الكتاب الثالث الشيوعيين والبعثيين والضباط الأحرار، وهي الحركات التي شكلت بشرائحها الأساسية التعبير الأول من الطبقات الوسطى في العراق. وركّز الكتاب على أصول هذه الحركات لاستنباط جذور الأفكار والعواطف التي كانت تسيرها، ووصف صيغها التنظيمية وبناها الاجتماعية، وإعادة بناء حياتها الداخلية في اللحظات ذات المغذى، وتتبعها في حالات الانحسار والمدّ في مقدراتها، وتقييم الذي كان على البلاد وتاريخها.

لقد كان مؤلّفَهُ العراق ومازال أحد أهم الكتب التي حللّت الواقع العربي الاجتماعي والسياسي بشكل لا نظير له.

في كتابه الثاني “فلاحو سوريا” اعتمد بطاطو في بحثه على المقارنات والوثائق والمقابلات التي أجراها مع أكرم الحوراني وميشيل عفلق وصلاح الدين بيطار وانطوان مقدسي وعدنان سعد الدين المراقب العام للأخوان وصلاح خلف من منظمة التحرير الفلسطينية. وكان كتابه توجه في بحث الجذور الاجتماعية التي سبقت بعقود تأسيس حزب البعث، ثم فهم طبيعة النظام الذي بناه حافظ الأسد وعلاقته بالقوميةالعربة والأخوان المسلمين وحركة فتح والدور في الحرب العراقية.

يمكن القول إن بطاطو بكتابيه العراق وفلاحو سوريا، قدّم فعلياً إنجازاً تحليلياً فريداً من نوعه لطبيعة النظم الحاكمة الحديثة في المشرق العربي، وبمنهجية تحليل ومقارنات اجتماعية سياسية، وهذا ما لم يفعله مؤرخون آخرون.

في الجزء الأول من الكتاب ميّز بطاطو الفلاحين وبنى أرضية حول ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية منذ بداية القرن العشرين، وقدّم وسماً لكل فئة وطبائعها، كما رصد التقلبات التي مرّ بها المزارعون نتيجة للسياسات المتبعة. وفي الفصول اللاحقة تناول بطاطو شخصية حافظ الأسد وسياساته، وكيف بنى الأسد مجموعة من العلاقات المعقدة والمتينة بذكاء سياسي نادر ليصنع من سوريا نموذجاً لحكم تفردي تحت غطاء سياسي ديمقراطي، وهذا ما قلّ مثيله بالنسبة لسياسات دول أخرى وشخصيات ديكتاتورية.

يتحدث بطاطو عن تلك العلاقات وكيف حاول الأسد اكتساب فئات متنوعة في فترة حكمه، من بناء علاقات مع تجار الحميدية في دمشق وتعديل القوانين الاقتصادية، وعلى المستوى السياسي كيف بنى علاقاته مع الأخوان المسلمين في السبعينيات وإدخالهم في مجلس الشعب مستفيداً من تفككهم الجغرافي بين حماه ودمشق وحلب، ورفضهم ان يكونوا معارضين مع الفئات العلمانية، وثم وصولاً إلى عام 1982وحادثة المدفعية التي قدّمت للأسد مبرراً لإخضاع البلاد بأكملها تحت سيطرته.

وتحدث بطاطو في فصول لاحقة عن علاقة الأسد بحركة فتح، وكف أن الأسد رغم دعمه الظاهري لفتح إلا أنه كان على خلاف عميق معهم، بمحاولة اغتيال ياسر عرفات بوصاية من الأسد، وموقف صلاح جديد من تصفية الثورة الفلسطينية التي كان الأسد يسعى إليها، ثم انفجار الأزمة في لبنان بعد تخلي الأسد عنها في 1982. حيث يصف بطاطو الأسد بسياسي الهدم والبناء، حيث يبني تحالفات ويهدم أخرى بشكل متتال وسريع، مع مجموعات قومية وأخرى انعزالية ومجموعات علمانية وأخرى إسلامية وأحزاب يسارية وأخرى يمينية، وتحويل القومية من غاية إلى وسيلة.

يمكن القول إن بطاطو بكتابيه العراق وفلاحو سوريا، قدّم فعلياً إنجازاً تحليلياً فريداً من نوعه لطبيعة النظم الحاكمة الحديثة في المشرق العربي، وبمنهجية تحليل ومقارنات اجتماعية سياسية، وهذا ما لم يفعله مؤرخون آخرون.

ربما لم يعمل بطاطو على الكثير من النماذج السلطوية، إلا أن تفرّده في الكتابة عن بلدين وعلاقتهم مع الحركات التحررية وشرح الحالة الاقتصادية وتحليل البنية الاجتماعية تعطي مثالاً حياً لإسقاط ذلك المنهج على باقي المنطقة، وهو الشيء الذي ابتكره حنا بطاطو بذكاء نادر.

مصدر (فايز الصياغ، حنا بطاطو، عالم الاجتماع والمؤرخ) (محمد تركي الربيعو، حنا بطاطو مفكّكاً أسطورة القبيلة الأزليّة في العراق)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.