حمم الموت تصب على عروس الغوطة

محطات من التغريبة الشامية 29

ينادي المؤذن في الجامع عن خمسة شهداء، حصيلة هذه الغارة، تلعثم المؤذن في ندائه، غلبه البكاء، أبواب المقبرة لا تغلق أبدا وجُلهم بعمر الشباب، أو الطفولة البريئة التي حرمت من أبسط حقوقها.

الأيام السورية؛ نور الشامي

أطياف الموت التي تلف الغوطة بكاملها لا تتوقف عن خطف الأرواح، المدنيين الذين دفنوا تحت الأنقاض جراء المجازر الحاصلة في اليومين الماضيين لم يتم إخراجهم بعد، بسبب قلة الإمكانيات وكثافة القصف، الأمر الذي فرض حظر تجول أدى إلى انخفاض أعداد الشهداء والمصابين قليلا، الشوارع فارغة تقريبا إلا من شخص أجبرته الحاجة أو الجوع أو المرض للخروج من منزله.

في كل صباح أنتظر عودة زوجي من معسكر التدريب فقد طالت إقامتي عند والداي، وأشعر بوحشة كبيرة وخوف بسبب ازدياد القصف، تكاد الطائرات وراجمات الصواريخ ومدافع الهاون لا تتوقف عن تفريغ غيظها وحقدها علينا.

الخوف وتعب السنين

استيقظت في الثالث عشر من آب على تمتمات والدي الذي قرر الذهاب لإحضار الخبز وبعض الخضار مستغلا هدوء الأجواء قليلا، وقفت على شرفة المنزل أراقبه، حاله كحال جميع الآباء هنا، يجر تعب السنين خلفه، عظيمة هي المسؤولية الملقاة على عاتقه في ظل هذا الحصار الجائر، وكبير هو الخوف الذي يحمله في صدره دون الإفصاح عنه خشية إشعارنا بالضعف، أحدث نفسي بأن أيام هذا الشهر طويلة جدا علينا، غاب والدي عن ناظري و كلي خوف من قصف مفاجئ، وأكاد لا أكمل حديث نفسي حتى أسمع صوت طائرة الموت المشؤومة، ولكنها تكتفي بالدوران في السماء دون التنفيذ، أجلس قليلا وأعاود النظر من الشباك لعلي ألمح عودة أبي.

لا نخشى الموت لكننا نخشى الإصابة

ابنتي الصغيرة تحوم حولي بدراجتها المنزلية، وأمي منشغلة بخياطة الملابس التي نحاول إصلاحها دائما، أو نقوم بإعادة تدوير وتصنيع لها بحيث تصبح مناسبة لأحد الأفراد، وبسرعة قياسية تنقض الطائرة بغارة خاطفة تهتز بسببها أرجاء البلدة، فُتح باب المنزل بسبب شدة الضغط، طفلتي رأيتها وكأنها طارت بعربتها وارتطمت بالحائط، وسحب الدخان تملئ منتصف البلد تقريبا، نظرت فرأيت والدي يركض مستعجلا خوفا من غارة أخرى، كُلي يقين أننا جميعا لا نخشى الموت، لعله أرحم وأكثر رأفة من هذه الضغوط النفسية الصعبة التي نعيشها، لكننا نخشى الإصابة والحاجة للأدوية و العلاج في واقع يكاد أن يكون الهواء فيه ممتلئا بالسموم.

وصل أبي شاحب الوجه، موضحا أن القصف طال منطقة “الفرن” فيخطر ببالي منظر الرغيف المغمس بالدم، نعم أصبحت لقمتنا مغمسة بالدماء بالفعل لا مجرد مثل شعبي، بعد قليل ينادي المؤذن في الجامع عن خمسة شهداء هم حصيلة هذه الغارة، تلعثم المؤذن في ندائه، غلبه البكاء، أبواب المقبرة لا تغلق أبدا وجُلهم بعمر الشباب أو الطفولة البريئة التي حرمت من أبسط حقوقها، وتسير بنا الأيام ونتمنى انقضائها لعلها تأتينا بيوم فرج وفرحة كانت قد سرقت منا.

مجزرة دوما

أخيرا يأتي يوم انتهاء المعسكر التدريبي الذي سيعود منه زوجي بعد قليل من الساعات أحسبها دهرا طويلاً، استطعت أن أقنع أمي بالسماح لي بالذهاب إلى بيتي حتى أجهزه وأحضر الطعام، وصلت إلى المنزل الذي يعمه الهدوء والسكون، جهزت الطعام ورتبت البيت وطال انتظاري جدا، أصوات في الأفق تنم عن قصف لكنه بعيد، وساوس الشيطان توسوس لي بأفكارها الخبيثة.

قررت مشاهدة الأخبار لعل الوقت يمضي مسرعا وكان أول خبر هو مجزرة جديدة في بلدة “دوما” بسبب قصف الطيران الحربي البلدة مجددا، صور الدمار مخيفة كذلك أعداد الشهداء الذي تجاوز الثمانين شهيدا حسب التنسيقات والإعلاميين، تنتشر الأخبار على مواقع التواصل بسرعة، و المساجد تضج بطلب العون من سيارات الإسعاف لإجلاء المصابين والشهداء، ويطلبوا من المدنيين التوجه لكافة المشافي الميدانية والتبرع بمختلف زمر الدماء فالحاجة كبيرة وأعداد المصابين حوالي مئتي مصاب، خط يوم السادس عشر من آب المنكوب بصمته على جروحهم وندبات على أجسادهم ستبقى تذكّرهم بمأساة هذا اليوم.

شهر “آب” شهر الدم والموت في دوما

أقلب الصور بحذر شديد خوفا من رؤية زوجي بينهم بسبب تواجده في تلك البلدة، إلا أن طرقاته المميزة على الباب طمأنتني بسلامته، فتحت له الباب ورحبت به أيما ترحيب فكأنه عاد من أنياب الموت، لأن بلدة “دوما” تتعرض لحملة قصف شرسة للغاية تتكرر المجازر فيها يوما تلو الآخر.

ويبقى شهر “آب” شهر الدم والموت بامتياز فقد شهدت في الثاني والعشرين من هذا الشهر مجزرة جديدة هي الثالثة على التوالي حيث تم قصف منطقة “السوق” بصواريخ” أرض_أرض” شديدة التدمير أدت إلى تهدم أربعة أبنية كل بناء فيها مؤلف من ثلاث طوابق يضم العديد من العوائل المقيمة والنازحة من مختلف البلدات الأخرى، لينتج عن هذه المجزرة الوحشية حوالي الأربعين شهيدا وعشرة مفقودين لم يتم الوصول أو العثور عليهم والعديد العديد من الجرحى الذين لم تستوعبهم مشافي دوما والبلدات المجاورة لها.

ترقب وقلق

لم نكن ننتهي من الحزن على الشهداء حتى تنتشر شائعة كان مفادها نية “جيش الإسلام” تنفيذ حكم الإعدام بعدد من معتقلي جيش الأمة الذين تم اعتقالهم منذ عدة شهور، باتت الغوطة بأكملها تنتظر هذا الحدث المخيف وكل واحد يخشى أن يكون قريبه من أولئك المعتقلين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.