حملات الشماتة والتشفي من حصار الغوطة أشد ألما من الحصار ذاته

محطات من التغريبة الشامية (19)

مر وقت طويل على دخول المساعدات الأممية التي كانت تأتي إلينا بعد مرورها على حواجز قوات النظام الذين كانوا يعملون على تفريغها من المواد الأساسية ومن حليب الأطفال والمواد الطبية والأدوية التي يحتاجها الأهالي هنا.

الأيام السورية؛ نور الشامي

شمس الصيف الحارقة لم تكن أكثر رأفةً بنا من زمهرير الشتاء القارص، بسبب صلاحية الجو دائما لطلعات الطيران الحربي، خيرات المواسم كانت نوعاً ما كفترةِ راحةٍ بسيطةٍ وجدنا فيها متنفساً صغيراً، بسبب وفرة الخضار والفواكه التي ستعوضنا قليلاً عما مررنا به، لكن سقوط مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في يد النظام، والكثافة السكانية العالية جعل أسعار الخضار مرتفعة نوعا ما مقارنة بالعاصمة دمشق التي نبعد عنها مسافة كيلو متر واحد، فهناك ربطة الخبز بخمسة عشر ليرة فقط، بينما تكلفنا ربطة الخبز (الشعير) حوالي خمسمائة ليرة ثمن طحين فقط إلى جانب أجرة الخباز التي كانت تكلف مائتا ليرة؛ لكن رغيف العزة والكرامة أفضل مئة مرة من رغيف الركوع، (الجوع أو الركوع) هذه الشعارات التي اتخذتها قوات الأسد ورقة ضغط على الناس هنا.

مركز الهدف للقصف

تحسن وضعي الصحي، أنا وطفلتي التي أترقب قدومها على عجل في منزلي الجديد الذي انتهيت مؤخرا من الانتقال إليه لنبدأ حياة جديدة فيه، أشعر في كل مرة أنني مركز الهدف للقصف الحاصل على البلدة بسبب موقع البيت الحساس جدا.

المطبخ الخيري

مع هذه الأجواء الصعبة والقصف المركز والحصار، بدأت تنتشر ظاهرة (المطبخ الخيري) الذي أُعد لمساعدة الفئة الأشد فقرا من خلال تأمين وجبة طعام يومية، وعلى الرغم من صغر الكمية أحيانا إلا أنها كانت سندا يسد رمق الأمعاء الخاوية للفقراء، والقائمون على المطبخ الخيري كانوا يتعرضون للعديد من الاتهامات بالغش والمحسوبيات بتوزيع بطاقات المطبخ على الأقارب والمعارف، هذه البطاقات التي تخول صاحبها الحصول على الوجبة الغذائية، إلى اتهامهم أيضا بسرقة الأموال الداعمة للمطبخ، حيث سارع أهل الخير وأصحاب رؤوس الأموال في الخارج بدعم هذه المشاريع الصغيرة محاولة منهم لمساعدة المحاصرين في الغوطة، فقامت العديد من هذه الحملات الإغاثية مثل حملة (الوفاء لأرض الشهداء)، إلا أن الحاجة كبيرة جدا تفوق مقدرة التبرعات والحملات الفردية تغطيتها.

كانت أسعار المنتجات القادمة من مخيم الوافدين تتناسب عكسا مع أسعار الخضار فكلما انخفض سعر الخضراوات ارتفع سعر الزيت النباتي مثلا وارتفعت معه أسعار السكر والشاي، وأصبح غذاء الغوطة عرانيس الذرة المسلوقة أو المشوية وجبة غذائية أساسية عوضا عن الطبخ والخبز حيث أنها كانت متوفرة، وهكذا بقينا في دائرة مفرغة ندور تائهين بلا أمل مجهولي المصير.

مر وقت طويل على دخول المساعدات الأممية التي كانت تأتي إلينا بعد مرورها على حواجز قوات النظام الذين كانوا يعملون على تفريغها من المواد الأساسية ومن حليب الأطفال والمواد الطبية والأدوية التي يحتاجها الأهالي هنا.

طفل مصاب بقصف (مركز الغوطة الإعلامي)

حملات الشماتة والتشفي

تذبل زهور أطفال وشباب الغوطة على مرأى ومسمع العالم أجمع، ولا نجد منهم إلا استنكاراتٍ وقلق وتعبيرات عن الغضب بمنشورات وتغريدات لا تجدينا نفعا، بينما كان القسم الآخر من دمشق يغرق في نعيمه الوهمي في ظل هذا الحاكم الجائر.

لم يكن البعض هناك أكثر رأفة من النظام، حيث ظهرت العديد من حملات الشماتة والتشفي من حصار الغوطة عن طريق (هاشتاغات) تضمنت صورا لأفخر الموائد وألذ الإطباق يعبر فيها صاحب الوليمة بطريقة سخريةٍ واستهزاء عن تضامنه معنا في عبارة (#تضامنا مع حصار الغوطة)، وظهرت أيضا لوحات عُلقت عند العطارين والمخابز مفادها (بدك تصيري قطوطه كلي من خبز الغوطة)، (ويوجد عندنا خلطة الغوطة للتنحيف)، مشيرين بذلك إلى نحول أجسادنا وضعفها، تصلنا هذه الأخبار تباعا، هكذا تمضي بنا الأيام على عجل قصف من السماء وحقد من سكان الأرض ولا رحمة بنا إلا من الله.

صفقة لتبادل الأسرى

إلا أن حادثة هامة وقعت أعادت لنا همتنا ورغبتنا في المضي قدما ففي عملية غير مسبوقة، أجرت قوات المعارضة صفقة لتبادل الأسرى مع نظام الأسد قبل بضعة أيام لم نشهد من قبل صفقة من هذا النوع، لنسمع بعد عملية التبادل أخبار المعتقلين داخل السجون وقصصا يندى لها جبين الإنسانية، حيث روى أحد شباب بلدتي بعد خروجه شهادته عن التعذيب بالسجون السورية قائلا “للتعذيب فنون كثيرة عند النظام السوري، أقصاها تجويع المعتقلين كنوع من التعذيب الجسدي حيث رأيت في السجون هياكل عظمية على أشكال بشر”، كذلك التغييب المقصود للأشخاص ونكران وجوده في المعتقل ليبقى مجرد رقم، حيث يكاد الواحد فيهم ينسى اسمه وجل ما يذكره هو تلك الأرقام التي يتمنى ألا ينادى بها لمعرفته مسبقا ما ينتظره في غرفة التحقيق.

صورة لأسعار المواد أثناء حصار الغوطة(شبكة شام)

حملات قصف همجية

نعيش بين الموت وكثيرا ما يوقظنا صوت القذائف بتنا نخاف ان نصاب بالصرع من الضغط النفسي، ففي كل يوم صباحا ومساءا تشهد الغوطة عامةً لحملات قصف همجية يتركز معظمها على البلدات المتاخمة للعاصمة وهي الخط الأول (حرستا، عربين، زملكا، جوبر، عين ترما) ففي الرابع عشر من الشهر العاشر استيقظنا على مجزرة وقعت في (عربين) كانت الحصيلة الأولية تسع شهداء وأكثر من ستين جريحا، نتيجة استهداف تجمع سكني بصواريخ فراغية من الطيران الحربي، كان من بين الشهداء أب وابنه وشهيد مجهول الهوية، وأخرى من النساء مجهولة الهوية بسبب تشوه الجثث وتقطعها لأشلاء.

في كل يوم نشهد فيه مثل هذه الأحداث تشعر بأن الغوطة بأكملها حزينة يلفها السواد والبؤس، تغسلها دموع الثكالى والأيامى واليتامى، يكلل قبور الشهداء عندنا نبتة خضراء صغيرة علها تؤنس وحدته في لحده الذي فقد أيضا تلك الأبهة وبات يقتصر على حجر يوضع كعلامة لوجود قبر بدون شاهدات ولوحات توثق الأسماء لكثرة شهدائنا وقلة حيلتنا في حصارنا الذي نشهده.

المزيد حول الموضوع
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.