حمص(مجزرة فض اعتصام الساعة الجديدة..الاعتصام الذي أرعب النظام السوري) -د. خولة حسن الحديد

أول اعتصام مدني لعشرات الآلاف تشهده سوريا منذ عقود
18- 4- 2011
د. خولة حسن الحديد

من الصعوبة بمكان استعادة كافة تفاصيل المجزرة التي ارتكبها رجال الأمن و الجيش السوري في محافظة حمص، لفض اعتصام عشرات الآلاف من المعتصمين في ساحة الساعة الجديدة التي أصبح اسمها “ساحة الحرية”، من أبناء حمص المدينة و أريافها القريبة و البعيدة على اختلاف وتنوع طبقاتهم الاجتماعية و أديانهم و طوائفهم، فقد كان يوماً تاريخياً عاشت خلاله مدينة حمص مشهدا نادراً استمر حوالي 12 ساعة في اعتصام هو الأول من نوعه بعد مضي شهر واحد على انطلاق الثورة السورية، و لكثرة عدد المشاركين في الاعتصام من نساء ورجال و أطفال من الريف و المدينة، تدفق لاحقا سيل من الشهادات التي يروي فيها كل من مكان تواجده تفاصيل ذلك اليوم العظيم الذي انتهى بمأساة لن تغيب عذ ذاكرة السوريين إلى الأبد، و رغم سيل الشهادات الحيّة تلك، كانت الفيديوهات الصور التي تصور الحدث قليلة جدا و ما خرج منها كان مرتبكا، تهتز فيه الصورة و تختلط أصوات الرصاص بأصوات المستغيثين، وذلك لصعوبة وربما استحالة التصوير ضمن الظروف التي تعرض لها المعتصمين خلال فض الاعتصام .
ما قبل الاعتصام / 17- نيسان 2011
شهد يوم السابع عشر من نيسان مظاهرات حاشدة في المدينة و الريف، كانت قوات النظام السوري قد ارتكبت مجزرة في مدينة تلبيسة يوم 16 نيسان خلال عودة المشيعين من مقبرة المدينة بعد دفن أحد الشهداء، و يقدر عددهم بثمانية آلاف شخص تعرضوا لإطلاق نار مباشر في أول دخول لقوات الجيش إلى مدينة تلبيسة ، حدث ذلك على الطريق الدولي لتُخلِف المجزرة عدد من الشهداء و الجرحى و كثير من الغضب في مدينة حمص و ريفها الشمالي الذي هبّ لإغاثة أهالي تلبيسة، و قد دفن الأهالي شهداءهم بعد التوافق على إقامة صلاة جماعية على أرواحهم في مسجد خالد ابن الوليد في اليوم التالي و المشاركة بالاعتصام الذي بدأت الدعوة إليه من قبل الناشطين في المدينة، وهذا ما تم إذ توافد أهالي الريف بالمئات وربما الآلاف إلى المدينة عبر أكثر من اتجاه و طريق ،و تزامن ذلك مع مظاهرات حاشدة في أحياء المدينة، كان أكبرها في حي باب السباع، إذ بادرت قوات الأمن بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين مما أدى إلى سقوط سبعة شهداء وعدد كبير من الجرحى، في اليوم التالي,قام الأهالي بتشيع الشهداء، و تمت الصلاة عليهم في المسجد الكبير و من ثم دفنوا في مقبرة تل النصر في شمال شرق المدينة، عاد المشيعون مباشرة إلى الساحة الرئيسية في حمص, ساحة الساعة الجديدة، وخلال عودتهم مروا من حي الحميدية ذي الأغلبية المسيحية ، وقد بادر أهالي الحي و خاصة الناس منهم إلى رش المتظاهرين بالأرز وقدموا لهم مياه الشرب، و انضم إليهم عدد كبير من شباب الحي، حتى وصلوا ساحة الساعة الجديدة وقد بدأت الناس تتجمع بالساحة حوالي الساعة الثانية بعد الظهر, حاول بعض المندسين توجيه القادمين نحو تمثال الرئيس حافظ الأسد في مدخل المدينة – طريق الشام ليكن الأمن بانتظارهم و ترتكب مذبحة إذا كانوا يهتفون ” إلى هُبل إلى هُبل” ، إلا أن الشيوخ و قادرة المظاهرات حاولو توجيه الناس باتجاه الطرقات المؤدية لساحة الساعة الجديدة، و هذا ما تم فعلا ، وقُدرت أعداد المشاركين بدايةً بأكثر من أربعين ألف متظاهر من مختلف الطبقات الاجتماعية والفئات العمرية، حيث شارك الرجال والنساء والصغار والكبار، والتجار والطلاب ورجال الدين ورجال القبائل وأعداد كبيرة من الريف، و يقول أحد الشهود الذين شاركوا في الاعتصام في وصف مشهد الساحة : “كان يوماً ربيعياً جميلا، نزلت إلى السوق و تفاجأت أن المحلات جميعها قد أغلقت وتجمع الناس في حشود كبيرة امتدت مابين شارع الدبلان مروراً بشارع السرايا حتى الساعة القديمة، وازداد الحشد حتى بلغت أفواج الناس جامع الصحابي خالد بن الوليد وجزء كبير من شارع الحميدية، و كان أبناء الريف الشمالي يشكلون غالبية هذا الحشد الممتد من الجامع حتى الساعة القديمة”.
شاهد آخر يقول : ” من جهة شارع السرايا وقف مابين باب السرايا الغربي وبناء المالية، عدد من الشباب ينظمون دخول الناس إلى الساحة، فقد تشكلت مجموعات لتنظيم لاعتصام وتأمين الطعام والشراب, والمحفاظة على نظافة الساحة, و مراقبة مداخل الساحة وتفتيش الداخلين إليها لمنع دخول أي حامل سلاح ، فقد كان السلاح في ذلك الوقت مرفوضاً رفضاً قاطعاً حفاظاً على سلمية الثورة”. و يضيف الشاهد: “تجمع الناس حول عامود الساعة الجديدة ، و نُصبت منصة حول الساعة، وتوزعت الجموع نحو شارع الدبلان وباتجاه الساعة القديمة، و غصّت ساحة مبنى البريد القديم و خلفها شارع نادي الضباط بالناس، كما امتلأت ( جنينة الدبابير) المجاورة للساحة بالنساء و الأطفال خاصة كانت قد امتلأت بالناس وكان هناك كما أتذكر منهم الأستاذ نجاتي طيارة وبعض مشايخ حمص خاصة محمود الدلاتي، كان الجميع عزّل من أي سلاح، وكانت الجموع مختلطة من أبناء المدينة و الريف رجالا و نساء و أطفالا من كل الطوائف، إذ شارك به بعض من سكان حي الزهراء من العلويين و كان برفقتي أصدقاء من آل النقري و آل الخضر من أحياء عكرمة و وادي الذهب و حي السبيل ،وسكان حي الحميدية من المسيحيين، وجاء كثيرون من بلدات تلبيسة والرستن و القصير ،وكان للنساء حضور مميز وحمل بعضهم الأعلام السورية القديمة حيث لم يكن علم الاستقلال قد اتخذ رمزا للثورة ، و كان بين الجموع أعيان حمص و مثقفيها و رجال الدين منهم نجاتي طيارة، و الشيخ محمود الدالاتي ، و الشيخ أنس السويد ، و غيرهم و غيرهم ممن كانوا يخطبون بالجموع و يحمسون الشباب و يدعون للسلمية و الالتزام و عدم إثارة الشغب، و أذكر يومها ما قاله نجاتي طيارة مخاطباً الناس بأنه بعد بلوغه الستين و رؤيته هذا المشهد لم يعد مهماً أن يحيا أو يموت “.
مع مرور الساعات ازدادت أعداد المشاركين التي قُدرت في ساعات الذروة بحوالي 100 ألف متظاهر وربما أكثر ، تشكّلت لجنة إعلامية تشرف على الهتافات والشعارات المرفوعة ومكبرات الصوت، ولجنة لتنظيم الصفوف، كما قام المتظاهرون بتغطية كاميرات المراقبة المتوزعة على أبواب المصارف المطلة على الساحة بأكياس سوداء لتلافي استخدام التسجيلات من قبل المخابرات لاحقا، و من هتافات المتظاهرين كان : ( حرية.. حرية إسلام ومسيحية ) ، ( يا حرية لوحي.. لوحي بدنا طل الملوحي ) و هتاف آخر جميل لم يُسمع إلا في يوم الاعتصام (جينا عالغوطة.. جينا عالغوطة.. يالله يا نسوان وين الزلغوطة ) و (واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد) ( ارحل ..ارحل) و ( على الجنة رايحين شهداء بالملايين) ،ورفع رجال الدين الإسلامي والمسيحي على الأكتاف جنباً إلى جنب، و خلال تأدية جموع المسلمين للصلاة قام المسيحيون بحماية مداخل الساحة، وشكلوا طوقاً حول المصلين لحمايتهم.
تقول إحدى الشاهدات : ” كان يوما مشهودا في حمص اجتمعت جموع من شيعوا الشهداء في وسط الساحة، وما لبث أن لحق بهم كثيرون رجالاً ونساء وأطفالاً أتوا من أحياء حمص بطوائفها ودياناتها المختلفة، ليعتصموا كشكل من أشكال الرفض للموت والقمع، افترش الأطفال والنساء الأرصفة والطرقات, ولم يثن الخوف أو التردد أصحاب المحال المتلاصقة على جانبي شارع شكري القوتلي والذي ينتهي بساعة حمص الجديدة من تقديم الطعام والشراب للمعتصمين، و مع اقتراب ساعات المساء بدأ الشباب بنصب الخيام، و رأيت بأم عيني الشباب قادمون من الشوارع المؤدية إلى جورة الشياح وهم يحملون الخيام التي بدؤوا بنصبها على الأرصفة و أمام المباني المحيطة بالساحةو في جنينة الدبابير، كما تمّ إغلاق الشوارع الفرعية المؤدية للساحة بقطع من الخشب وغيره لعرقلة وصول الأمن”.

وتحدث عدد من الشهود منهم نساء عن دخل بعض المندسين للساحة والذين كانوا يهتفون ” حي على الجهاد” و تم القبض على بعضهم وهرب الآخرون ليتبين أنهم من رجال الأمن و الشبيحة .
يذكر الشهود جميعا أنه بداية خلت الساحة من الشرطة والأمن إلا من ناحية المتحف، فقد وقف مجموعة من رجال الأمن بكامل أسلحتهم باللباس المدني والبعض توزع على طريق حماة، هؤلاء سيكونون المجموعة الأولى التي بدأت تطلق النار على المعتصمين مع تعزيزات أخرى بعد منتصف الليل، و بدأت مع ساعات الليل الأولى تظهر حالة الاستنفار الأمني التي سادت المدينة و ساحة الاعتصام، فقد كان الشبيحة وعناصر الأمن يحيطون بالمعتصمين من كل جانب متأهبين للهجوم، وحاول الشيخ محمود الدالاتي غيره من الشيوخ مع الضباط أن يُبقوا مسافة فاصلة بين المعتصمين خلف حواجزهم وبين شبيحة النظام، وتم الاتفاق على ذلك،ثم ما لبثت طلبات فض الاعتصام أن تحولت إلى تهديدات مباشرة بفضه بالقوة، إذ كان الشيوخ يتلقون الاتصالات كما قالوا من القصر الجمهوري من “ماهر الأسد “شخصياً، وينقلون للمعتصمين ما يُقال لهم عبر مكبرات الصوت و كانت تهديدات بما لا يُحمد عقباه إن لم يتم فض الاعتصام قبل ساعات الفجر الأولى، وكان ذلك يتم الرد عليه بشكل جماعي بالتكبير وهتاف “الشعب يريد إسقاط النظام”، بعد الشعور بتوتر الأوضاع و التهديدات الجديّة قرر الشيخ محمود دالاتي البقاء مع الشباب المعتصمين، و طلبوا من النساء اصطحاب الأطفال و مغادرة الساحة، بعد أن وصلت تطمينات من القصر الجمهوري بعدم استخدام العنف وتلبية مطالب المعتصمين إن هم تعهدوا بفض الاعتصام.
في أحياء المدينة الأخرى كانت تسود حالة من الترقب و الحذر و الخوف ، مع انتشار أمني كثيف لا يمكن تخيُّله، و قال أحد سكان حي السبيل أنه :” في تلك الليلة كانت تجوب الحي سيارات مدنية مليئة بأشخاص ملتحين يهتفون وينادون على الجهاد، و يطلقون تهديداتهم للعلويين من سكان المدينة، مما تسبب بالرعب للمدنيين في بيوتهم، و بعض المساجد أيضا نادت مآذنها على الجهاد ” ، علما أن حي السبيل حي مختلط و كانت جميع المداخل المؤدية إليه محاطة بالحواجز الأمنية، خاصة من اتجاه المداخل التي تؤدي إلى حي الزهرة ، فمن هؤلاء الذين جابوا شوارع الحي بحرية و تحت أنظار حواجز الأمن و هتفوا هتافاتهم و أطلقوا تهديداتهم ؟؟.
فض الاعتصام / المجزرة – المأساة
يؤكّد الشهود ممن كانوا في ساحة الاعتصام ومن سكان المباني المُطلة على الساحة، أنه بدأ إطلاق النار حوالي الساعة الثانية ( في تمام الساعة الثانية إلا عشرة دقائق فجراً) و من دن توجيه أي إنذار مُسبق، ومُباشرة تساقط كل من كان في الصفوف الأولى بين شهيد و جريح، و ساد المكان فوضى عارمة وسط أصوات إطلاق نار متواصل و كثيف استيقظت عليه أحياء المدينة كلها، فتزامناً مع إطلاق النار في الساحة أطلقت النيران أيضا في كل مكان، بدءًا من بابا عمرو والخالدية مرورًا بحي البياضة ودير بعلبة وانتهاء بساحة الساعة، فكانت حمص كلها كانت تحت النار، و في الساحة لم يكن من الممكن رسم صورة كاملة لما حدث إلا بعد وقت من إدلاء الشهود بشهاداتهم، فإطلاق النار تمّ من بداية شارع القوتلي باتجاه المعتصمين، بينما غالبية الفيديوهات التي تم تصويرها عن المجزرة من الواضح أنه تم التقاطها من جهة الدبلان، والنتيجة ان أعدادا كبيرة قد سقطت من الناس لم تستطع كاميرات الموبايلات رصدها، كما أن هناك أحد الفيديوهات التي تبين أن الموجودين ينظرون باتجاه الساعة القديمة ومركز قيادة الشرطة (حيث جاء إطلاق النار)، إضافة إلى مبنى السرايا (المحافظة) والبنك التجاري، وترافق ذلك بانتشار العناصر الأمنية على الأرض التي كانت تجهز على الجرحى وتعتقل من بقي على قيد الحياة ولم يسعفه الوقت للفرار، و يقول الشهود : ” استمر إطلاق النار على المعتصمين في الساحة ساعة كاملة, وبعد ذلك استمر تمشيط المنطقة وإطلاق النار العشوائي حتى الساعة الخامسة فجراً”، في حين أشار البعض إلى نصف ساعة متواصلة من إطلاق الرصاص في الساحة .
تقول إحدى الشاهدات التي كانت في ساحة الاعتصام و تابعت ما جرى بعد أن غادرت الساحة حوالي الساعة الثانية عشرة إلى منزلها المُطل على الساحة: ” حوالي الثانية عشرة و نصف سمعنا صوت المسجد القريب من الساحة ينادي ( الرجاء من الشباب فض الاعتصام رأفة بالأطفال و النساء ) وقد كررها ثلاث مرات، و لم يستجب أحد لهذا النداء و كانوا يردون عليه بهتاف ( اعتصام.. اعتصام حتى يسقط النظام ) وقد أصروا على تحدي النظام بكل السبل،و بعد ذلك أصبحت الساحة خالية إلا من الشباب و أرسل الأطفال و النساء إلى منازلهم، مضت ساعة و عشرة دقائق دون أن يحدث شيء، لكن خلال ذلك الوقت كانت السيارات التي تحمل الشبيحة تتوافد على نادي الضباط القريب من الساحة كنت أرى ذلك بأم عيني، و في الساعة الثانية إلا ثمانية دقائق ليلا بالضبط حدثت الكارثة التي كنا نخشاها، بدأ حينها إطلاق رصاص كثيف لم أسمع مثله من قبل و لا حتى في الأفلام، نصف ساعة وإطلاق الرصاص لم يتوقف ولا ثانية، في البداية هرب المعتصمون إلى الشوارع الفرعية، و حاولوا التجمع من جديد و هم يهتفون ( خاين يلي بيقتل شعبه ) واختلطت أصوات الهتافات مع الرصاص، ومع كثافة إطلاق الرصاص المتواصل هرب الجميع و أصبحت الساحة خالية إلا من بقايا حرية و دماء”.
تواصل الشاهدة : ” عدد قليل جدا من الجرحى الذين استطاعوا سحبهم من بين الموت أدخلوهم إلى مشفى الجسري القريب من الساحة، رأيت ذلك بعيني، و توقف إطلاق الرصاص، بعد ذلك كان الشبيحة في ذلك الوقت يقفون على جثث الشهداء و يهتفون لبشار، و بعد ساعتين من وقوع أكبر المجزرة تجمعت الجرافات و سيارات القمامة في الساحة، و حملت الجرافات الشهداء و الجرحى و تم دفن الجميع في مقابر جماعية حتى هذه اللحظة لم يتم التعرف على مكانها، وفي صباح المجزرة جاء عمال البلدية و قاموا – بتنظيف – الساحة من الدماء الطاهرة كما جاء الإعلام الرسمي و صور على أنه لا يوجد شيء، لينتهي الاعتصام الذي استمر إلى أكثر من 12 ساعة متواصلة ، ساعات ستبقى حية للأبد في ذاكرة أهالي حمص “.
أحد الشهود الذي كان يُراقب ما يحدث من إحدى شرفات منزلة المُطل على الساحة يقول : ” لقد تمّ إدخال عدد كبير من المعتصمين إلى مبنى البريد و مباني مجاورة له و أغلقت الأبواب، بقينا لدقائق متواصلة نسمع إطلاق نار كثيف، و بعد هروب الجميع من الساحة جاءت حافلات الزيل العسكرية و حملت الجثث و مضت، رأيت بأم عيني عشرات الجثث التي رموها في السيارات كأنها جيّف، ومضوا بها بأكثر من اتجاه إذا لم تذهب السيارات جميعا بنفس الاتجاه..كنت أراقب مذهولا و عاجزاً و سط نحيبي ونحيب أهل بيتي..كان مشهدا لا يمكن وصفه و كأننا نتابع فيلما سينمائيا “.
الأكثر مأساوية كان ما تعرض له أبناء الريف ممن كانوا في ساحة الاعتصام، إذ لم يكتفِ الشبيحة بفض الاعتصام، بل لاحقوا الهاربين إلى حاراتهم و طاردوهم بين الأزقة، الكثير من أبناء الأرياف لم يكن يعرف أين يذهب، و منهم من ركض كيلومترات عديدة حتى وجد مكان يحتمي فيه من الرصاص الذي يلاحقه، و قال أحد أبناء تلبيسة ” ركضت أكثر من سبعة كيلومتر حتى وصلت إلى مكان بالمزارع القريبة من طريق حماه المؤدي إلى تلبيسة، و احتميت ببناء مهجور تغطيه بضعة أشجار، و مشيت عبر المزارع في اليوم التالي حتى وصلت مشارف ضيعتنا تاركاً سيارتي بضعة أيام في مكان قريب من الصناعة بأول حمص، لأستعين لاحقا بأحد الأصدقاء ليجلبها لي..السيارة التي سيستولي عليها الأمن لاحقا حين اعتقالي على جسر تلبيسة .. وليتني تركتها في حمص ذلك اليوم ” .
لم يُعرف بالضبط كم عدد الشهداء و المفقودين و الجرحى، فالبعض تحدث عن المئات والبعض الآخر عن العشرات، و أحصى بعضهم بالاسم 83 شهيدا في حين قدر عدد الشهداء بالمجمل بين 300- 500 شهيد، مع مئات المفقودين مجهولي المصير، لم يُعرف حتى اللحظة أين تم دفن الشهداء الذين لم تُسلم جثثهم لأهاليهم ،وتم تداول العديد من الروايات حول ذلك.
في شهادة جندي منشق شارك بارتكاب هذه المجزرة، واستطاع الهرب الى لبنان وأدلى بشهادته لمنظمة “هيومن رايتس” ووتش تم تداولها على شبكة الانترنت و وسائل الإعلام قال: “وقع العشرات والعشرات من القتلى والجرحى، وقام عناصر الأمن بوضع الشهداء والجرحى في شاحنة كبيرة باستخدام جرافة قد تم جلبها مسبقا، وهذا يدل على نية النظام المسبقة بفض هذا الاعتصام بالقوة وبأي ثمن ،وتم نقلهم الى المستشفى العسكري في الوعر، و تتوافق هذه الشهادة مع شهادات كل الشهود الذين شهدوا المجزرة ، و يؤكد الجندي المنشق أنه من قام بارتكاب هذه المجزرة هم المخابرات الجوية بمؤازرة قوات عسكرية (المخابرات العسكرية) و الشرطة، وكان آمر إطلاق النار هو العقيد “عبد الحميد إبراهم” من المخابرات الجوية، وكانت إدارة هذه العملية موكلة للعميد في المخابرات العسكرية “حافظ مخلوف” شقيق رامي مخلوف وابن خال بشار الأسد.
في مارس 2012 م قامت كتيبة “عمر المختار” بإلقاء القبض على عدد من الشبيحة الذين شاركوا في المجزرة، و ظهر في فيديو يُسجل شهادة لاثنين منهم يعترفان بأن الأمن قد نقل الجثث بواسطة القلابات ( شاحنات كبيرة)، وبعدها قامت سيارت الإطفاء بغسل آثار الدماء و الرصاص، وقال أحدهم أن الجثث دفن بعضها في منطقة وادي خالد و أغرقوا في النهر عدد منها على الحدود السورية اللبنانية، و حتى اليوم لم يُعرف مكان دفن جثث شهادء المجزرة ولا مصيرها، و هذا الفيديو الذي تم حذفه من الانترنت لاحقا و فيه الشهادة المذكورة :
http://www.youtube.com/watch?v=mc7u-…layer_embedded
في حين تمّ تسليم بعض الأهالي جثث أبناءهم من المشفى العسكري، بعد توقيعهم على أوراق تقول أنهم قتلوا برصاص مسلحين إرهابيين أو أي أسباب أخرى للوفاة ،وكان يتم تسليم الجثث بمعدل 5 إلى 7 جثث أسبوعياً على مدى أكثر من شهر .
في اليوم التالي فُرضت حالة منع التجول في المدينة و استمرت ثلاثة أيام، و نشرت وسائل إعلام النظام صورا للساحة الخالية، والتي يسودها الهدوء، متحدثة عن فض الاعتصام و واصفة المعتصمين بأنهم سلفيون تكفيريون، و اعترفت بسقوط ثلاثة قتلى منهم، في حين عمّ الحزن أحياء المدينة التي أعلنت الحداد، و بدت شبه خالية و متوقفة عن ممارسة نشاطاتها المعتادة حوالي عشرة أيام .
** ساحة الساعة
هي الساحة التي توسط مدينة حمص حول برج الساعة، وهوَ برج طويل يُوجد في أهم ساحات المدينة، شيِّدَ البرج في عام 1958 بمساهمة من مغتربة سورية من مدينة حمص تدعى “كرجيه حداد”، ويُطلق عليه تيمناً بذلك “ساعة كرجية حداد”، بينما سميَت بـ”الساعة الجديدة” بسبب وُجود أربع ساعات وأبراج ساعات قي مدينة حمص، فكان سبب التسمية هوَ تمييزه عنهم، يَتميز برج “ساعة كرجية حداد” بطراز بنائه. فبناءُ برج الساعة يشبه المآذن مربعة الشكل الطويلة المبنية بطريقة البناء الأبلق، حيث أنه بُني بالأحجار البيضاء والسوداء، وتقع في أعلاه “غرفة الساعات” التي تملك شكل قبة شبه مربَّعة ذات أقواس متقنة الصنع عددها أربعة، وكل قوس هوَ عبارة عن باب تُوجد في منتصفه ساعة, وعددها أربع ساعات موضوعة في كافة الاتجاهات الأربعة بحيث تُتيح مشاهدتها من أي مكان حول البرج، وقد صمم البرج المهندس “عمر مالك “بارتفاع 56,16 مترًا مع القاعدة المثمّنة الأضلاع والمرتفعة قليلًا عن الأرض، تعلوها قاعدة أخرى مكعبة فيها بوابات قوسية أربع، جعل النظام من الساحة مسرحًا لمبايعات القائد الأبدي والهتاف باسمه، وعندما انتفضت المدينة حاولت قوات النظام، منذ التظاهرة الأولى للحرية في حمص الاستيلاء على الساحة، فسيّرت إليها حملة أعلام البعث وصور قائده بشار الأسد، واقتحمت سياراتهم الأرصفة، بعد الاعتصام والمجزرة في الساحة، استقدم النظام شبيحته، فاحتلوها، ليواصل أهالي المدينة التظاهر في ساحات أحيائهم الداخلية، وخلال الاعتصام أعلن أهالي حمص اسم الساحة الجديد ” ساحة الحرية” وأصبحَ لاحقا أكثر شيوعاً من الاسم القديم “ساحة الساعة”.

من فيديوهات الاعتصام مجزرة الساحة
**
** هذ التسجيل يظهرماحدث قبل وحين بدأت قوات الأمن السورية باطلاق الرصاص الحي على المعتصمين في الساحة https://www.youtube.com/watch?v=nCSP-pGuOlE&feature=player_embedded


http://www.youtube.com/watch?v=033dKTwqb1A

.

YouTube
www.youtube.com

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.