حلّوم… حكاية وطن

الأيام السورية؛ داريا الحسين

ساهمة العين تنظر بعيداً في السماء، تلملم ذكرياتها التي لطالما اعتبرتها امتداداً لوجع وطنها بكل تفاصيله، الموت والاعتقال، الثورة والمؤامرة، أمّا الخذلان فهو اﻹطار الذي يعنون ويحيط بالنهاية، بالصورة التي انتهت إليها “حلّوم” وحيدةً، كأنما تعيش اللاجدوى.

اعتكفت في بيتها، تلامس الجدران كأنما تلامس ذكرياتها القاسية، المنزل بلا نبضٍ، بلا روح، كلُّ شيءٍ فيه يشير إلى مشهد العزاء السوري، بمختلف تفاصيله، بجميع معانيه، حتى لكأنها حين تغفو على سرير حسرتها وحيدةً تعايش الفكرة الصوفية في التوحد والحلول بوطنها، فهي الجزء اﻷنثوي منه، وهي اﻷم التي اغتصبت عنوةً روحها، وذهبت إلى برزخٍ أبنائها.

عودة “حلّوم” إلى قريتها “أم الخلاخيل” غيّر فيها الكثير، أفلت عائدةً من دمشق تلملم خيبتها منكسرة الروح، خطّ الدمع بصمته على وجنتيها، وشقّ طريقه بحفرٍ تشابه شوارع دمشق العشوائية إلى حدٍّ بعيد… !!

لم تترك باباً إﻻ طرقته؛ لتعرف مصير ولدها المعتقل، لتتعرف على عنوان المكان الذي اختفى داخل دهاليز ظلمته، إنه المصير المجهول، مثل كل حكايات العرب في ربيعهم الذي صار خريفاً، مثل شتاء السوريين على وجه الخصوص، قحطٌ وموتٌ غير معلن.

مرّ على غيابه عامان، حتى استطاعت أن تزيح اللثام عن لغز المكان… كأنها أزاحت الستار عن فجيعة، وجدت ابنها لؤي معتقلاً في فرع فلسطين بدمشق، الفرع اﻷمني ذائع الصيت، أحد المقابر السياسية التي نشأت وارتبطت زوراً كما كان يقول زوجها الشهيد باسم “فلسطين”.

حملتها رغبتها وأمومتها للسفر إلى العاصمة دمشق، تقتفي أثر ولدها، مكبلةً بالخوف، لكنه الشوق لرؤيته ولو لحظةً كان أقوى من دوافع الخوف والرهبة… خلف المرآة كانت تحاكي نفسها المكسورة، الذهاب إلى الموت بقدمي خيرٌ من البقاء والحسرة على غيابه… هل جننتِ؟! هل تعقلين معنى خطواتك الطائشة، أنت زوجة شهيد، أبناؤك جميعهم ختم اﻷمن على أوراقهم “مطلوبين، متهمين، إرهابيين”؟!

لم تنصت لنداء العقل، واختارت صوت فؤادها، ذهبت إلى دمشق، وعادت بخيبةٍ أخرى، تحمل في جعبتها نبأ استشهاد ابن أخيها…

اتكأت على سريرها… استرجعت الذكريات منذ بداية الحراك الثوري، مروراً بلحظة استشهاد زوجها الذي علّم أوﻻده عدم اﻻستكانة إلى الباطل، يستمر عرض الصور، حتى ذاك اليوم الذي التحق فيه ابنها “هاني” بالجيش الحر، حمل السلاح وقرر المشاركة بعملٍ عسكري يرافقه في مجموعته ثلاثةٌ من أقاربه… سوء الطالع كان من نصيبهم في ذاك النهار، وقعوا في كمينٍ نصبه عناصر تابعين لجيش اﻷسد على الطريق العام الواصل إلى حلب، إنه العام التالي لاستشهاد زوجها، قتل ابن أخيها، ووقع البقية في اﻷسر … عام 2013م. السنةُ التي زادت المأساة في بيتها.

بقي من فلذات كبدها ثلاثة،… فؤاد الذي يعمل في دولة قطر، متزوج ولديه أربعة أوﻻد، وفادي متزوجٌ أيضاً وله طفلٌ وحيد. وولد صغير في العاشرة من عمره.

خبر اعتقال “هاني” طار سريعاً إلى دولة قطر، ليقرر فؤاد العودة إلى سورية، سعياً للوقوف إلى جانب “حلّوم”، أمه التي كان متعلقاً قلبه بها.

مقاربةٌ بدأت تتوارد إلى ذهنها سريعاً، فؤاد، سوري الهوى، لا يختلف عن أبناء وطنه، كثيرٌ من رفاقه عادوا لحمل راية الثورة، دفاعاً عن حقهم وصوناً لعرضهم، إنه جريء كفاية ليترك الجاه في “قطر” ويعود إلى البيت الذي نشأ فيه، تضحيةٌ من أجل أمه…… الوطن كاﻷم، واﻷم وطن… همست بتلك الكلمات في مونولجٍ داخلي، ثم غرقت بدمعها.

لم يتسلل النوم إليها، عادت بشريط ذكرياتها قليلاً لتستكمل ربط تفاصيل مآسيها فوق مسرحها الشكسبيري بلمساتٍ سورية، تؤكد الكثير من المقاربات في مجتمعها…

تضحك بصوتٍ مرتفعٍ قليلاً، ما تلبث أن توبخ نفسها وتركن لدمعها… “في كل زاويةٍ وبيتٍ ثمة بشار اﻷسد”، “المعتدون على الحقوق ليسوا مجرد سياسيون يرتدون ربطاة عنق… أخي مارس سلطة النظام الأسدي بحرفية تامة، أطلق الرصاص على فؤاد وأرداه قتيلاً، ذنب ولدي أنه طالب بميراثنا  باﻷرض،  ميراثي أنا، لغة أخي وحواره مبدأه قائمٌ على نهج القتل والتشبث بما ﻻ يملكه”…

صمتُ يدوم للحظات كأنما قطعت نفسها… تمسك بكتاب الله تقلّب صفحاته، تضع يدها على تلك اﻵية الكريمة، تتلوها بحرقة، سنةٌ خطها أحد ولدي آدم: “قال ﻷقتلنك”.

ما تلبث أن تجهش بالبكاء حدّ اﻻختناق.

أخي يقتل ابني... أخي يقتل فؤاد... فؤاد القلب اسماً ومعنىً.

إنه العام 2016م، عام تهجير السوريين وقتلهم بسلاحٍ جديد، اﻹقصاء كطريقٍ آخر للموت، اﻹبعاد عن ترابهم شماﻻً وفي أقصى الشمال؛ حيث ﻻ مكان على ما يبدو للحلم بالرجوع…!!

تستمر “حلوم” بالرجوع ونبش الذكريات، تغرق في مأساتها… تطالع صورة “فادي”… إنه مسجىً إلى جانب فؤاد، قضيته واحدة، الحق المغتصب… ومصيره واجهه بقوةٍ ليلقى حتفه… قتل أخي فادي… أخي قتل آخر ما بقي لي… اﻷسد اعتقل هاني… غياهب الموت والسجن… معادلةٌ سوريةٌ بامتياز.

الوساطات بيني وبين أخي انتهت كما تكاد تنهي الدول الكبرى ملف القضية السورية، القاتل بلا عقاب، ثمن الضحية المذبوح يساوي 5 ملايين ليرة سورية”… عن كل واحدٍ نصف المبلغ، عالمٌ ((…)).

رحل فؤاد وفادي، تركوا “كومة لحم”… خمسةٌ من اﻷحفاد، وركوعٍ أمام الجاني الذي انتشى بلذة انتصاره على ابني أخته العزل.

محكمة اﻷرض مغيّبة، تهمس في سرها…. تتجه إلى موضئها، تسجد لله، ترفع كفيها… صوت الأنين يعلو، إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، أنت ربي ورب المستضعفين… تتمتم بدعاءٍ كثير… تمسح عن وجنتيها الدمع، كأنما هدأ روعها في عرض قضيتها على محكمة السماء.

لم تسدل الستار على المأساة، زوجة فؤاد أنهت أيام عدتها، تزوجت من  صهر العائلة زوج “سمر”… أخت فؤاد… معادلةٌ أخرى غريبة… ألم اﻷم واﻷخت لم يتوقف عند فاجعة مقتل “فؤاد”؛ الزوجة الثانية لزوج ابنتي هي زوجة والدي المقتول… تصرخ “حلوم”… تخرج عن صمتها وحوارها الداخلي: فقدت طاقتي… أنا بشر… ما عادت اﻷرض تسعني”!!

موتٌ آخر بطريقةٍ مختلفة ووترٍ يعزف منغومةً شيطانية، سيمفونية الشيطان، ﻻ شيء يدعو للحيرة، لبنان بعد مقتل الرئيس رفيق الحريري، واتهام نظام اﻷسد بالضلوع بالجريمة، زار ابنه سعد الحريري قصر اﻷسد، وقدم فروض الطاعة والوﻻء، قريباً يفتتح معبر نصيب/جابر الحدودي، وتعود المياه إلى مجاريها بين الجارين، لن تغسل أثر الدماء على اﻷرض، لكنه عقد متعةٍ وزواجٌ سياسي باطل بين القاتل وجاره على مرأىً من عين الضحية، تحت مسمى “مصالح وطنية وقومية”… زوجة فؤاد لديها هي اﻷخرى مصلحتها العليا… سمّها قومية وطنية أضف إليها “ية”؛ المسألة “هي هي”.

ارتمت حلوم على سرير حسرتها، إغفاءةٌ تريدها طويلة بحجم معاناتها، بحجم خذلان وطنها… إلى ذاك القدر من التماهي بين حكاية وطنٍ وأفراده في زمن الهزائم المر…

خمسون عاماً من حياة حلوم ابنة أم الخلاخيل، تشي بأنّ المجتمع السوري متماهٍ في محيطه السياسي، الكل يمارس اﻷدوار ذاتها، مع اختلاف اﻷسماء والمكان.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.