حلب في العام 2016

بقلم: فايز سارة

حلب في تعريفها البسيط، مدينة سوريا الثانية، بشرًا واقتصادًا وإرثًا ثقافيًا وبنية اجتماعية. ورغم سنوات الصراع السوري السابقة لعام 2016 احتفظت حلب بأهميتها، بل إن تلك الأهمية تكثفت بأن أصبحت حلب مركزًا رئيسيًا في ثورة السوريين، ونقطة صراع محوري فيها، لكثافة جهود حلف النظام مع روسيا وإيران وميليشياتها للسيطرة على المدينة، فيما سعى السوريون لإبقاء المدينة خارج تلك السيطرة، فكان عام 2016 عام الصراع عليها وفيها، قبل أن ينتهي بالسيطرة عليها بعد تدميرها وتشريد أهلها في واحد من أشد فصول الحرب مأساوية.

وبمقدار ما كشفت حلب جدية حلف النظام سعيًا للاستيلاء على حلب، فقد كشفت بؤس التشكيلات المسلحة في الدفاع عن المدينة وأهلها، وهذا لا ينطبق على القوى التي كانت موجودة داخل حلب المحاصرة، وإنما أيضًا على المحيطة بها، والتي قصرت في نجدة المدينة المحاصرة، وانشغلت بجبهات أخرى، وبصراعات بينية، كانت من بين العوامل التي أضعفت المحاصرين.

إن الإمكانيات والقدرات المحدودة للتشكيلات المسلحة في مواجهة خصم مدجج بالإمكانيات والقدرات في حلب المحاصرة، جعلت من المعركة شبه محسومة النتائج، ولم يكن بمقدور قلة من المدافعين الحقيقيين، أخذها باتجاه آخر، وهذا ما جعل العدد الأكبر من التشكيلات، تفاوض على الخروج من حلب، فيما كانت ترفع شعارات الحرب والنصر إلى النهاية، وسط بؤس النتائج الميدانية، وتردي الوضع في المدينة ومحيطها.

لقد أثبتت معركة حلب الأخيرة، أن التشكيلات العسكرية، لا تحمل مشروعًا يمكنه الانتصار، ولا مشروعًا قابلاً للحياة، يحظى بدعم أهالي حلب ومحيطهم، وبالتالي فقد حسمت المعركة مصير مشروع التشكيلات المسلحة بديلاً لمشروع ثورة السوريين في تغيير النظام واستبدال نظام وطني ديمقراطي به، يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين، وهي نتيجة لا يبدو حتى الآن، أن التشكيلات قد أدركتها رغم الهزات العميقة، التي سببتها المعركة بنتائجها الكارثية، وهو ما أصاب قوى المعارضة السياسية، التي يفترض أنها الأكثر وعيًا ومعرفة وقدرة على الرؤية، والتي آثرت الصمت تقريبًا إزاء ما جرى في حلب، وكله يجعل الأمر على طاولة الطرفين بحيث لا يمكن تجاهله في المرحلة المقبلة.

وتؤكد خلاصات حلب 2016 بما فيها المعركة الأخيرة، أن فشلاً عسكريًا وسياسيًا ذريعًا، أصاب المعارضة السورية، وكرس هامشية الموقف الإقليمي والدولي في القضية السورية، مما يعني أن تداعياتها المحلية والخارجية ستظل مستمرة في المدى المنظور، بل إن هذه التداعيات، قد تتصاعد وتأخذ منحنيات أخرى بعد انتصار حلف النظام الأخير، وهذا ما يؤشر له ارتفاع مستوى الصوت والحضور الروسي بما عبرت عنه الاجتماعات الروسية – الإيرانية – التركية في موسكو، ومفاوضات موسكو مع التشكيلات المعارضة المسلحة في أنقرة بمشاركة تركيا، وفي الحالتين من الصعب تصور نتائج خارج نطاق بقاء الأسد على رأس النظام في دمشق من جهة، وحصول اتفاق على حل سوري، يتجاوز ما أقرته الشرعية الدولية في السنوات الماضية، ويكون نسخة قريبة من اتفاقات الهدن والمصالحات المحلية، التي تمت وتتم بين الروس والنظام من جهة والفعاليات المحلية في المناطق المحاصرة داخل سوريا، وهذا يعني أن لا حل لمشكلات اللاجئين ولا وقف لعمليات التهجير والتغيير الديموغرافي، ولا انتهاء لسياسات الاعتقال والملاحقة، ولا حرب جدية ضد الإرهاب في سوريا، ويعني أيضًا أن المجتمع الدولي عليه أن يستمر في تلقي تداعيات القضية السورية في مواجهة اللاجئين والهجرة والإرهاب والتطرف، وبقاء نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين باعتبارهم نماذج لإرهاب الدولة، وميليشيات إيران مثل «حزب الله» والميليشيات العراقية والأفغانية باعتبارها نموذجًا لإرهاب جماعات التطرف، تمامًا على نحو ما عليه «داعش» وجبهة «فتح الشام» وأخواتهما، التي لا تقل تطرفًا وإرهابًا عن غيرها.

حلب 2016، ليست استمرارًا لما كانت عليه قبل المعركة الأخيرة، بل هي مسار جديد، يأخذنا إلى ما هو أشد بإضعاف وتهميش المعارضة السورية، وإضعاف وتهميش المجتمع الدولي أكثر في القضية السورية، وجعل حلف النظام مع الروس والإيرانيين وميليشياتهم أصحاب اليد والصوت الأعلى في القضية السورية بانتظار نتائج أشد كارثية في المستويين الداخلي والخارجي، إن لم تحصل متغيرات جوهرية في خريطة وقوى الصراع الحالية.

المصدر: الشرق الاوسط

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.