حقيقة دعم إيران للنظام السوري

بقلم: عقاب يحيى

كثيرون كانوا يستغربون طوال سنوات الحرب العراقية الإيرانية موقف النظام السوري المؤيد لإيران ضد العراق، وما قدّمه من دعم مكشوف وسري في مجالات مختلفة، وبما ظهر على أنه تناقض صارخ في سياسة نظام الأسد الذي يرفع شعارات قومية، ويضع البعث ستارة للحكم، وينصّ في دستوره على أنه قائد للدولة والمجتمع، وكيف يمكن أن يجتمع هذا مع نظام إسلامي، مذهبي، يحمل مشروعاً قومياً يتجه إلى العرب امتداداً واختراقاً ومناطق نفوذ بشكل رئيس ؟..

ـ هل هي حالة العداء المستحكم بين النظامين في سورية والعراق والتي تجاوزت كل حدوود التصور، والمنطق؟…

 ـ  أم هي التطبيق للقاعدة : عدو عدوي صديقي ؟..

أم أن الأمور أعمق، وأشمل وتتصل بذلك البعد المذهبي الذي كان يحرص نظام الأسد على تغطيته بكمّ هائل من الشعارات القومية، وشبه العلمانية، وبواجهات سنية في الحكومة وغيرها؟، بينما الواقع يكذّب ذلك من خلال فعل طائفي مارسه النظام بوعي وتنهيج، ونجح في موضعة الطائفية، والاستناد إليها، وتقديم نفسه حامي حماها ؟؟..وبالتالي كانت الروابط الخفية أقوى من كل الظاهر، ومن قصة الانتماء للاتجاه القومي، وما يقال عن الإيمان بالبعث ومبادئه .(( مفيد التذكير هنا بحرص الأسد الأب على نيل ” شهادة”، أو ” فتوى من السيد موسى الصدر تعتبر الطائفة العلوية جزءاً من الشيعة الإثني عشرية))

من جهتها إيران ـ حكم الملالي ـ نظرت إلى سورية بعين الأهمية، والحيوية باعتبارها الجسر الضروري للمرور إلى لبنان، والبحر الأبيض المتوسط، ومنها إلى عدد من البلدان العربية، واختراق مجتمعاتها في الصميم عبر حركة للتشيع والمساندة تستفيد من مواقف إيران النارية إزاء الكيان الصهيوني، و”الإمبريالية” ـ الشيطان الأكبر ـ وتبنّي القضية الفلسطينية في وقت تهاوى فيه المشروع العربي النهضوي، وتخاذلت النظم العربية عن تقديم شيء فعلي لنضال الشعب الفلسطيني، وكان حزب الله بمقاومته للاحتلال الإسرائيلي في الجنوب قد نجح في استقطاب الرأي العام العربي حوله، وفي تقديم صورة مشرقة عن المقاومة أسهمت بقوة في نيل تأييد الشعوب العربية والنفاذ إلى عمقها لتشكيل حاضنة صالحة لإنبات ومساندة الخطاب الإيراني، وإلى تمرير المشروع الإيراني برايات مقبولة ..                                                           

بعد وصول الوريث المفروض إلى الحكم، ووفق طبيعته ومؤهلاته عرفت العلاقة الإيرانية السورية تطورات كبيرة لصالح مزيد النفوذ الإيراني داخل النظام والبلد، وقيل الكثير عن ” تهاون” بشار الأسد مع الإيرانيين، وضعفه، خلاف والده، في التعامل معهم، وفي انتشار “الحسينيات” وعمليات التشييع، والتدخل بالقرار، وأنه ليس محنكاً، أو قادراً على لجم اندفاعاتهم، ووجودهم المتعاظم، أو إحداث شيء من التوازن بين المصالح السورية العليا والمشروع الإيراني ومراميه.

لهذا لم يكن غريباً أن يصف المرشد العام للنظام الإيراني ـ علي خامئني ـ بشار الأسد على أنه بؤبؤ العين، وأن تقف إيران ـ خلافاً لكل شعاراتها ـ مع النظام ضد الشعب السوري، في حين كانت تصف ثورات الربيع العربي في البلدان الأخرى على أنها الصحوة الإسلامية المبشّرة، وتمنحها الدعم والتأييد، بينما انقلبت الآية حين تعلق الأمر بسورية، ووقفت إيران، منذ البداية ضدّها، والثورة سلمية، وشعبية، وتشارك فيها مختلف، ومعظم أطياف الشعب السوري مع النظام علانية، وبطريقة أظهرت ذلك الجانب المذهبي الذي يطغى على كل الشعارات وينخرها.                                     

همداني يتبجّح  في مذكراته عن الدور الإنقاذي لإيران وتدخلها الواسع الذي أنقذ النظام من السقوط وكان على حافته فعلاً.

وبدورها روسيا وعبر تصريح فاقع لوزير الخارجية أعلنت أنها هي من أنقذ النظام من السقوط، وأنه كان على وشك الانهيار لولا التدخل الروسي العنيف ..

فما هي الحقيقة ؟؟…

المعلومات التي كانت متوفرة للمعارضة منذ منتصف 2012، وبدايات عام 2013 كانت تؤكد أن النظام على حافة السقوط، وأن كثير رموزه تبحث عن ” ملجأ آمن”، بل حتى بشار الأسد كان يفكر بالهروب، وأقله اللجوء إلى اللاذقية حيث يمكن أن يمارس من هناك حكماً على جزء يسير، وأن يحاول القتال.. ثم بدأ الانعطاف وكانت معارك القصير نقطتها الحرجة .

 همداني يتحدث بالتفصيل، والمبالغة عن الدور الذي قامت به إيران حين كان النظام على وشك السقوط ، آذار 2013، وأنهم نجحوا في إقناع الأسد بتشكيل وتسليح الأهالي، وأنهم هم من تولى عمليات التدريب وفتح معسكرات خاصة كانت تستقبل إسبوعياً نحو 600 متطوع، ووصل العدد لأزيد من 30 ألفاً، فيما عرف بقوات الدفاع الوطني، وأنهم، عبر هذه القوات تمكنوا من فكّ الحصار عن دمشق حيث كانت قوات المعارضة تقترب من القصر الرئاسي والذي كلن في مرمى نيرانها، ثم فكّ الحصار عن اللاذقية، وبدء عملية واسعة لاستعادة أجزاء مهمة من المدن والمناطق .

التفاصيل التي يوردها كثيرة، بما فيها اللقاء مع حسن نصر الله وما أجراه من تعديلات على الخطة المقدمة له من همداني، وتركيزه على بندين أساسيين : القتال والأمن، وموافقة همداني، ثم دخول حزب الله العلني بقوة إلى سورية.

ـ الحقيقة تقول : أن النظام الإيراني أنقذ ـ مؤقتاً ـ النظام من السقوط الوشيك، ومكّنه من الاستمرار، لكنه لم ينجح في ذلك طويلاً، حيث نجحت قوات المعارضة من استعادة المبادرة، وتوجيه ضربات قوية للنظام والمليشيات التابعة لإيران، وسقط العديد من القادة الإيرانيين ومن قيادات حزب الله وغيره، ووصلت المناطق التي تسيطر عليها نحو 70 بالمائة من الأراضي السورية، وكانت معارك حلب وحماه : غرباً وشمالاً وشرقاً، والغوطتين، وحتى ريف اللاذقية.. إذ بدا النظام وحلفائه الإيرانيين في حالة انهيار وشيك مما استدعى التدخل الروسي الاحتلالي، وتغيير ميزان القوى عبر مستوى الأسلحة المتطورة التي استخدمتها روسيا، ومنسوب العنف الذي مارسته في قصفها للبنى التحتية والحواضن الشعبية، بما في ذلك استخدام اسلحة متطورة جداً ومحرّمة دولياً.

ـ على هذه الأرضية يحق لروسيا المفاخَرة بأنها هي من أنقذ النظام من السقوط، وهي من منع قوات المعارضة من مواصلة تقدمها في عدد من المدن والمناطق الحيوية، وصولاً إلى ما جرى في حلب واستعادتها لصالح النظام.

ـ هذا الفخر ـ اللعنة التاريخية ـ وإن كشف المعروف عن التدخلات السافرة، وعن فقدان النظام لأية استقلالية، ورهنه البلاد للقوى الخارجية، فإنه يفتح بالمقابل صراعات تنافسية بين النفوذين الإيراني والروسي.

ـ روسيا أحرزت عديد المكاسب بتدخلها على الصعيد السوري والعالمي، نجحت في انتزاع صفقات وتوقيع معاهدات طويلة الأمد مع النظام، وفي إقامة عدد من القواعد، وتأمين نفوذها، ثم تقديم نفسها كقوة فاعلة في إيقاف إطلاق النار، ومحاولات العمل لاستئناف المسار السياسي ببصمة تريد فرضها على أكثر من صعيد . مقابل كثير المعطيات عن وجود تنافس مخفي، أو تنازع غير معلن بينها وبين إيران عن حجم النفوذ ومستقبله في بلادنا . ويقال الكثير عن تخوفات ملحوظة من قبل مؤيدي النظام، بما فيهم أوساط واسعة في الطائفة العلوية ومراكز القرار في النظام من الهيمنة الإيرانية، وحجم التدخل في الشأن السوري، وأنهم يفضلون الووجود الروسي على الإيراني من منطلق  أن روسيا تبقى قوة برّانية، خارجية لا تلعب بالنسيج الداخلي ، ولا تحمل مشروعاً احتوائياً يخصّ سورية، أو بعض الفئات الشعبية والمذهبية.

ـ الأكيد أن ضرب النفوذ الإيراني سيكون له تداعياته الكبيرة والمباشرة على جوهر المشروع الإيراني في عمقه، وقطع أذرعته، الأمر الذي ستحاول إيران الدفاع عنه بما تملك من وسائل وقوى تابعة. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.