حصار الغوطة والحلم بزيارة شوارع دمشق

محطات من التغريبة الشامية (26)

كانت تصلنا أخبار العاصمة من الوافدين إلى الغوطة لزيارة أهلهم، أو من الخارجين من الغوطة إلى دمشق بقصد العلاج والعودة ثانيا، وتبقى فكرة خروجي للعاصمة تكاد لا تفارق تفكيري حتى أصبحت أراني بالأحلام أمشي في شوارع دمشق.

الأيام السورية؛ نور الشامي

أعجز عن فهم نفسي في وهج هذه اللحظات التي نعيشها وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة، فكل شيء مبهم تماما، وكأننا نسير بخطوات تائهة إلى المجهول، نترقب يوماً لنشهد فيه معجزة تغير واقعنا المؤلم، إلا أننا لا نسمع سوى جعجعة قلقة من هنا، واستنكاراً مزيفاً من هناك، لا يدرأ عنا قلقهم واستنكارهم شيئا مما نمر به.

الأنفاق حديث الساعة

يبقى موضوع الأنفاق حديث الساعة بين سكان الغوطة الشرقية، الذين باتوا ينظرون إليها كمشكاة نور ستخرجهم من غياهب الجوع والدماء إلى فسحة الأمان المؤقتة، تحت ظل نظام لا يؤتمن ولا يؤخذ منه عهد ولا ميثاق.

لطالما تحدث هذا النظام عن تسامحه و سعة صدره، إلا أنه كان لا يوفر أي ظرف لينكل بأهالي الغوطة داخلها ليلحق بالخارجين منها عبر الأنفاق، حيث أصبحت الحواجز الممتدة على الطرقات المؤدية من كافة المناطق إلى (برزة) مصيدة جديدة ومكاناً مثالياً للاعتقال التعسفي، معتمدين في ذلك على شكل وهيئة المدنيين المتواجدين في وسائل النقل، فقد كان أهالي الغوطة مميزين جدا بسبب نحول أجسادهم وملامح وجوهم المتعبة المصفرة، وأحيانا بسبب قِدَم ملابسهم واهترائها أو اتساخها بالأتربة والوحل خلال مشيهم في الأنفاق، وكان الذي يستطيع أن ينفذ من شكوكهم بالعناية بمظهره إلا أن التوتر الذي يعتري كل من يقف على الحاجز كان كافيا، بالإضافة إلى تفتيش الهويات الذي يوثق كونه من الغوطة فيبدأ مسلسل التحقيق ورشقات متتالية من الأسئلة بلهجة مخيفة تنتهي أخيرا باقتياد الشخص إلى مكان مجهول.

أراني بالأحلام أمشي في دمشق

كانت تصلنا أخبار العاصمة من الوافدين إلى الغوطة لزيارة أهلهم، أو من الخارجين من الغوطة إلى دمشق بقصد العلاج والعودة ثانيا، وتبقى فكرة خروجي للعاصمة تكاد لا تفارق تفكيري حتى أصبحت أراني بالأحلام أمشي في شوارع دمشق.

بدأت أحاول جمع المعلومات حول كيفية الخروج من خلال الأحاديث الدائرة بين إخوتي أو سهرات الشباب وزياراتهم الدائمة لزوجي، فأنصدم بالشروط المفروضة على الخارجين حيث يحظر على الشباب الخروج بسبب الحاجة إليهم للقتال، وإلى جانب وجوب الحصول على ورقة براءة ذمة من القضاء العسكري تثبت عدم وجود أي دعوة ضده، ويجب تسليم الأوراق إلى مكتب العبور وانتظار الدور، باستثناء الحالات الإسعافية حيث يشرف المكتب الطبي الموحد على تشخيص الحالة وتحويلها فورا، كما يمنع إخراج أي قطعة سلاح تحت أي ظرف كان، وغير مسموح بإخراج شيء عدا الملابس وأن لا تزيد عن حقيبتين.

فيخطر ببالي سؤال وجهته لأخي عن سبب سهولة تنقل العناصر التابعة للفصائل بين الغوطة والقابون، ليخبرني أنه يتم منحهم مهمة عسكرية من فصيلهم أو إجازة محدودة المدة يعودون بعدها للغوطة.

جعلتني هذه الشروط الصارمة أطرد كل أفكار الخروج من عقلي، وبقينا بين مستقبل للقادمين من دمشق مودعين للخارجين إليها، كأن كل من فارق الغوطة قبل أواخر ٢٠١٣ يبهت حين يأتي بزيارة خاطفة، كيف طمست بعض ملامح البلدات وتدمرت من شدة القصف، كيف تحولت أشكال عائلته التي فارقها بسبب الحصار المطبق والفقر المدقع!!، فكان يأتي من دمشق محملاً بياسمينها الخائف من سطوة النظام، ويخرج محملا بدماء وغبار وتعب الغوطة الحرة رغم كل الظروف.

الفصائل وافتتاح الأنفاق

استمرت الفصائل العاملة في الغوطة بافتتاح الأنفاق ظناً منا أن سبب هذه الأنفاق كلها هو الحرص على وضع المحاصرين، فيعزز “جيش الإسلام” سطوته على الأنفاق بشكل سري ويفتتح نفقاً جديداً في بداية شهر حزيران بالتعاون مع اللواء الأول العامل في منطقة “القابون” يتفرع إلى بوابتين، تفضي إحداهما إلى (زملكا) والأخرى إلى (عربين)، ثم بدأ بتوسيع النقق لتدخل منه سيارات وشاحنات.

إعدامات متبادلة بين داعش وجيش الإسلام

تمضي الأيام بنا على ثقل، على مهل، على وهن، ولا شيء يتبدل، إلى أن بدأت تنتشر بعض الأخبار وسط المدنيين في أواخر شهر حزيران مفادها قيام “تنظيم داعش” بإعدام عدد من شباب الغوطة كانوا قد أسروا في معارك سابقة، فتضيق نفوسنا، وكل من كان لديه معتقل عند التنظيم بدأ بالسؤال والاستفسار عن صحة الخبر، حتى قام التنظيم بنشر مقاطع فيديو توثق هذه الحادثة.

لاقت هذه المقاطع ضجة كبيرة واستياء شعبي بسبب ما تحمله من قسوة وانعدام للإنسانية، مما دفع “جيش الإسلام” إلى رد الفعل بالمثل فقام في صباح الأول من تموز بإعدام ثمانية عشر عنصرا من “داعش” من الأسرى الموجودين عنده انتقاما لأولئك الشباب، لعله يطفئ شيئا من النار المتوقدة في صدور أهاليهم، فيأتي رد النظام الذي لا يوفر حادثة ولا مناسبة إلا ويجعلها حجة لقصف الغوطة فمنذ ثلاثة أيام لم تفارق طائرات الاستطلاع سماءنا، منذرة بقدوم ريح الموت لا محالة.

الهدوء الذي يسبق القصف

استيقظت صباح الخامس من ذات الشهر على هدوء مخيف، اختفت فيه كل أصوات القصف على مختلف أنواعها، مما جعل الناس يخرجون من كهوفهم، يلتمسون بعضا من هواء الحقول والشوارع، إلا أن هذا الهدوء ما كان إلا مكيدة من النظام لاستغلال هذه التجمعات، وإلقاء حقد قذائفهم وطائراتهم على شتى أرجاء الغوطة، ليتسبب ذلك بالكثير من الدمار والشهداء والمصابين فكان يوما دمويا بامتياز، أضافه التاريخ إلى سجل النظام الدموي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.