حرية الرأي في عصر الانترنت

تحضر هنا مقولة الفيلسوف جون استيورت ميل” إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً وكان هناك شخص واحد يمتلك رأياً مخالفاً لهم، فإن إسكاتهم لهذا الشخص لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرتْ له القوة.”

52
الأيام السورية؛ خالد المحمد

كانت الجرائد والمجلات لعقود طويلة النافذة الأساسية وشبه الوحيدة للكتّاب في نشر إبداعهم وآرائهم، لتكون أيضاً المنبع الأول لاستقاء الأخبار والآراء والدراسات للمجتمع، وبذلك اقتصرتْ الكتابة والنشر على فئة محدودة من المجتمع، وفق معايير الاسم والتحصيل العلمي والمكانة والموهبة، ولا تبتعد في عالمنا العربي عن شرط المحسوبية.

وكانت شروط النشر تحت الرقابة الصارمة للسلطة الحاكمة، في حذف ومنع كثير من المواد وتسييس الرأي واقتصار النشر على من يدورون في فلك هذه السلطة ويروجون لما تريد.

المتلقي لا يملك وسيلة الرد المباشر

كان المتلقي لا يملك وسيلة الرد المباشر أو التعليق لما يُنشر، مهما كان يملك من حجج وبراهين حول صحة رأيه وخطأ ما نُشر، في غصةٍ حرمتْ الكثير من المبدعين والمثقفين طرح أفكارهم وآرائهم على صفحات هذه الوسائل.

ثم كان انتشار شبكة الإنترنت، وانتقال مواقع الشبكة في مرحلة لاحقة إلى حرية النشر والتعبير عبر المدونات الالكترونية، ثم ظهور مواقع التواصل الاجتماعي والتي أزاحها المتلقي ولاسيما العربي عن وظيفتها في التواصل الاجتماعي إلى حائط للتعبير عن الرأي والرد والتعليق، في ردة فعلٍ طبيعية لسنين من الحرمان التي عاشها المجتمع العربي سابقاً، واحتكار أقلام الأنظمة لأعمدة الكتابة والرأي طوال عقود طويلة.

أتاح التطور المتسارع للأجهزة الذكية وتطبيقاتها وكاميراتها الوصول إلى صحافة الهاتف الجوال تحت راية حرية التعبير والرأي.

هذه الثورة الإعلامية والتي سعتْ هذه المواقع لتطويرها أيضاً من خلال تكريس حرية النشر والبث المباشر وقنوات اليوتيوب التي تفوقتْ من حيث المتابعة على المحطات التلفزيونية، وكذلك أتاح التطور المتسارع للأجهزة الذكية وتطبيقاتها وكاميراتها الوصول إلى “صحافة الهاتف الجوال” تحت راية حرية التعبير والرأي.

ضغط رقابتين مبطنتين

هذه الحرية وثورة الرأي كانتْ تحت ضغط رقابتين مبطنتين حملتْ قيوداً جديدة تتماشى مع هذا التطور:

1/ رقابة الأنظمة الحاكمة

في دولنا العربية وغيرها من الأنظمة الشمولية في العالم ” ولازالت كثيرة”، حيث شكلتْ سلطة متحكمة محلية بشبكة الانترنت، فخضعت هذه الشبكة للرقابة من خلال حظر مئات وربما آلاف المواقع التي لا تعجب هذه الحكومات، أو تساهم في نشر الوعي السياسي أو تتعاطى الحرية الزائدة من وجهة نظر هذه الأنظمة.

وكذلك في محاسبة واعتقال كل من تسول له شجاعتهُ نشر ما لا تهوى نفس هذه الأنظمة، عبر نوافذ وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً، فتصاعدت ظاهرة ” معتقلي الرأي ” وأكثر ما أذكر إتاحة نظام بشار الأسد لموقع فيس بوك في بداية الثورة السورية عام 2011 رغم أنه كان محظوراً لسنوات في سوريا قبل هذه الثورة، في خطوة لفسح المجال لكشف معارضي النظام عبر منشوراتهم على فيس بوك واعتقالهم.

2/ رقابة الشركات الكبرى

وهي الشركات المتحكمة في خدمات الانترنت ومن خلفها الدول الكبرى، والتي تتغنى بحرية الرأي ولكن تحجب أي رأي يخالف توجهاتها، عبر ما تسميه هذه الشركات بسياسة النشر وصناعة المحتوى، وتتربع على رأس هذه الشركات غوغل وفيس بوك وتويتر وغيرها من الشركات التي تهيمن على خدمات الانترنت.

في المجمل وفي ملمحٍ عام نجد أن الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي قد تكون أتاحتْ حرية إمكانية النشر، ولكنها لم تتح حرية التعبير وتنوع الآراء، الذي تتغنى بهِ في نفاقٍ يُظهر فرضَ رأي الأقوى.

-founder

والتي باتت في السنوات الأخيرة تشكل رقابة تذكرنا كثيراً برقابة الأنظمة العربية مع اختلاف التوجهات، حتى باتتْ مصطلحات الحظر وحذف المنشورات والفيديوهات والمقالات وإغلاق القنوات مصطلحات يومية في واقعنا الإعلامي، فقط لأنها لا تتوافق مع معايير هذه الشركات والتي غالباً مسيسة من مصالح دولها، وتعادي مصالح غيرها، والأمثلة اليومية كثيرة حول هذا لاسيما مع معاداة أديان معينة والمتاجرة بمصطلح الإرهاب، في الوقت الذي بقي مرتكب مجزرة نيوزيلاندا قبل عام في بث مباشر على فيس بوك وهو يرتكب مجزرته داخل أحد المساجد، دون أن تقطع فيس بوك هذا البث وفي الوقت ذاته كان الموقع يحذف ويحظر أي منشور لمجرد كلمة يعتبرها من وجهة نظره تحرض على العنف وكان مصدرها جانب آخر من العالم، وكما يُبقي يومياً على جدرانه آلاف المنشورات الكاذبة والشائعات.

تحكم شركات محركات البحث

قريبٌ من ذلك تحكم شركات محركات البحث في نتائج البحث، حيث تتصدر نتائج البحث المواقع والمقالات التي تريدها هذه الشركات، عدا عن امتلاك المعلومات الشخصية لمستخدمي المواقع الاجتماعية، والفضائح المتداولة ببيع هذه المعلومات لحملات انتخابية أو شركات تجارية واستخدامها كذلك في توجيه الرأي العام وتسيسه، وخلق ثقافة مجتمع تساير وجهات النظر الغربية، وحجب ما لا يساير هواها من خلال أساليب فلترة الأخبار وتصدر نتائج البحث والحملات الإعلانية… في سياسة لخلق رأي واحد وعولمة المجتمعات.

في المجمل وفي ملمحٍ عام نجد أن الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي قد تكون أتاحتْ حرية إمكانية النشر، ولكنها لم تتح حرية التعبير وتنوع الآراء، الذي تتغنى بهِ في نفاقٍ يُظهر فرضَ رأي الأقوى، لتحضر هنا مقولة الفيلسوف جون استيورت ميل” إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً وكان هناك شخص واحد يمتلك رأياً مخالفاً لهم، فإن إسكاتهم لهذا الشخص لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرتْ له القوة.”

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.