حرب “تشرين التحريرية”.. هل كنا نعيش الخديعة أم نحتسي كأس الانتصار…؟!

أمجاد حرب أكتوبر 73 في ميزان ما بعد الحرب ونتائجها على المجتمع السوري والمصري، فهل كنا نعيش الخديعة أم نحتسي كأس الانتصار…؟!

الأيام السورية؛ فرات الشامي

تغنينا بنصر أكتوبر، باعتبارها حرباً تحريرية… احتفالاتٍ صُرِف من أجلها الملايين خلال عقود تحت بند “مصاريف نثرية”، لتغطية “سرقات” و”فساد الإدارة” في معظم دوائر القطاع الحكومية دون استثناء.

احتفالات ودبكات للنصر المزعوم

حضرنا الاحتفالات صغاراً، شيباً وشباباً، تعانقت أكف الصبايا والشباب في رقصات “الدبكة”، الجميع صفق حتى احمرت “كلتا يديه”… وحمل صور “السيد الرئيس المناضل الرفيق الفريق القائد العام للجيش والقوات المسلحة المؤمن بطل التشرينين الأمين العام لحزب البعث حافظ الأسد”… ولافتاتٍ أخرى تمجد القائد الرمز الأسطورة… فيما نسي الناس في تلك الأثناء جنوداً ذهبوا وذهبت دماؤهم في “حرب أكتوبر 73” هباءً.

عرسٌ وطني، يذكر فيه القائد وأمجاده، في ظل غياب الكلام عن المعركة التي من أجلها أقيمت الاحتفالات…!!

كتبت مطولاً عن “حرب أكتوبر 73″، كغيري من “طلاب المدارس”، منذ دخولي مقاعد الدراسة، وحتى تخرجي من “الجامعة”، لم نعترض يوماً، فقد علّمنا آباؤنا أن “الاعتراض حرام” يعاقب عليه القانون.

تعلمنا أنّنا نحتفل بمناسبة “وطنية” و”انتصارٍ” تاريخي على “الصهاينة” المعتدين، بفضل القيادة الحكيمة، تشربنا تلك الأفكار، وأرضعناها الصغار من “حلمات الأمهات، حتى لا يكون مصيرهم الممات في غياهب المعتقلات”.

غنينا “فارس العرب”… أما من تغيب عن “العرس الوطني”، فقد انتظر على “أبواب المخابرات” وأفرع الأمن التي تجاوزت العشرات، وطويل العمر من خرج بكامل عقله.

تعلمنا في اجتماعات حزب البعث، والشبيبة، ومن قبلهم الطلائع، أنّ الأسد قاد العرب للنصر وكاد يحرر فلسطين لولا خيانة “أنور السادات”، فالأول أرادها حرب تحرير، والثاني كان يريدها “حرب تحريك”.

هل كان هناك نصر حقاً؟

بعيداً عن “نتائج تلك المعركة”… والخوض في دوامة تفنيد أحداث الحرب، فلكل بيتٍ قصة يحكيها الكبار عن ظروف تلك المرحلة، لكن التطرق إلى المآلات أولى بالكلام.

المتتبع سير المشهد داخل “مصر وسورية” يدرك تماماً إدراك قيادة الدولتين في تلك الفترة أنهما أمام استحقاق ووعد واجب الوفاء أمام الشعوب الحالمة بانتصار بعد هزيمة “حزيران”، وأنّ حرباً من هذا النوع كفيلة بضمان استمرار “الحكم” إلى ما شاء الله.

ما بعد الحرب كان مشهد مسرحي سخيف، ظهر فيه “جبروت النظام الأمني” في سورية على الأقل، وتحولت الحرب إلى “جريدة سنوية”، حافظ على ذكراها نظام الأسد تحت مسمى “صحيفة تشرين” اليومية الرسمية الورقية.

ثمة ما يكذب مزاعم النصر عسكرياً، يقول الكاتب “أسعد أبو خليل”: “إن الجيش السوري خسر المزيد من الأراضي لأنه، وبعد أيّام فقط من الحرب، أصبحت دمشق في مرمى مدفعيّة العدوّ، كما أن الجيش المصري تعرّض لحصار مُكبّل. لم يُحرّر الجيشان أراضيهما المُحتلّة، وهذا هو العنصر الأساسي في الفوز بالمعركة. أم تقيس الأمر بعدد الخسائر وعقد مقارنة بين خسائرنا وخسائرهم؟ لو كان الأمر كذلك، لكانت المقارنة في غير مصلحة العرب. ليس هناك حتى الساعة تعداد تفصيلي دقيق لعدد خسائر الجيشين السوري والمصري في تلك الحرب، ربما لأن كل ما يحيط بحرب تشرين في الإعلام المصري والسوري (والعربي عامّة) يدخل في باب الدعاية وإنهاض المعنويّات على حساب الحقائق والأرقام؟ والخسائر في السلاح والعتاد هي مثلها مثل الخسائر البشريّة”.

الأسد الأب والسادات (جريدة الجريدة)

حرب دعائية

بقيت حرب أكتوبر حرباً دعائية رسخت قدم النظامين السوري والمصري سياسياً، بالمقابل لم تنجح في الهدف الذي قيل إعلامياً أنها قامت من أجله وهو “تقويض الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين”، بل كان ما بعد وقف إطلاق النار مرحلة قمعية أنهت المقاومة الفلسطينية المسلحة تدريجياً، وفرض النظامان قيوداً على تحركات ما كان يعرف بـ”الفدائيين”.

إذا كانت “حرب أكتوبر 73” نصراً عربياً –لو سلمنا بذلك جدلاً-، فالواقع يشير إلى أن “الكيان الصهيوني” يمتلك اليوم قوة عسكرية ولوبي سياسي استطاع تحريك المنطقة دون منازع، على حساب زعامات وجهت قوات جيشها –المنتصر-لقمع المطالبين بالديمقراطية والتعددية.

ظلت حرب أكتوبر73 خديعة بلبوس انتصار وهمي، قوامه امتطاء “ظهر الشعوب العربية”، وإيقاف عجلة النمو في سورية ومصر، تحت ذريعة أنها “دول مواجهة مع الكيان الصهيوني”. حتى العمل السياسي تعطل، واعتبر الكلام فيه مساساً بأمن الوطن…!!

دخلنا ساحات الاحتفال مثقلين بالهزيمة، مدركين أن للنصر شروطاً وحسابات، لكن هزيمتنا الكبرى كانت صمتنا اتجاه “الخديعة”، فكانت “حرب أكتوبر” جرعة شرعية مقوية لنظامي “سورية-مصر”، بل كان ما بعد “تشرين” طلاقاً بائناً ثلاثاً لا رجعة فيه مع الحرب على العدو الصهيوني. وحرفاً للرصاص إلى صدر الشعوب وتأديبها.

مصدر أرشيف الأيام السورية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.