حديث الأربعاء (6) -د. نزار عيون السّود

أربعاء حمص والانجذاب والصوفية

نستخلص مما سبق، أن يوم الأربعاء، وسمة التباله أو الانجذاب ( المقصود بالانجذاب هو الانجذاب إلى الله ) قد التصقا بمدينة حمص بعد قدوم القديس سمعان إلى حمص في عام 500 م. فالقديس سمعان الحمصي- الرهواني( نسبة للرها مسقط رأسه) هو الذي أسس مدرسة التباله الروحية ، وجعل حمص عاصمة لها، وأصبح ضريحه مزارا.
لقد لاقت تجربة التزهد هذه عن طريق ادعاء البله رواجاً لفترة من الزمن بعد موت هذا القديس ، وتوسع انتشار هذه الطريقة في العبادة فوصلت إلى قلب أوروبا وإلى روسيا فيما بعد، فنشأ فيها نساك معروفون باسم ( المجانين لأجل المسيح )، والقديس أفرام السرياني نفسه تباله أيضاً ليتخلص من الرسامة الكهنوتية. وكان أهل حمص من أكثر المعجبين به والمروجين لطريقته .
ثم أتى الإسلام وكان لهذه الطريقة في العبادة في ذلك الحين موقع حسن في نفوس الحمصيين ، فلما نشأت الطرق الصوفية- ولست هنا بصدد دراسة نشأتها- وجدت في حمص مكاناً رحباً وتربة صالحة لها وصار للدراويش وأصحاب الطرق من المسلمين في حمص منزلة خاصة.
ولسنا هنا بحاجة للكثير من البراهين لنقول أن الدروشة والتباله هما طريقتان للعبادة والتقرب من الله عن طريق إذلال النفس والجسد واحدة للمسلمين والأخرى للمسيحيين . وما زال أهل حمص حتى اليوم يكنون للدراويش والمبروكين معزة ومحبة مميزة ، أليست حمص هي ( بلد خْطَّي! )، و بلد ( الله يساعد العباد!) وبلد ( حبالتاي) و ( حاجي عاد)كما يقولون… والحمصي الأصيل يربي أولاده على احترام الدراويش وعدم العبث معهم والاستهزاء بهم ويجعل في هذا الاحترام قليلاً من الخوف أيضاً. والكثير من الحماصنة حتى اليوم يعتقدون بالكرامات التي يتمتع بها بعض الدراويش فيتأذى ممن يستهزئ بهم أو يتهكم عليهم . والذي يدخل في عالم المتصوفين وأصحاب الطرق كما يسمونهم اليوم ، يلمس مباشرة مدى احترام وتقدير هؤلاء لمدينة حمص وأهلها، فهم يعتبرونها مركزاً روحياً لهم ، ومدرسة عريقة تخرج فيها الكثير من عظمائهم ، وهي منبع دائم لا ينضب لمريدي طرقهم . وما أكثر ذكر الدراويش في القصص والحكايات الحمصية.
ومما عزز ذكر يوم الأربعاء، وهو يوم وفاة القديس سمعان الحمصي- الرهواني المتباله، وربطها بحمص، قيام الحماصنة بأداء صلاة الجمعة يوم الأربعاء، أثناء معركة صفين، كما سبق أن ذكرنا أعلاه.
لقد ورد في أغلب كتب التاريخ العربي أن الخليفة عمر بن عبد العزيز اختار أن يدفن في دير القديس سمعان في حمص ( الطبري .. المسعودي ..ياقوت الحموي .. وغيرهم) ولكن أحداً منهم لم يذكر عن أي سمعان .. سمعان العمودي أم سمعان المتباله.
والمعروف أن الخليفة عمر بن عبد العزيز كان قد تزهد في آخر أيامه واعتكف في دير سمعان وكره الحكم وشؤونه .. واشترى من ( الديراني أي صاحب الدير مساحة قبر لمدة سنة وطلب منه أن يدفن فيها ) وما زال الباحثون حتى اليوم يبحثون في أمر مكان هذا الدير ولكن لم يكن في ذهنهم غير القديس سمعان العمودي الأكثر شهرةً. ..! ولم يفطن أحد منهم حتى الآن أن هناك قديساً آخر اسمه سمعان ديره في حمص … ومن أين لهم أن يفطنوا والمؤرخون المسيحيون أيضاً قد غاب عنهم أن هناك قديساً اسمه سمعان المتباله صاحب ومؤسس طريقة عبادة جديدة وغريبة قد دفن في حمص وأصبح له أتباع في العالم وصلوا إلى قلب أوروبا واعترفت وتعترف به الكنائس الشرقية والغربية وهو أشهر القديسين الحمصيين في زمانه وقد جعل من حمص محور أنظار أتباعه والقطب الذي تنجذب إليه روحهم .
إن مكان إقامة هذا القديس، وبالتالي ضريحه في دير سمعان، وقبر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز لا بد أن يكون في ضاحية حمص المدينة بجوار السور بحيث يمكنه أن يذهب لينام فيه كل يوم كما هو واضح من سيرته . ومن الثابت أنه بُني له مقام هام في مكان سكنه حيث دفن ذلك بسبب منزلته الخاصة عند أهالي المدينة . وإن هذا المقام يجب أن يكون قريباً جداً من سور حمص القديم أو ضمنه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.