حديث أملاه الغلو

بقلم : ميشيل كيلو :_

كان من الصعب على أي منصف رفض جبهة النصرة التي دانت، في حديث قديم لأميرها أبي محمد الجولاني، غلو داعش وتفرغها لقتال من يقاتلون النظام الأسدي. وكان من الصعب انتقاد النصرة، بعد أن تعهد أميرها الجولاني، في حديثه ذاك، بالخروج من سورية، لأن هدفها ليس السلطة، بل الجهاد لوجه الله ودفاعاً عن دينه، ولأنها تقبل ما سيختاره الشعب بحرية، أي انتخابياً، وتتعهد أن لا تفرض عليه نظاماً لا يريده.

غادر الأمير في حديثيه مع “الجزيرة” موقفه من الغلو، ومن السلطة، والانتخابات، والآخر. وباغت مستمعيه بجبهة نصرة جديدة لا تقل غلواً عن القاعدة، سواء في مواقفها من الآخر والمختلف، أم من مستقبل سورية، حيث جعل الأمير إلزام بقية المسلمين، وغيرهم من مكونات الشعب السوري، بحكمه الشخصي وعداً غير سياسي، إلهيا ومقدساً، ليس بين قضاياه جميعها قضية واحدة مطروحة للنقاش، أو منفتحة على رأي آخر، ولو أخذنا، على سبيل المثال، ما قاله عن العلويين، وتوقفنا عن اعتبارهم غير مسلمين، وقوله إنه لن يقاتلهم إن عادوا إلى قويم الدين، وإذا لم يقاتلوه وانفكوا، في الوقت نفسه، عن بشار الأسد، لوجدنا أنفسنا أمام معادلةٍ شديدة الغلو، كيفية ومرعبة، فبينما يوافق معظم السوريين على توقف العلويين عن القتال والانفكاك عن الأسد، يعتبر مطلب عودتهم كغير مسلمين إلى الدين الإسلامي غير منطقي أو مقبول، فكأنه يقدّم، منذ الآن، الذريعة الضرورية لذبحهم كمرتدين، في تقليد لـ “داعش”، لطالما رفضه هو نفسه في الماضي، حين ألزم نفسه باحترام عقائد واختيارات غير المسلمين، فما معنى اعتبار ملايين المسلمين رافضة ومرتدين، وإعلان توبتهم، أي اعتناقهم مذهبه، شرط عدم مقاتلتهم… وقتلهم؟
يتجلى غلو “الفاتح الجولاني” في نقده جماعة الإخوان المسلمين الذي ينصبّ، أساساً، على قبولهم النظام الانتخابي، البرلماني، والدستور. لا يرى قائد القاعدة في الانتخابات طريقة للتعبير عن رأي الشعب الذي يسمونه بالمصطلح الديني “الأمة”، ويتحدث وكأنه لا حاجة لمعرفة رأيه، لأن رأي المسلمين معروف، وهو، بكل اختصار، تطبيق شرع الله، كما يقرره أمير مجاهدي القاعدة بطبيعة الحال. أما الدستور فهو ملعون مرذول، ما دام سيبلبل المسلمين الذين لا يحتاجون إليه، بما أن وظيفته الوحيدة إبطال دستورهم الوحيد، القرآن الكريم الذي من الكفر تطبيق أي دستور غيره، ليس فقط لأن فيه علوم الأولين والآخرين، بل كذلك لأن المسلمين بلغوا أوج مجدهم في الأزمنة التي طبقوه خلالها، كما أكد الجولاني، فالعودة إليه ملزمة شرعاً، ومن الكفر السماح بأن يخالطه رجس دنيوي: دستوراً كان أو انتخابات وبرلمانات أو ديمقراطية أو أحزاباً … إلخ.
أفهمنا الجولاني أنه يعرف نص ومعنى كل ما أراد الله قوله للبشر، وأنه لا مشكلة إطلاقاً في تطبيق النص الإسلامي، وتحدث وكأن للإسلام معنى حصرياً هو الذي يراه هو، ثم، وبعد دقائق، أرجع خلافه مع ” داعش” إلى اختلاف ممارستهما الإسلام.
هل جنح الجولاني إلى الغلو، ليكبح اكتساح “داعش” الساحة الجهادية، على حساب القاعدة؟ أم فعل غلواً، كي يوقف مطالبة أطراف في الجبهة بفك علاقاتها مع القاعدة؟ أم أنه أراد مواجهة الاختراقات الداعشية لجبهته، ووقف تدفق مقاتليه على “داعش”.
لا أعرف إن كان سينجح في مسعاه القاعدي/ الجبهوي الخاص، لكنني أعتقد أنه خسر عددا كبيرا من السوريين الذين طالما تعاطفوا معه، وأفهمهم اليوم أنهم كانوا مخطئين.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.