حتى لا تقع «قبير» أخرى – ثريا الشهري

كان عنوان مقالة الأسبوع الماضي «حتى لا تقع حولة أخرى»، ولم يكد الأسبوع ينقضي حتى وقعت «مجزرة القبير»، بشاعة تتكرر تتحول إلى رقم وتعوّد! ولا أخطر من قوى لا أيديولوجية أخلاقية تتمسّك بها ولو على سبيل الدعاية والتسويق، فأحياناً قد تحاجها بأيديولوجية الحريات التي تتشدق بها، مثل النموذج الأميركي، لكن بم تحاج روسيا؟ فالوقاحة الروسية في تحصيل مصلحتها التي لا تعتد بأي اعتبار إنساني ولو ظاهرياً، تجعلك عاجزاً حتى عن مجرد التنظير، ولا ينافس الروس بجسارتهم سوى الصينيين، ثم ننتظر قرارات مجلس الأمن بأعضائه الدائمين! وكل العرب مجتمعة ولا كرسي أممي دائم لأي دولة منهم، ألا تعتبر الأمة العربية من ضمن باقي الأمم؟ ألم تشارك السعودية عند انكماشهم الاقتصادي ضمن مؤتمر الدول الـ20، ولا يزال طرح عضويتها في مجموعة الثمانية الكبار قائماً، فما المانع؟ وهذا ثقل السعودية الاقتصادي أن تُضم بوزنها السياسي إلى الدول الخمس الدائمة العضوية في المنظمة الأممية؟ فلو أحصيت القرارات الصادرة عن هذه المنظمة منذ تأسيسها إلى اليوم، لاحتل الشأن العربي والإسلامي غالبها، وكل هذا ولا صوت دائم يمثل مصالحنا!!

كانت مقالة الحولة عن تدخّل الحلف الأطلسي لتسوية أزمة كوسوفو خارج الإطار الأممي، وفي هذه المقالة وللإلحاح والاستدلال التاريخي، سيكون التدخّل في هاييتي هو موضوعنا، فماذا جرى في بداية التسعينات؟ لم يعرف شعب هاييتي تقليداً ديموقراطياً أو استقراراً سياسياً منذ استقلاله عام 1804، ولكنه وبعد سقوط حكم أسرة دوفالييه عام 1986 نتيجة لاضطرابات داخلية دموية اقتصادية اجتماعية، ومع توالي عمليات القتل الجماعي وتعاقب خمس حكومات على السلطة بالقوة، كان لزاماً على الأمم المتحدة أن تشرف على سير الانتخابات الديموقراطية للبلاد عام 1990، ما أسفر عن انتخاب القس أريستيد رئيساً للجمهورية بالغالبية، أعقبها انقلاب عسكري بقيادة الجنرال سيدراس عام 1991، اضطر الرئيس المنتخب إلى العيش منفياً.

وبحلول 1994 صدر قرار عن مجلس الأمن يأذن للدول الأعضاء بتشكيل قوة دولية من أجل تيسير رحيل العسكر عن هاييتي، وعودة الرئيس المنتخب بخطة حددت على مرحلتين، في الأولى تقوم القوة الدولية بقيادة أميركية بإقصاء العسكر عن السلطة وخلق بيئة آمنة، والثانية يتم فيها تشكيل قوة دولية متعددة الأطراف من 6 آلاف جندي تابعين لقيادة الأمم المتحدة لحفظ الأمن والإشراف على انتخابات جديدة، فماذا عن الأساس القانوني للتدخّل العسكري في هاييتي؟ بناءً على قرارات صدرت عن المنظمتين، الإقليمية الأميركية والأخرى الأممية، هل كان وضع هاييتي يهدد السلم والأمن الدوليين ما استدعى تطبيق آلية «الأمن الجماعي» الإقليمي أو العالمي طبقاً للفصل السابع من الميثاق؟ قيل إن زيادة معدلات تدفق اللاجئين من هاييتي إلى الدول المجاورة، ولا سيما الولايات المتحدة كان مهدداً للسلم والأمن في المنطقة، ما يبرر التدخّل، مع أن الثابت أن ارتفاع أعداد المهاجرين لم يسببه حكم العسكر، ولكن تدهور الأحوال المعيشية للبلاد، وعبء العقوبات الاقتصادية المفروضة. والسؤال الذي يخصنا: ماذا عن تدفق اللاجئين والمهاجرين السوريين إلى دول ما جاورهم؟ أم أن إنسان هاييتي غير إنسان سورية؟

لو كانت المسؤولية الدولية تجاه مجازر سورية أدبية تقف عند التنديد بالانتهاكات، وربما عزل النظام القائم ديبلوماسياً ومحاصرته اقتصادياً لحين إقناعه بالتخلي عن السلطة بينما هو يتسلى بقلع القلوب والعيون، فما جدوى كل المنظمات بمواثيقها وعهودها وقوانينها؟ وما أهمية التفسير الواسع لنص المادة 2/4 من الميثاق طالما أن الواقع سيأخذ بالتفسير الضيق وأحياناً بلا أي تفسير، يعني لا منطقة عازلة ولا تدخّل جبري أممي ولا غير أممي، فمن يضمن منع ظهور طاغية في زمان آخر، طالما أن ردة الفعل الدولية تقتصر على تبادل التصريحات وبعثة مراقبين راقَبوا فلم يراقِبوا…!

الحياة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.