حان الوقت لتجاوز طفولتنا السياسية (1/2)

27
بقلم: برهان غليون

في هذا المقال يبين الكاتب برهان غليون أظهرت مأساة إدلب، النتائج الكارثية لفقدان الثورة السورية مركز قرار موحد، وبالتالي نتائج الارتهان للدول الخارجية التي تخلت عن الشعب السوري، وبالوقت ذاته ساهمت بصمود النظام حتى اللحظة الراهنة، ولكي نتعرف على هذه النتائج؛ نقرأ معًا

(1)

أعادت مأساة إدلب ومعاناة أبنائها إلى الواجهة المشكلة التي نعيشها منذ بداية الثورة السورية، من دون أن نجد جوابا شافيا لها، وهي إيجاد مركز قرار يوجه خطانا، ويثمر جهودنا ويعزّز من صدقية قوتنا السياسية، ويراكم الخبرة الضرورية لانتزاع حقنا في أن نقرّر مصيرنا بأنفسنا، أو على الأقل أن نشارك في القرارات التي تتعلق برسم مصيرنا الوطني، كسوريين.

وقد فشلت جميع جهودنا لإيجاد مثل هذا المركز، وبقينا أشتاتا متفرقة، ومجموعات تعمل كل واحدة منها حسب رأيها وظروفها واعتقاداتها، وشيئا فشيئا حسب ما تطلبه منها القوى التي تضمن بقاءها، او حسب ما تعتقد هي أنه مفيدٌ للتقرّب من هذه القوى الخارجية، للحفاظ على موقعها ووجودها.

لا يوجد أي شك في أنه كان للتدخلات الأجنبية الدور الأكبر في تمكين الأسد من خوض الحرب التي فرضها على الثورة، والاستمرار فيها، بفضل ما قدّمه له شركاؤه الإيرانيون والروس من دعم متعدّد الأشكال، لوجستي وعسكري ومالي وإعلامي ودبلوماسي، لا يمكن مقارنته بما توفر لقوى الثورة والمعارضة.

ولا يوجد أي شكّ كذلك في أن الغرب الديمقراطي الذي كان الحليف المنتظر للديمقراطيات الوليدة في العالم أجمع، والذي راهن على تدخله قسمٌ كبير من الجمهور السوري الملوّع بعنف النظام، تردّد في الوقوف إلى جانب السوريين، وعمل على تشتيت قواهم بدل مساعدتهم على تنظيم أنفسهم ومواجهة أعدائهم، على الرغم مما كان قد أغراهم به من وعود وآمال، منذ تبنّيه شعار تنحي الأسد.

وهذا ما تجلى في افتقار من أطلقوا على أنفسهم اسم “أصدقاء الشعب السوري”، والذين تجاوز عددهم في أول مؤتمراتهم 70 عضوا، للإرادة والاستراتيجية والوسائل اللازمة لردع الأسد عن الاستمرار في حرب الإبادة وانتهاك قرارات مجلس الأمن وتجنيب السوريين الكارثة الإنسانية التي يشكل التملص من عواقبها اليوم سببا جديدا لاستمرار الحرب.

ولا يوجد شك أيضا في أثر الإرث السلبي لنصف قرن مما ينبغي أن نسميه حرب الاستنزاف التي خاضها نظام الأسد لتحطيم المجتمع، وقتل روحه وقيمه الإنسانية، في تعميم انعدام الثقة والافتقار إلى الخبرة السياسية والتجارب التنظيمية، ولا في أثر وفعالية الألغام التي زرعتها السلطة المخابراتية بين جنبات المجتمع، والتي احتفظت وحدها بمفتاح تفجيرها في اللحظة المناسبة، لفرط عقده، وتوجيه طوائفه بعضها ضد بعض، وزعزعة إرادة السوريين وإرهابهم.

ولا يوجد شكٌّ أخيرا في الأثر السياسي المدمر لنزوع النخب السلفية إلى تصدّر الخطاب وواجهة الكفاح المسلح، ومحاولة الإسلام السياسي عموما ابتلاع الثورة وتجييرها لحسابه السياسي الخاص، بصرف النظر عن الدوافع والنوايا والتدخلات الخارجية، أقول لا يوجد شكٌّ في أثر ذلك كله على تراجع صدقيتنا السياسية وانقلاب الرأي العام العالمي علينا.

وما كان للصعود المدوي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإعلانه عن تأسيس “دولة الخلافة”، بعد تمكّنه من الوصول إلى الوسائل العسكرية التي جعلته قوةً يحسب حسابها، ليعيد قلب الصورة تماما، فيحلّ مصطلحات الجهاد والكفر والطائفية والإرهاب محل مصطلحات ثورة الحرية والكرامة والمواطنة والدولة المدنية التعدّدية، ويقضي على أي أمل لنا باستعادة تأييد الرأي العام العالمي، بل العربي، وتعاطفه مع الثورة السورية وشعاراتها التحرّرية.

كل ذلك أصبح من البديهيات المعترف بها من الجميع، لكن البقاء على هذا المستوى من التحليل لا يقدّمنا كثيرا ولا يفسّر، في ما وراء ذلك، التراجع المستمر الذي تشهده قضيتنا، بالرغم من استمرار الشعب في تقديم التضحيات الباهظة. إنه يدفعنا، كما هو ظاهر منذ سنوات، ببساطة، إلى اليأس من قدرتنا على العمل كشعب مستقل، وإلى الاستقالة السياسية والرهان، في خلاصنا على تقاطع المصالح الدولية، أو انتظار المعجزات والتحولات الاستثنائية التي لا نملك أي إمكانية لإحداثها أو التسريع بحصولها.

(2)

ما زلت أعتقد أن مشكلتنا الرئيسية، قبل أن تكون خارجية، تكمن في انقساماتنا الداخلية أولا، وغياب أي استراتيجية مستقلة وفعالة، للعمل على تحقيق الأهداف التي لا نزال متمسّكين بها بعد تسع سنين من التضحيات والمعاناة القاسية ثانيا.

ومن يتأمل في ممارستنا السياسية يدرك بسهولة أننا عقدنا العزم على التعايش مع هذه الانقسامات، داخل المعارضة نفسها، والاستغناء عن أي محاولة لبناء استراتيجية مستقلة، تراعي أوضاعنا، وتعتمد على تطوير قوانا الذاتية، وترتبط بحساباتنا الوطنية. وتتلخص استراتيجيتنا الراهنة عمليًا بالرهان على انتظار ما يحتمل أن تنتجه الضغوط الدولية، وعلى ما يمكن أن يصيبنا من مكاسب جانبية، في حال نجحت القوى الدولية التي تؤيدنا في تحقيق أهدافها الوطنية. وعلى احتمال تفاهم دولي يصبّ في مصلحتنا ولو جزئيا.

وأخيرا على نتائج العقوبات الاقتصادية على النظام وحلفائه. وبينما يتفاءل بعضنا باحتمال تفاهم روسي أميركي يفتح الطريق المغلق نحو تسوية سياسية ولو بحدها الأدنى، يغذي بعضنا الآخر الوهم في أن تؤتي العقوبات الاقتصادية والسياسية التي وضعها المجتمع الدولي على النظم الثلاث: السورية والإيرانية والروسية، أكلها، وتجبر هؤلاء على الصّدع للإرادة الدولية، ممثلة بقرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى انتقال سياسي، يقوم به السوريون أنفسهم، في وقتٍ أصبح من الصعب فيه تحديد هوية “السوريين”، بل هوية المعارضة السورية ذاتها.

ويذهب بعضنا، أبعد من ذلك، إلى أنه لم يعد لنا أملٌ في الخروج بحلٍّ ينقذ آخر ما تبقى لنا من مصالح وطنية سوى الالتحاق بخطط واستراتيجيات الدول التي نعتقد أن بإمكانها أن ترعى بشكل أفضل من غيرها مصالحنا، أو تلك التي تتقاطع مصالحها الوطنية مع إعادة السلام والاستقرار الإقليمي، مع الأمل في أن يرافق وقف الحرب إدخال الحد الأدنى من الإصلاحات السياسية إلى نظامٍ يصوغه الروس على شاكلة نظامهم شبه القيصري.

وإلى حد كبير، تفسر هذه المواقف والرهانات الاستراتيجية الضعيفة انعدام أي نقاش جدّي داخل صفوف المعارضة حول الخط السياسي والاستراتيجية والخيارات الاجتماعية، باستثناء التناحر بين إسلاميين وعلمانيين، والذي يشكل هو نفسه انعكاسًا للاصطفافات الإقليمية، حتى لم يعد من المبالغة القول إن الولاء الخارجي أصبح المحدّد الرئيس لاختلاف المواقف السياسية أو الخط السياسي لمجموعات المعارضة المتعدّدة، كما أظهرت ذلك بجلاء بدعة المنصّات السياسية التي لا تحدد هويتها سوى أسماء العواصم والمدن التي عقدت فيها اجتماعاتها التأسيسية، فلا يتميز “سياسيو” المعارضة اليوم بنوعية توجهاتهم الفكرية والاجتماعية والاقتصادية أو السياسية، وإنما بخياراتهم الاستراتيجية أو تحالفاتهم الإقليمية والدولية.

يعتقد الموالون للتحالف مع تركيا أن أنقرة هي الحليف الأهم لما تمثله من قوة إقليمية، وتملكه من أوراق النفوذ، وفي مقدمها السيطرة على أجزاء استراتيجية من الجغرافيا السورية، وعلاقتها القوية والمباشرة مع القسم الأعظم من القوى العسكرية المنظمة التي نشأت خلال الثورة، ولا تزال قادرة على الفعل. في المقابل، يعتقد خصومهم ومنافسوهم أن “المخلص” الوحيد الذي يملك أوراق التغيير في سورية هو موسكو لما تتمتع به من روح المبادرة، وما تمثله اليوم من سلطة وصاية فعلية على دمشق، ومن سيطرة على الأرض، ومن نفوذٍ داخل أجهزة الدولة والنظام، وما تحظى به من مكانةٍ وإمكانات قوة عظمى عسكرية، تؤهلها للعمل من الداخل السوري، وبحرية أكبر من أي دولة أخرى.

أما الفريق الآخر فهو لا يرى أملا في أي تقدم ممكن من دون العمل مع الولايات المتحدة التي تشكل القطب الوحيد القادر على الوقوف في وجه التحالف الروسي الإيراني الذي يقبض على رقابنا، والتي كان لها الدور الأكبر في إضعاف النظام وحلفائه من خلال ما فرضته عليه من عقوبات اقتصادية ودبلوماسية، وما يمكن أن تفرضه عليه من عقوبات جديدة وملاحقات قانونية لمجرمي الحرب السورية، بعد تصويت الكونغرس على قانون قيصر لحماية المدنيين في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2019.


برهان غليون، أكاديمي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس، أول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض.

مصدر المقال منشور في صحيفة العربي الجديد بتاريخ 14 شباط/ فبراير 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.