جيل الثمانينيات بين السياسة والافتراض..

كيف يتم التعامل مع الحياة والثقافة بين عصرين!

فئة جيل الثمانينيات ما زالت تقاوم الجهتين، فلا السياسة تثير شغفها ولا الألعاب الافتراضية تحقق لها وجودها، إنهم ببساطة لا يستطيعون العيش في وهم السياسة والغرق في ترهاتها، ولا يملكون قدرة الغوص في افتراضات يعلمون جيداً أنها تحقق معنى نسبي ومؤقت للوجود.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

هناك نظرية شبه خيالية مطروحة، ولا إثبات علمي عليها بطبيعة الحال، لكنها أقرب لنظرية المراقبة الاجتماعية، تقول: أنّ الأشخاص في سوريا الذين وُلِدوا بين بداية الثمانينيات وحتى بداية التسعينيات، هم الفئة الأكثر تضرراً من الحرب السورية، وهم الفئة التي ما زالت حتى اليوم تمتلك بعض الآمال المحطّمة في تغيير العالم من منطلقه الثقافي وليس السياسي، من خلال قناعة لديهم، أنّ التغيير الاجتماعي البطيء له أولوية على التغيير السياسي السريع الذي يفرض قوانين على المجتمع دون أن يقتنع المجتمع بها.

وربما المثال الأبرز لفهم هذا الأمر هو عندما قام الإتحاد السوفيتي بفرض لغته وقوانينه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية على بلد كمنغوليا، لم يغيّر في الجوهر الاجتماعي شيء، فبعد انهيار السوفيت في التسعين، ببساطة عادت منغوليا في فرض لغتها المحلية على النظم التعليمية وأعادت بناء أديرتها لعبادتهم التقليدية، وبدأت أساطيرهم الشعبية في الظهور والانتشار من جديد؛ تجربة منغوليا تمتد على كل تجربة أخرى وتجعلنا نفهم بأنّ التغيير السياسي لا يحقق شرط التغيير الحقيقي، إنما البناء يجب أن يكون بهدوء من العمق الاجتماعي تدريجياً.

هذه الفئة من جيل الثمانينيات كانت تمتلك ذلك الفهم، ويمكن القول أنها الفئة التي كانت لديها طموحات تغيير ثقافي وإنساني أبعد من طموحات الجيل الذي سبقها، الجيل الممتد بين الأربعينات والسبعينات، باعتباره جيل الانخراط السياسي المباشر، وتجليات الثقافة من خلال هذه السياسة، بكافة أشكاله القومي والديني والماركسي، في صورة أحزاب وأيديولوجيات لديها أنماط سياسية وعسكرية للتغيير الاجتماعي والسلطوي؛

جيل الثمانينيات، السياسة، الافتراض، الحياة، الثقافة، علي الأعرج، الألعاب، افتراضات، معنى نسبي، الوجود

وفي نفس الوقت هي الفئة التي بقيت محافظة على هيكلية الحلم بتغيير العالم بأطره الكلاسيكية النخبوية نوعاً ما دون أن يدخلوا عصر الحداثة المعلوماتية إلا متأخراً، مقارنة بأجيال وُلِدت في أواخر التسعينات وبدايات الألفين، والفئة الأخيرة هي التي عاصرت بداية انتشار المعلومات والتكنولوجيا، والتي أساساً أبعدتهم عن مفاهيم لها ارتباط بالتغيير الاجتماعي الحقيقي أو البحث عن حياة أفضل حالاً، لأنّ العوالم الافتراضية حققت هذه المعادلة من العدالة خارج قوانين الواقع والمجتمع الصارمة.

بين أجيال الحلم السياسي الذي ما زال مستمراً لدى الكثيرين ومتأثرين قطعاً بتلك الآلية لمفاهيم التغيير حتى اليوم، وبين جيل المعلومات والتكنولوجيا غير المهتم أصلاً بكل ما يجري، ما زالت فئة جيل الثمانينيات تعيش تجربة التأرجح بين الحفاظ على ثقافة إنسانية ترفض كل أشكال التقليد القديم فكرياً ونمطياً سياسياً، وترفض فكرة الانسلاخ عن الواقع كلياً واستبداله بالعالم الافتراضي كما جرى في أجيال لاحقة.

طبعاً ما قيل ليس قاعدة ثابتة على البشر جميعهم، فبكل تأكيد هناك من الأجيال القديمة والأجيال التكنولوجية من يفكرون بطريقة أكثر انفتاحاً حتى من فئة الثمانينيات، لكن نتحدث عن الصورة العامة التي يتم ملاحظتها دائماً في تفاصيل هذه الحياة.

ما جعل هذه الفكرة تختمر كلياً في رأسي، هي جلسة مع أشخاص قدماء كانوا يتحدثون عن عوالم القراءة، وانتبهت إلى أن قراءاتهم ليست سوى تأكيد على حقيقة ما تبنوه تاريخياً في أيديولوجياتهم، أو التركيز على قراءة نوستالجيا تجعلهم يعيدون استذكار تجاربهم الشخصية؛ لا قراءات حقيقية خارج بنود المعرفة التي أصلاً عاشوها طوال حيواتهم.

طبعاً ما قيل ليس قاعدة ثابتة على البشر جميعهم، فبكل تأكيد هناك من الأجيال القديمة والأجيال التكنولوجية من يفكرون بطريقة أكثر انفتاحاً حتى من فئة الثمانينيات، لكن نتحدث عن الصورة العامة التي يتم ملاحظتها دائماً في تفاصيل هذه الحياة.

عندما سألني أحدهم عن الكتاب الذي أقرأه، فأجبت: “التاريخ الكوني للأرز”. طبعاً لا أحد منهم علّق على الأمر، لكن علائم الاستغراب علت وجوههم؛ ففي عصر احتُّلت فيه البلد، وتحطّم كل شيء في الإنسان، والتشرد والمجاعة هي سيدة الموقف، والجميع يشعر بضرورة فعل شيء مهم، ويقرأون في أدب السجون وتاريخ الديكتاتوريات والتحليلات السياسية وحتى في أفضل الأحوال أدب يعيد لهم ذكريات التجربة والحنين، فبالنسبة لهم شيء يدعو للدهشة أن تقرأ عن الأرز.

هنا يتجسّد معنى الاختلاف الثقافي في المعرفة وفهم الحياة أيضاً، فبالنسبة للثمانينيات، أن تفهم كل شيء هو جزء من طبيعة وعيك للحياة وقدرتك على التغيير، فمثلاً القراءة عن الأرز هو بناء في المجتمع المنهار، وإن كانت ليست مهمة القراءة أبداً أن تبني شيء. إنها عملية وعي غير منتمي لشيء سوى الذات.

أنا شخصياً من جيل الثمانينيات، مثل كثيرين من أصدقائي ونمتلك بالعام رؤية مشتركة: “أنّ الديكتاتور لا يسقط بالنار، الديكتاتور لا يسقط إلا بالعقل”؛ وإن كانت هذه الرؤية لدى كثيرين من المنخرطين في بوتقة العمل الثوري يعتبرونها انهزامية، دون استيعاب كافٍ، أنّ فكرة نقد السلطة والعمل على إسقاطها لا دخل له أبداً بوجود ثورة أو عدم وجودها. نقد السلطة والعمل ضدها هو شيء مثل الطعام، ليس هناك حاجة لمحفز كي تكون ضدها، إنه شيء في عمق الطبيعة وجوهر الحياة. من الصحيح أن هذه الرؤية لها بُعد سياسي، لكنها ليست آلية عمل تقليدي كالأجيال السابقة، بقدر ما هي معرفة لفهم الواقع.

عندما لا تستمد ثقافتك سوى من أشياء تدعم رؤيتك ولا تعارضها أو تختلف عن الواقع، فالديكتاتور لن يسقط بالعقل، وقد يسقط بالنار، لكن حينها سيعيش المجتمع تماماً كتجربة منغوليا.

عندما لا تستمد ثقافتك سوى من أشياء تدعم رؤيتك ولا تعارضها أو تختلف عن الواقع، فالديكتاتور لن يسقط بالعقل، وقد يسقط بالنار، لكن حينها سيعيش المجتمع تماماً كتجربة منغوليا.

فئة جيل الثمانينيات ما زالت تقاوم الجهتين، وهنا لا نتحدث عن بطولة إنما عن توصيف، فلا السياسة تثير شغفها ولا الألعاب الافتراضية تحقق لها وجودها، لا المعرفي ولا الاجتماعي؛ إنهم ببساطة لا يستطيعون العيش في وهم السياسة والغرق في ترهاتها غير المجدية، ولا يملكون قدرة الغوص في افتراضات يعلمون جيداً أنها تحقق معنى نسبي ومؤقت للوجود لكنه ليس أبدي وغير حقيقي مطلقاً.

نحن فعلياً الفئة الخاسرة، الذين ورثنا الترهات ولم نورّث شيء لأنّنا لم نستطع الهروب من الواقع الذي حطّم كل شيء، لكننا بالمقابل ما زلنا نتملك القليل جداً من الآمال بأنّ بناء الإنسان الفردي هو أولوية تغيير مجتمع جزء منه تشبّع بترهات السياسة وما زال يعيش في أوهامها، وجزء ثانٍ هرب إلى عالمه الافتراضي دون أي شعور بالكارثة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.