جوعي الرطب بقلم مبروكة علي

عبر ممر من رائحة المشمش والتفاح والتين أعرج إلى قهقهتي، أحرك بئر عطشي -عطشي الأكبر مني- بعصا الذكرى، الارتواء أن تراك وظلك، وظل ظلك والنبع وقد تكسر فيك لا أحد ينتصر فعلا، لا أحد يذهب حقا، الكل يبقى، ويبقى الكأس معلقا تماما كدمعة قلب صلاة.
يقهقه البيت فيعيدني إليه وإليّ، هناك في تلك الدار الجنوبية أين يتوسط المشمش والتفاح والتين صحن الدار، ظل الحديقة صنية الشاي ومذياع عتيق جلبه أبي من فرنسا.

أبي ككل رجال الجنوب مهاجرون عبروا الصحراء إلى المدن الكبيرة بأمنياتهم العتيقة، يعجنون عرقهم ليخبزوا خبزا برائحة الوطن -الوطن الذي يغادر أحلامنا لمنتصف جوع، جوع نغتال ملامحه برائحة التراب وحكايا الجدات وكذبات أخرى بات أقصر من أن تحملنا وجوعنا-.

القهقهة تعلو، أتوسل الصوت وأذهب بعيدا ليّ، هذا ما أسميه أنا جوعي الرطب وهذا ما يسميه الأخرون مجرد ذكرى.

يخونني الرسم ليهطل وجه أبي كالمطر، مساحات الوجع تتقلص مع أول قطرة من وجهه.
أبي رجل قاسٍ، يضحك نادرا، لا أتذكر أن عناقا ما جمعنا، كثير الصمت والغضب، وحدها ليلة الجمعة كانت ترسم وجها آخر لأبي فيبدو كطفل عاشق.

أم كلثوم سيدة الليل والحفل والفرح والتلفزة التونسية ليلة كل جمعة، صوتها يخترق قلبه والبيت -الحقيقة لو صادف وسمعها أحدهم وهو مار من بابنا لن يصدق أنه الرجل العبوس- من يستمع للموسيقى-.

أبي لا يحب الضجيج ولا الأصوات الكثيرة، أبي يبدو كجندي في ساحة حرب، مستعد دائما لهجمة ما، وحدها ليلة الجمعة وسيدة الليل تجعل منه كائنا آخر.

لوقت قريب كنت أكره سيدة الليل وأكره ليلة الجمعة، كره تكوم ذاتيا وجعلني أجهر صوتها عمرا كاملا وأحملها ذنب عناقنا المفقود أنا وأبي، تساءلت مرارا هل أحبها أبي أكثر مني؟!
يصادف هذه الأيام أن أبي مريض ويصادف أيضا أني نسيت كرهي الكبير وبدأت أشتاقه، يبدو الأمر مربكا أن نركل عمرا كاملا من الكره ونستدعى قطرة مطر من على حافة النسيان.

كلما كبرنا قليلا اشتقنا لنا نحن الذين ننسى أنفسنا وأشياء كثيرة في أماكن قصية لننشغل بكره ما أو غضب ما. ماذا نستطيع أن نكتب الآن في دفاتر القلب.. ربما نقرر أن ندخل في حوار ركيك عن الطقس والأسعار وكيف تغيرت الحياة، وربما ننزلق في ممر البيت والمشمش والتين والتفاح والقهقة المنسية هناك، وأصوات الأطفال وقد قرر أبي معاقبتهم وعدم إرجاع الكرة، الكرة التي أسقطوها ذات تسديدة خاطئة.

لا أحد منا سيخبر الآخر بخطاياه الثقيلة، بخجل ستقترح ذاتها بين الصمت والصمت، سأقول إنني غاضبة ولكني اشتاقك وستقول إنني ابنة عاقة ولكني أحمل حصصا كثيرة من نزقك.

في لقاءات الشوق يبدو الصمت الأقدر على القول، لذا نترك له سقوطنا الكبير ليتصرف وفق ما تراه الحياة من حصص التأويل وسؤال لما ضاع البيت والمفتاح لا يزال محفورا في جيوب قلبي، لن يفهمه غالبا أبي لا شيء يتكسر حقا، لا أحد يذهب فعلا، أعلى سقف قلبك تتعلق الأشياء تعلل السؤال، تقترح خرابًا ما وبعناية ترتبه كي لا يخدش أحدها الآخر.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.