جهود المجتمع الدولي للحد من ظاهرة المرتزقة وموقف القانون الدولي الإنساني منها

على الرغم من هذه الجهود، فإن ظاهرة المرتزقة مازالت قائمة، والأخطر من ذلك هو انتشار الشركات التي تتولى هذه المهمة، وذلك تحت مسميات مختلفة أمنية وعسكرية، ومنها شركات لها أسهم في البورصات.

فاديا حج فاضل

تقر كل المؤسسات الدولية بعدم مشروعية نشاط المرتزقة، ولاسيما تلك النشاطات الإجرامية التي تستهدف الأبرياء والمنشآت المدنية فضلاً عن تهديدهم المباشر لسيادة الدول وأمنها واستقرارها ووحدتها، وعدت نشاطاتهم عائقاً أساسياً أمام حركات التحرر الوطني، واعتبرتهم أشخاصاً خطرين على المجتمع البشري بأكمله فهم يحترفون الجريمة من أجل المال، ونشاطاتهم غير مشروعة ومخالفة للقانون الدولي ومبادئه المستقرة، كمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومبدأ عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية، ومبدأ استقلال الدول وسلامتها الإقليمية، وانتهاكهم لحق الشعوب في تقرير مصيرها…إلخ.

 

جهود المجتمع الدولي للحد من ظاهرة المرتزقة

بسبب هذه المخاطر فقد بذل المجتمع الدولي جهوداً كبيرة لتحريم هذه الظاهرة وتوصل لبعض الاتفاقيات الدولية فضلاً عن إصدار أجهزة منظمة الأمم المتحدة عدداً كبيراً من القرارات ذات الصلة.

إن أولى الوثائق الدولية التي تطرقت للمرتزقة كانت اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907م والمتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب البرية حيث نصت المادة 4 على أنه: “لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين” وأكدت المادة 5 أنه “لا تسمح الدولة المحايدة بالأعمال المشار إليها في المواد 2 إلى 4 فوق أراضيها، ولا تكون مطالبة بإصدار عقوبات ضد مرتكبي هذه الأعمال خلافاً لحيادها سوى إذا ارتكبت فوق أراضيها”.

لم تتوقف جهود المجتمع الدولي في الحد من هذه الظاهرة، ولاسيما مع تطور دور المرتزقة منذ منتصف القرن الماضي وما شكلوه من تحد حقيقي أمام حركات التحرر الوطني، فضلاً عن دورهم الخطير في نشر الفوضى والانقلابات العسكرية وإشعال الحروب.

فعلى صعيد منظمة الأمم المتحدة تصدى كل من الجمعية العامة ومجلس الأمن والمجلس الاجتماعي والاقتصادي لهذه الظاهرة وذلك بإصدار سلسلة من القرارات التي أدانت نشاط المرتزقة وحرمته وأكدت عدم مشروعيته والمسؤولية الجنائية عنه، فضلاً عن ذلك فقد تم التوصل عام 1989م إلى الاتفاقية الدولية ضد انتداب واستخدام وتمويل وتدريب المرتزقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، فقد أبرم أعضاء منظمة الوحدة الإفريقية عام 1977م اتفاقية تهدف إلى القضاء على الارتزاق في إفريقية ودخلت حيز التطبيق عام 1985م.

وعلى الرغم من هذه الجهود، فإن ظاهرة المرتزقة مازالت قائمة، والأخطر من ذلك هو انتشار الشركات التي تتولى هذه المهمة، وذلك تحت مسميات مختلفة أمنية وعسكرية، ومنها شركات لها أسهم في البورصات.

ولهذا فإن على المجتمع الدولي أن يواكب هذه التطورات ويبذل جهوداً أكبر من أجل التوصل إلى اتفاقية دولية شاملة للقضاء على هذه الظاهرة، وعد هذا النشاط، سواء الأفراد الذين يجندون أنفسهم لمهنة الارتزاق، أو الشركات التي تتولى هذه المهمة، أو الدول التي تساهم به، من الجرائم الدولية الخطيرة.

 

المرتزقة في اتفاقيات جنيف الأربع

على الرغم من خطورة نشاط المرتزقة فإن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م لم تتطرق إليهم، وتم تدارك هذا النقص في البروتوكول الأول لعام 1977 الملحق بهذه الاتفاقيات حيث تم تعريف المرتزقة في المادة 47، وقد استثنت هذه المادة المرتزقة من صفة المقاتل وأسير الحرب وبالتالي عدم تمتعهم بحقوق المقاتلين وأسرى الحرب.

حددت المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة في سنة 1949 فئات من الأشخاص الذين يجب معاملتهم معاملة أسرى الحرب وهم:

1/ أفراد القوات المسلحة لاحد اطراف النزاع والميليشيات.

2/ الوحدات المتطوعة التي تشكل جزء من هذه القوات.

3/ أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى.

4/ فراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدول الحاجزة.

5/ الاشخاص الذين يرافقون القوات المسلحة دون أن يكونوا في الواقع جزءا منها.

6/ أفراد الأطقم الملاحية التابعة لأطراف النزاع.

7/ سكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء انفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية، شريطة أن يحملوا السلاح جهرا وأن يراعوا قوانين الحرب وعاداتها.

وبهذا يتضح أن اتفاقية جنيف الثالثة لم تشر صراحة إلى المرتزقة فلم تعتبره من أسرى الحرب ومن ثم فإنه لا يتمتع بأي حماية قانونية يقررها القانون الدولي لأسرى الحرب.

وبالرجوع إلى نص المادة 02 من نفس البروتوكول نجد أن كل فرد يقع في الأسر يفترض أنه أسير حرب وإذا حدثت شكوك حول أحقيته في تمتعه بالوضع القانوني لأسير الحرب فإنه يجب أن تنظر محكمة مختصة في وضعه، كما أن المرتزقة في هذه الحالة يتمتعون بكل الضمانات الأساسية المنصوص عليها في المادة 01من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 والمتمثلة في المعاملة الإنسانية، والحماية وغيرها.

مجموعة من العسكر المرتزقة مصدر الصورة عربي بوست
موقف القانون الدولي الإنساني من المرتزقة

يعد اللجوء إلى المرتزقة عملا ممقوتا من الناحيتين القانونية والأخلاقية.

وحسب الرأي السائد في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن المرتزقة يتحملون مسؤولية أعمالهم في القضايا التي قد تعرض للقضاء في بلادهم وهذا ما نستخلص منه أن الجهات التي تستخدم المرتزقة تتهرب من المسؤولية ويساندها في ذلك عدم وجود نصوص قانونية دولية تحمل هذ الجهات المسؤولية الدولية، لأن المواثيق والاتفاقيات الدولية سواء في نطاق الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية لا تحمل الدول التي تجند المرتزقة المسؤولية.

وبذلك يخضع المرتزقة لاثنين من التدابير القانونية الدولية على وجه التحديد، فالمادة 47 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تنفي عن المرتزق صفة المقاتل وأسير الحرب، ولكنها لا تجرم الارتزاق، وأما الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم فهي تجرم تجنيد المرتزقة أو استخدامهم أو تدريبهم أو تمويلهم حيث صادق على هذه الاتفاقية 43 دولة.

وعليه ينبغي التمييز بين المرتزق والمتطـوع فـالمرتزق يشترك في الأعمال العدائية إلى جانب أحد أطراف النزاع رغبة في الحصول على المال، فهو يتخذ من هذا العمل القتالي إلى جانب أحد أطراف النزاع مهنة تعـود عليه بالكسب والنفع، أما المتطوع فهو يقاتل إلى جانب أحد أطراف النزاع دفاعـاً أو انطلاقاً من مبدأ يدافع عنه، فليس في القانون الدولي ما يمنع أحد أطراف النزاع المسلح مـن قبـول بعض المتطوعين للقتال إلى جنبه ضد عدوه رغبة منه في تحقيق النـصر عليـه.

مصدر فاطمة بخيت، المرتزقة ودورهم حسين نسمة، المرتزقة في القانون الدولي الإنساني محمد الشهوان، مشكلة المرتزقة في النزاعات المسلحة
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.