جهاد أبو حشيش في ” بيْمان – درب الليمون “:

قراءات ل : عبدالرحمن مطرجهاد ابو حشيش

رواية العشق والتهجير المفعمة بالمرارات

استطاع جهاد أبو حشيش في عمله الروائي الأول ” بيْمان – درب الليمون ” الانتقال ببراعة من الشعر الى السرد، دون أن أتلمس ذلك كقارئ، فكان نصه الروائي غنيّ الحدث، وفي لغته التعبيرية..مبتعداً عن تناول السرد بلغة شاعرية، أو تضمينه صوراً شعرية، وهي لحظة كتابةٍ قلّما نجا منها كاتب للنص الروائي، من المشتغلين أساساً في الحقل الشعري، مثال أبو حشيش. وعلّ هذه واحدةٌ من أولى ميزات هذا العمل، بكل مافيه من حبّ واشتياق، بلغة جافة غير مواربة، هي أكثر تعبيراً عن جوهر الحدث، واقتراباً منه، بما يخدم فكرة العمل الأدبي، بكل المرارة والقسوة التي عاشها هذا الفلسطيني، الذي أحرق العشق ضلوعه.
الفلسطيني جمال، هو ذاته الكوردي، واللبناني والعراقي..والسوري. هي سردية من تعرّض للتهجيروالعيش في المخيمات وبلدان الشتات، والجبال، يعيش مزيجاً من التمرد والتحدي، والإصرار على الحياة والبلوغ الى غايته، على الرغم من كل الظروف الصعبة، التي تلّم بأي لاجئ ومقاوم من اجل قضيته الوطنيه، وإيمانه بعدالتها.
” بيْمان – درب الليمون “عمل مفعمٌ باللحظات الفاصلة في النضال الفلسطيني، والكوردي..ومعتقٌ بالألم . تتوائم فيها سيرة الكفاح المشترك من اجل حق تقرير المصير، سلب كيانه الوطني في حالة الفلسطيني، وحرم من بنائه في الحالة الثانية، وفي كلتيهما هناك إصرار دولي على تجاوز الاعتراف بحقوقهما التاريخية، فتوزعت مصائرهم في أوطان متفرقة، مع انزياحات وهجرات محدودة تاريخياً. وقد لعبت التفاهمات الدولية منذ مطلع القرن العشرين، وإثر الحرب العالمية الثانية، دوراً أساسياً، في حرمانهم من الحق الذي تتبدى وتترسخ فيه هوياتهم الوطنية والقومية.
بنى أبوحشيش نصه الروائي، على دعامتي الكفاح الوطني وتحدياته، والعشق بما فيه من تجليّات وعذابات. وإذ يعتني بتناول سيرة التهجير واللجوء، وحياة المخيم بشكل تفصيلي، فكأنه ينطبق اليوم الى حدّ كبير على عذابات السوريين في مخيمات المرارة. يرصدها الكاتب، بعين الراوي المشارك في صنع الحدث، لذلك جاءت صادقة وعفوية في تصوير الحدث بعمق، بكل مافيه من ماساوية وإصرار، خاصة بالسرد المتصل بشخوص الرواية الفلسطينيين ( جمال – زينب ) ، والصعاب التي مكنّت المرأة الفلسطينية ” زينب ” لتكون عاملاً رئيساً في التغلب على مرارات الحياة، وللمرور إلى المستقبل، بتلك الروح الدؤوبة، مثلما تزرع في القلوب رائحة البرتقال والزيتون، فتتأصل في دواخلهم انتماءاتهم وخياراتهم، في البذل والعطاء.
تتناول ” بيْمان – درب الليمون ” لمحات ومحطات هامة من النضال الوطني الفلسطيني، من حيث البُنى والتحديات التي يواجهها، ودور الحكومات والمؤسسات الأمنية، في التأثير على ذلك، عبر ماتقوم به من مراقبة تكبح جماح التواقين الى الحرية، المتمردين على الخضوع، وصولاً الى الملاحقات والاعتقالات، التي تطال الشخصية المحورية ” جمال ” بكل ما نتج عنها من تأثير على الأفكار والتصورات،.
لقد سردها أبو حشيش باختزال، لكنه عميق الدلالة والتعبير، عبر شخصيتين تتقاطعان مع جمال، هما رفيقه الذي يعترف عليه، والقائد ” الضعيف الهشّ “الذي يرفع الراية البيضاء، أمام المحقق، ويخنع إلى درجة الإدلاء والإخبار، بما يضر القضية الوطنية، ويعرض الشباب للإعتقال والملاحقة. وفي الإشارة إليهما جانب كبير من الإيحاء والإحالة إلى مايحدث اليوم، بتفاوت في الربيع العربي، وفي الحالة الكوردية أيضاً، بصورة مماثلة جداً.
لاتعتني سردية الكاتب بصور النضال الكوردي، سوى بما يقدمه عبر مسارات ” بيّمان “، وتحولات الواقع في الجبال، وفي المعتقل، وأحداث كوباني /عين العرب. كما أن الثورة السورية حاضرة ولكن بصمت. ذلك مردّه إلى الإنشغال بقضيته الأساس. لكنه يتعرض الى المشترك الإنساني وأوجه التشابه ” الممكنة ” بينهما فيما يتصل بمرارة الصراع، حق تقرير المصير، على اختلاف القضيتين، من وجهة نظري.
تبرز القيمة الجمالية في مواضع مفصلية في الرواية، غير أنها أكثرتلمّساً في علاقة جمال الفلسطيني المقاوم، وبيّمان الشابة الكوردية التي تلتحق بدورة التدريب العسكري، في المعسكرات الفلسطينية تمهيداً لانخراطها في العمل الكوردي. ويبدو التفاتة مهمة من الكاتب إلى دور المرأة الكوردية، كونها شريك نضالي حقيقي مع أبناء قضيتها، وهذا ما انسحب على المراة الفلسطينية منذ بواكير النضال الوطني، حتى الخروج من بيروت، مع استمراره حتى اليوم، بوتيرة أخفّ.
كثيرة هي دلالات وإحالات النص الروائي، من قيمٍ وأحداثٍ سياسية وإنسانية، شخصية وعامة. وأراد المؤلف – عبر” بيّمان ” – أن يبرزالقيمة الإنسانية من الأحداث التي تعصف بالمنطقة، بعيداً عن طبيعة التاثيرات السياسية وتجاذباتها العرقية، وأن يقترب أكثر من الحياة المعاشة بين الأفراد والجماعت، أياً كانت انتماءاتها، وأن التلاقي والتعايش هو ضرورة لايمكن تجاوزها، ليظل الهمّ الذي يمور بين الضلوع، واحداً من النوازع الطبيعية للمرء أن يحيا، ويواصل نضاله في أي من مجالات الحياة، دونما حبّ.
قدم لنا جهاد أبو حشيش عملاً ذي فكرة جديدة، بأسلوب هادئ، لاحشو ولا لغو فيه، لغته واضحة تخدم فكرة العمل، وتقدم رؤى الكاتب، حول قضايا مختلفة، غير أن المؤلف/الراوي قمع ذاته من المضيّ في سردٍ طويل، تفادياً لملل محتمل، يقع فيه كثيرون. وقد تمكن من انجاز عمل ممتع مميز، ومفيد من حيث إضاءته على جوانب تحرض على إعادة التفكير في طرق وأساليب معالجة قضايانا الملّحة اليوم، بما أفرزته الثورة السورية، وتحدياتها الجمّة، خاصة وأن باب العلاقات العربية – الكوردية، قد شُرّعَ عن آخره.
ولعلّ اعتناء الكاتب بأحداث كوباني/عين العرب، بصورة جليّة غير مباشرة، يمنح العمل الأدبي ميزة إضافية. ولكن ماتراه النص الروائي سوف يسرد، وقد تحولت بعض القوى الكوردية التي احتفى بها المؤلف، إلى عامل تهجير شبه منظم للقرى العربية التي شاطرتها الخبز والملح والمسكن والعيش المشترك منذا بدايات هجرتها من شمال الخط/ الحدودي، إلى جنوبه! تستحق هذه الرواية بموضوعاتها، ولغتها وبنيتها السردية، قراءة تعطيها حقها، وتضيئ على جوانبها، لأنها حكاية كل واحد منا، بكل الآلام والمخاضات والعذابات المريرة.
بيمان – درب الليمون: جهاد أبو حشيش، دار فضاءات /عمان- الأردن 2015
__________________
– كاتب سوري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.