جنديٌ منشقٌ يواجه آكلي لحوم البشر

قصص من وحي الحرب

أنصت ملياً لصوت والده يندفع كالنسيم من مآذن مسجد البلدة المجاورة (حي على الفلاح)، فماذا سيفعل هل سيلبي نداء الفطرة أم سيبقى يعيش خدعة حماية الوطن من التكفيريين؟

الأيام السورية؛ حليم العربي

مضى عام على سوقه للخدمة الإلزامية في الجيش السوري، تابع خلسةً مجريات الأحداث في الربيع العربي على تلفاز قائد وحدته لدى غيابه، يسترق السمع وهو لا يصدق هرب بن علي من تونس، ولا مقتل القذافي وسحله في شوارع طرابلس، وانقطعت أخبار العالم الخارجي عنه مع خلع مبارك وسجنه.

فاروق شابٌ سوريّ ابن فلاح بسيط من عائلةٍ طيبةٍ وكريمةٍ، تقطن في قريةٍ قريبةٍ  من مدينة دير الزور، قطع والده مئات الكيلومترات ليزوره في قطعته القريبة من مدينة حماة، ويحذره من المشاركة في قمع المظاهرات الشعبيّة ، ويدعوه للانشقاق من بداية الثورة السوريّة عام ٢٠١١م، لكنّ قائد وحدته الملازم منذر جلس بين الأب وولده، وأشرف مباشرة على الزيارة الخاصة، وشاركهم بكلّ الأحاديث الخاصة والعامة؛ حتى بارك لهما بالمولود الجديد للعائلة، ومنع أبا فاروق من الاستفراد بأيّ حديثٍ مع ابنه؛ إلا العزف على وتر المؤامرة الكونية التي تستهدف سوريا وقائدها الممانع المقاوم.

حاول الأب الالتفاف على الأمر العسكري قبل الوداع، وأعطى ابنه فاروق هاتفاً جوالاً للاطمئنان عنه كلّ حينٍ، فوافق الملازم منذر المنحدر من طرطوس كما عرّف عن نفسه، لكنّ الأب ظلّ شاحباً لم يطمئن لنظرات الضابط الخبيثة، وهو يأخذ الهاتف من الأب ويبدأ بتفتيشه قبل انتهاء الزيارة ورافقه حتى باب القطعة العسكريّة، حينها دمعت عين فاروق وهو يحاول فهم مايريد أن يقوله والده في تلك الزيارة قبل رحيله.

عاد الأب إلى منزله بخفي حنين، وصل في وقتٍ متأخرٍ لكنّه حاول الاتصال بابنه ليخبره بوصوله سالماً، إلا أنّ الأب قمع مرةً أخرى، عندما ردّ على اتصاله الملازم منذر وقال له بخبث: (الحمد لله على سلامتك ياعم سأخبر فاروق بوصولك عند عودته من نوبة الحرس).

انقطعت أخبار فاروق بانقطاعه بعدها عن العالم الخارجي، ولم يعد يشاهد التلفاز مع الاستنفار المستمر والتصعيد العسكري ضد الثوار، وظلّ هاتفه فارغ الشحن مهملاً في درج خزانة قائده، وبدأ الثوار يردون عسكرياً على عمليات النظام بعد نزول الجيش وميليشيات الأسد إلى الشوارع في البلدات والمدن.

فاروق يستمع للأسطوانة اليومية في الاجتماع الصباحي عن الإرهابيين وآكلي لحوم البشر، الذين جاؤوا من خارج البلاد في مؤامرةٍ كونيةٍ   على حلف الممانعة والمقاومة، يحاول فهم حقيقة ما يحدث أو الوصول إلى هاتفه دون جدوى، حتى استيقظ ذات يومٍ على صراخ وعويل زملائه، يبكون بعض رفاقهم حاولوا الانشقاق إلا أنّ الثوار قتلوهم، ومثّلوا بجثثهم ورموهم بالقرب من الساتر الترابي، فغضب كثيراً وصدق رواية قائد اللواء كباقي الزملاء.

مضى عامان على زيارة والده، وهو جالس على سريره يقلب الذكريات مع أهله وأصحابه الذين نسي صورهم وتقاسيم وجوههم، وفي أحد الأيام وهو على هذا الحال إذ به يسمع صوتاً يؤذن في البلدة المجاورة للقطعة، يشبه صوت والده يندفع عبر الوادي حاول تجاهل الأمر إلا أنّه تكرر في أوقات أخرى.

جلس فاروق مع نفسه شارداً يسترجع هذا الصوت، الذي يتوقف دائماً عند حي على الفلاح وكأنه يدعوه للهرب من هذا السجن الكبير.  احتفظ فاروق بسره لنفسه وبدأ بدراسة الأمر، ورتّب في الليلة التالية مع زميله موعد ومكان الحرس في الزاوية الأقرب لجهة تلك البلدة القريبة، وجلس يستمع إلى ذلك المؤذن محتاراً كيف سيجيبه، وكيف سيتجاوز العصابات التي ترابط في الجهة المقابلة.

قضى الليلة يعبث ببندقية زميله ووضع مقذوف مبلول بالشحم في فوهتها، ليعرقل إطلاق النار عليه من الخلف إن بدأ في الجري، وانتظر حتى آذان الفجر ليكون الصوت دليل طريقه وخارطة هربه، أمضى الليلة ينتظر الصوت الذي يعشقه حتى بدأ بتجويد بعض الآيات قبل الآذان، بدا الارتباك عليه لكنّه تظاهر بمغصٍ في معدته وذهب للخلاء في عتمة الليل خلف الساتر الترابي متوارياً عن الأنظار، وبدأ الجري باتجاه الصوت كالهائم على وجهه، كلّما تعثر أو أضاع الطريق نبّهه المؤذن.

 

كاريكاتير لأسامة حجاج عن الإرهاب – موقع أبو محجوب الإخباري

اختلطت الصور في مخيلة فاروق عن مصيره الذي ينتظره خلف هذا الوادي هل سيجد والده أم أكلة لحوم البشر؟

هل سيحظى بضمة حنان أم سيقتل ويرمى جيفة كباقي زملائه؟

بدأ مع التعب يتخلص من سلاحه الثقيل، واللباس الميداني الذي لم يخلعه إلا في الحمام.

جرى حتى قاطع سلسلة أفكاره كلمة” قف لا تتحرك ارفع يديك” … صرخ أحدهم:” ما اسمك؟ ” أجاب: فاروق” …  وقبل أن يتمّ كلامه ضحك الجميع وصرخوا: ” نجحت الخطة” تمّ التعميم على باقي نقاط الرباط أن الأمانة وصلت لوقف التأهب.

شعر فاروق ببعض الأمان فسألهم مرتبكاً” أين أبي؟”

أجابه أحدهم:  ”موعدنا معه بعد صلاة الفجر في ضيافة المختار”.

أجابه آخر :  ”والدك صاحب يد بيضاء في الثورة وكلّ هذا الاستنفار من أجل عينيه، ولن ينسى الثوار ما قدمه لهم”.

بدأت تنجلي الصور الدامية والمقرفة عن ذاكرة فاروق، لم يشاهد إلا أناس بسطاء مثله، لا يأكلون لحوم البشر، وصل أخيراً إلى والده وقد أكبّ على قدمي والده باكياً، يختلس كلّ حين النظر إلى عيون الحضور وعينه تدمع من الفرح.

يحدّث نفسه هل هؤلاء هم الإرهابيون الذين كانت المدفعية والصواريخ تدك منازلهم وتقتل أولادهم؟

هل هؤلاء هم أكلة لحوم الجنود المنشقة؟

لا يزال فاروق يبحث عن أجوبة لسيل من الأسئلة في طريق عودته إلى بلدته المحررة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.