جنة الله على الأرض.. هل يبقى تعبير الجنة المجازي هو حلم كل البشر البائسين

هل تشكّل سوريا بالنسبة للمغتربين الحاليين حالة من الطمأنينة العائلية وحلقات الأصدقاء والتجمعات والفرح العفوي؟ هل باتت أقرب لمفهوم نوستالجي عام؟ وهل يبقى في النهاية تعبير الجنة المجازي هو حلم كل البشر البائسين؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

لا يوجد شخص لا يحب مكان نشأته بطريقة أو أخرى، ويمكن القول إن الأفراد نتيجة تجربتهم ضمن المحيط الذي ينتمون إليه؛ تصبح عواطفهم أكثر قابلية للانكسار والشعور العميق بالنوستالجيا، لكن هناك فرق كبير بين الشعور بذكريات معينة محمّلة بالدعابات والمراهقية وبين الكلام المنطقي والعقلاني، فشخصياً أحب سوريا لكن أن أقول مثلاً ذلك الخطاب الذي تطورنا عليه في الإعلام أن سوريا جنة الله على الأرض، فهذا ضرب من تمييع للمنطق والعقل.

وهنا لا أتحدث سياسياً إنما جغرافياً، هل من المعقول مثلاً أن تكون سوريا جنة الله على الأرض؟ إن كانت كذلك فماذا يمكن أن نقول عن أندونيسيا أو ماليزيا أو سويسرا، أو حتى الغابون!.

بالمنطق الطبيعي سوريا لا تُقارن جغرافياً بما سبق ولا تقارن، أيضا، بأكثر من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، ومع ذلك كان الإعلام قبل 2011 في سوريا وفي كل وسائله مُصّرا دائماً وأبداً على مقولة “سوريا جنة الله على الأرض”.

من الطبيعي لشخص يقف ساعتين أمام فرن ليأخذ بعض الخبز، أو ينتظر في طابور طويل أمام المؤسسة الاستهلاكية ليشتري كيلو من السكر بسعر أقل بليرتين من المحلات الخاصة، أن يعتبر سوريا بطبيعتها، كصلنفة مثلاً أو كسب أو الزبداني وبلودان، جنة على الارض، فهو أصلاً يحتاج أن يعمل طوال العام ليذهب أسبوعاً واحداً لتمضية سياحة مع عائلته في مناطق كتلك، واحتمال كبير ألا يستطيع الذهاب أيضاً، إنها حلم بالنسبة إليه.

بالمنطق الطبيعي سوريا لا تُقارن جغرافياً بما سبق ولا تقارن، أيضا، بأكثر من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، ومع ذلك كان الإعلام قبل 2011 في سوريا وفي كل وسائله مُصّرا دائماً وأبداً على مقولة سوريا جنة الله على الأرض.

وكان الناس كلهم في بلادنا يعتبرون الأمر بديهيا وأن مثل جمال سوريا في الطبيعة لن يوجد، وبالمقابل كان إعلام النظام يركز دائماً على تلك الرؤية التوهيمية، فبالنسبة لأصحاب السلطات الذين يسيحون في الجزر الأسيوية والخلجان الكاريبية، سيعتبرون أنه كثير على هذا الشعب أن يكون لديه بعض المشاهد الطبيعية لتكون وجهات سياحية، مثل المناطق السابقة.

عندما انتشر تقريباً ربع السوريين في أصقاع الأرض، شعروا كم كانت حياتهم بائسة ومظلمة، وكم كانوا عبارة عن ماكينات للإنتاج دون أبسط حقوق الحياة الطبيعية؛ وهي أن يتمتعوا بجمال الطبيعة، أحسوا بكم الترهات التي كانت مزروعة في عقولهم من ناحية أن بلدهم رائع الجمال، وأعيد أن الحديث هنا عن الجغرافيا الحيادية وليس عن الشعور الضمني بالانتماء الثقافي والوطني أو التجربة الذاتية لهم.

قد تكون سوريا بالنسبة للمغتربين الحاليين حالة من الطمأنينة العائلية وحلقات الأصدقاء والتجمعات والفرح العفوي، إنها أقرب لنوستالجيا عامة، لكن سوريا طبيعياً هي من أضعف الحلقات الجمالية على هذه الأرض، ربما هناك بعض الدول التي تلينا من أمثال ليبيا أو السعودية أو بعض المناطق الصحراوية أو الشديدة البؤس والفقر، لكن اليوم لم يعد هناك من هو وراءنا، لقد انتصرنا بجدارة وحققنا أن نكون البلد الأضعف جمالياً كطبيعة وكتاريخ مدن حتى على أشد البلدان سوءا.

عندما انتشر تقريباً ربع السوريين في أصقاع الأرض، شعروا كم كانت حياتهم بائسة ومظلمة، وكم كانوا عبارة عن ماكينات للإنتاج دون أبسط حقوق الحياة الطبيعية؛ وهي أن يتمتعوا بجمال الطبيعة.

وهذا يوصلنا إلى نقطة أخرى، إذا سمع مواطن ما في إعلام يتحدث عن بلده كجنة على الأرض، فهو دليل على أن ذلك البلد بإدارته السياسة سيصير إلى زوال، عندما تبدأ سيمفونية التوهيم الإعلامي للناس على أنهم يعيشون في بلد الجنة، فالسلطة السياسة ستدمر البلد عاجلاً أم آجلاً.

وللصراحة لم أسمع جملة “جنة الله على الأرض” إلا في الإعلام السوري، وفي الترويج السياحي لتركيا باللغة العربية، ولا أدري إن كان الإعلام التركي يمارس هذه المقولة! لكن بغض النظر، تبقى جملة “جنة الله على الأرض” هي واحدة من فهم أن البشر في ذلك البلد يعيشون في غيبوبة لا ينجو منها إلا أصحاب النفوذ الذي يسافرون ليعيشوا الجنة الحقيقية بينما الشعوب تعيش جحيم ما صنعته تلك السياسات.

في النهاية يبقى تعبير الجنة المجازي هو حلم كل البشر البائسين.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.