جميل مردم بك نصف قرن من العمل السياسي في خدمة سوريا

صانعو الجلاء في سوريا

لما شكل زعماء النضال الوطني السوري عام 1928 حركة تحريرية عرفت باسم الكتلة الوطنية، أسندت أمانة السر العامة لهذه الكتلة لجميل مردم بك، وقد اتفق هؤلاء على توحيد نضالهم من أجل الوصول بسوريا إلى الاستقلال التام، مع المثابرة على عدم الاعتراف بالانتداب.

ولد جميل مردم بك في دمشق عام 1893، ينتسب لأسرة سورية عريقة. تلقى علومه الابتدائية والثانوية في معاهد الآباء العازاريين في دمشق، وقصد دمشق للتخصص في العلوم الزراعية، وانتسب في الوقت نفسه إلى معهد العلوم السياسية في باريس، وفي العام 1911 أسس بالاشتراك مع مجموعة من الشباب المثقف جمعية سرية سميت (الجمعية العربية الفتاة) في باريس. وهدف هذه الجمعية تحرير الأرض العربية من الهيمنة الأجنبية.

المؤتمر العربي لعام 1913 وحكم الإعدام

كان جميل مردم بك واحداً من الثمانية الذين وجهوا الدعوة للمؤتمر العربي لعام 1913، وشغل فيه وظيفة أمين السر العام المساعد، وكانت مهمته تنسيق الجهود وتصنيف المطالب الوطنية للعرب، وصدرت عن المؤتمر قرارات تم تبليغها للدول العظمى ولسفير الإمبراطورية العثمانية في باريس.

وعندما صدرت موجات الحكم بالإعدام من قبل محكمة عالية على رواد القضية العربية، كان مردم بك ما يزال في فرنسا، وعلى الرغم من ذلك فقد صدر الحكم عليه غيابياً. وبين عامي 1917 و1918 قام برحلة إلى دول أمريكا اللاتينية بصفته مندوباً عن مؤتمر باريس بهدف تقوية الصلة مع الجاليات العربية التي استقرت في تلك البلاد.

العلاقة مع الشريف فيصل بن الحسين

بعد أن نجحت الثورة العربية وأُعلنت الهدنة، قصد الشريف فيصل بن الحسين أوروبا؛ من أجل الدفاع عن التطلعات العربية بعد انسلاخ الأقاليم العربية عن الإمبراطورية العثمانية، وقد انضم جميل مردم بك الذي كان ما يزال في فرنسا إلى الشريف فيصل، واستطاع أن يسمع صوت سوريا في خطاب ألقاه في أثناء مؤتمر الصلح في فرساي.

وقد عاد مردم بك إلى سوريا برفقة الشريف فيصل في ربيع 1919، وأصبح بعد إعلان الاستقلال مستشاره الخاص، كما سمي معاوناً لوزير الخارجية الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي.

نشاطه بعد دخول الفرنسيين دمشق

جميل مردم بك في مرحلة الشباب(التاريخ السوري)

بعد دخول الفرنسيين سوريا بقيادة الجنرال غورو في تموز عام 1920، انتعشت الحركات التحريرية، وانضم جميل مردم بك مع مجموعة من رجال المقاومة إلى حزب الشعب الذي أعلن في العام 1925 الثورة ضد الاحتلال الفرنسي، وساهم في المعارك التي جرت بين قوات الاحتلال الفرنسي وبين المقاومة السورية.

وعندما حاصرت القوات الفرنسية جبل الدروز وأمرت باعتقال زعماء الثورة، استطاع مردم بك الفرار والوصول إلى مدينة حيفا الفلسطينية. وقد سبق للمجلس العدلي أن أصدر الحكم عليه بالإعدام غيابياً. ولذا رضخت السلطات البريطانية لطلب تسليم مردم بك، فأوقفته وقامت بتسليمه إلى السلطات الفرنسية التي نفته إلى جزيرة أرواد قبالة مدينة طرطوس على الساحل السوري، وقد أعلن الفرنسيون بتاريخ لاحق العفو عن المنفيين في جزيرة أرواد.

عضوية البرلمان السوري

لما شكل زعماء النضال الوطني السوري عام 1928 حركة تحريرية عرفت باسم الكتلة الوطنية، أسندت أمانة السر العامة لهذه الكتلة لجميل مردم بك، وقد اتفق هؤلاء على توحيد نضالهم من أجل الوصول بسوريا إلى الاستقلال التام، مع المثابرة على عدم الاعتراف بالانتداب.

في عام 1928، وبعد أن اقتنعت سلطة الانتداب بأن يكون لسوريا دستور تضعه جمعية تأسيس منتخبة من قبل الشعب، كان مردم بك واحداً من النواب الذين انتخبوا عن مدينة دمشق، وساهم في وضع الدستور.

مشاركته في الوزارات السورية

دخل مردم بك الوزارة لأول مرة عام 1932 باسم الوطنيين، وتقلد وزارتي المالية والاقتصاد الوطني، إلا أنه استقال بعد أن تأكدت الكتلة الوطنية أن فرنسا ليس لديها نية بالتنازل عن الانتداب، لكنه بقي في ساحة النضال من موقعه في الكتلة الوطنية يعمل بفاعلية ونشاط، وقام بزيارة المملكة العربية السعودية، والعراق، ومصر، وفرنسا.

الدعوة للإضراب العام

في مطلع عام 1936، دعت الكتلة الوطنية للإضراب العام، ولبت المدن السورية جميعها، وسارت مظاهرات ضخمة وألقت السلطة القبض على جميل مردم بك في أعقاب خطاب مثير ألقاه في مقبرة الباب الصغير بعد تشييع أحد الشهداء، وقد فرضت عليه الإقامة الجبرية في قصبة قرق خان، وقد استمر الإضراب حوالي الشهرين، انتهى بعد أن عقد اتفاق بين الكتلة الوطنية والسلطة الفرنسية، ينص على أن يذهب وفد سوري إلى باريس للمفاوضة من أجل إبرام معاهدة تضمن استقلال سوريا، وتألف الوفد برئاسة هاشم الأتاسي، وكان مردم بك عضواً فيه، وبعد مفاوضات توصل الطرفين إلى عقد معاهدة في 9 أيلول/1936.

ما بعد معاهدة 1936

لما وضعت المعاهدة موضع التنفيذ، وجرت انتخابات حرة نجح فيها مرشحو الكتلة الوطنية، وقد نجحت القائمة التي ترأسها جميل مردم بك عن مدينة دمشق والغوطتين، وفي أول جلسة عقدها المجلس انتخب النواب فارس الخوري رئيساً للمجلس وهاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية. وألف مردم بك أول وزارة وطنية.

وفي خلال عامي 1937 و1938، زار مردم بك فرنسا ثلاث مرات عمل خلالها على استعجال تصديق البرلمان الفرنسي على المعاهدة، ومن أجل وضع بعض بنود المعاهدة موضع التنفيذ. وقد أجرى اتصالات عديدة تبادل من خلالها وجهات النظر مع عدد من الشخصيات السياسية كان منهم هريو، وبلوم، وفلاندان، وبونيه، وفيينو وسارو.

من خلال هذه المرحلة أيضاً، برزت قضية لواء الاسكندرونة، وقام مردم بك بزيارة إلى تركيا تلبية لدعوة تلقاها من حكومتها، وتدارس مع رجال الدولة الأتراك مختلف وجوه العلاقات السورية، التركية، كما تعرف على الرئيس كمال أتاتورك وتباحث معه في الشؤون التي تهم البلدين. وقد اتسمت هذه الاتصالات بين مردم بك والزعماء الأتراك بطابع التفاهم المتبادل؛ الأمر الذي جعل من المؤسف أن تحل قضية لواء الإسكندرونة دون أي مساهمة سورية.

قدمت حكومة مردم بك استقالتها في شهر شباط في جو عاصف اجتاح العلاقات الفرنسية السورية، وأكد أن فرنسا قد رجعت عن تنفيذ معاهدة 1936

جميل مردم بك مع شخصيات وطنية(التاريخ السوري)

عودة العمل بالدستور السوري

في عام 1943 أعيد العمل بالدستور، وأعيد انتخاب مردم بك في مجلس النواب، وكُلف بنيابة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية من (آب 1943ـ تشرين الأول 1944)، ثم وزارة الخارجية مع وزارتي الدفاع والاقتصاد الوطني من (تشرين الأول 1944ـ آذار 1945) ومن جديد تولى وزارة الخارجية مع الدفاع من (آذار 1944ـ إلى آب 1945)، وشغل في هذه الأثناء رئاسة الوزارة بالوكالة في غياب فارس الخوري في سان فرانسيسكو. كما انتدب وزيراً مفوضاً في تشرين الأول عام 1945 إلى مصر لتأسيس المفوضية السورية، وكذلك إلى السعودية في تشرين الثاني عام 1945 للغرض نفسه.

أعاد تشكيل الحكومة في تشرين الأول عام 1947، وتقلد بنفسه وزارة الدفاع الوطني عندما بدأت العمليات الحربية في أيار عام 1948، وأدخل إصلاحات جذرية في مؤسسة الجيش.

اعتزاله العمل السياسي ووفاته

قدم مردم بك استقالة حكومته بعد فشل الجيوش العربية في فلسطين، وغادر سوريا إلى مصر وأقام في القاهرة.

في شهر أيلول عام 1954، أصدر جميل مردم بك تصريحاً أعلن فيه اعتزاله الحياة السياسية ولم يكن قد تجاوز الواحد والستين من العمر، وبتاريخ الأول من شباط عام 1958، دعاه الرئيس جمال عبد الناصر للوقوف معه ومع الرئيس شكري القوتلي عند التوقيع على الإعلان عن الوحدة بين سوريا ومصر.

في 30 آذار1960، توفي جميل مردم بك في القاهرة، ونقل جثمانه إلى سوريا حيث ووري الثرى في مدافن العائلة بدمشق.


المصادر: (سلمى مردم بك، استقلال سوريا، أوراق جميل مردم بك/ موسوعة رجالات من بلاد العرب/ د. صالح زهر الدين، تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي/ نجاة قصاب حسن، صانعو الجلاء في سوريا).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.