جمهوريات التواصل الاجتماعي… إمبراطوريات ديكتاتورية في عصر التقانة

هل باتت شبكات التواصل الاجتماعي تتدخل وتصنع الأحداث وتغيير مجرياتها وما عدنا قادرين عن التغاضي أو الموارة عن تعملق هذه الشركات وتحكمها في إدارة العالم؟ وهل باتت تضع قواعد وتطبقها على الكبير والصغير؟

الأيام السورية؛ خالد المحمد

ما عاد من باب التندر أن أسمي نفسي أو غيري بالمواطن في جمهورية فيس بوك أو تويتر أو غيرها من منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعد الأيام القليلة الماضية وما كشفته لنا الأحداث والتطورات، من قوة هذه المؤسسات وتغولها وتفوقها على كل المؤسسات التقليدية.

وما عاد من المبالغة أن نقول إنها تجاوزت حتى سلطة الرئيس الأمريكي ترامب، تحت هامش الديمقراطية والقانون، وحظرت حساباته على منصاتها، دون أن يستطيع رئيس أكبر دولة الوقوف في وجه قرارها، أو اتخاذ إجراء يرد على ما قامت به.

كثيرة هي الأحداث التي تثبت لنا يوماً إثر يوم أن هذه الشركات العابرة للقارات والقيود المحلية قد تجاوزت حدود الشركات التجارية والربح المادي، وباتت جزءاً وصانعاً لسياسة الدول من جانب، وجزءاً ومحركاً للحياة الاجتماعية للأفراد من جانب آخر، وتؤثر بشكل مباشر على تفاصيل هذين الجانبين.

وقائع عديدة ومؤثرة كانت محورها وسائل التواصل الاجتماعي، وأثرت بشكل فاعل على سير الأحداث، والتي بدأت بشكل علني بتسريبات ويكليكس، مروراً بتجربة انقلاب عام 2015 في تركيا، وظهور أردوغان عبر أحد تطبيقات التواصل، ونزول الشعب التركي عبر دعوات عبر شبكات التواصل الاجتماعي وإفشال الانقلاب، وكذلك ثورات الربيع العربي وتفاصيلها، وأيضاً الانتخابات الأمريكية ووصول ترامب إلى السلطة، وغيرها من المسلسلات السياسية الكبيرة التي كان بطلها مواقع التواصل الاجتماعي.

اليوم باتت هذه الشبكات تتدخل وتصنع الأحداث وتغيير مجرياتها وما عدنا قادرين عن التغاضي أو الموارة عن تعملق هذه الشركات وتحكمها في إدارة العالم، بعيداً عن الحكومات سواءً الديمقراطية منها أو الديكتاتورية، ووضع قواعد تطبقها على الكبير والصغير ولن يكون آخرها ما أُعلن عنه من تحديثات جديدة في تطبيق واتس أب التابع لشركة فيس بوك، والذي يبلغ عدد مواطنيه ملياري مستخدم.

هذه التحديثات الجديدة على سياسة الخصوصية والتي تتضمن جمع بيانات المستخدمين من رقم الهاتف وصورة الحساب والحالات وسلوكيات المستخدم وموقعه، ووصلت لحد بعض البيانات المالية للمستخدم، وإعادة استخدامها من قبل جميع شركات فيس بوك.

وهنا جميع المواطنين مجبرين على القبول بهذه السياسة الجديدة، أو سيتعرضون للنفي والنزوح من واتس أب دون محاكمة.

وهو ما أثار ضجة كبرى حول الموضوع ودعوات للعصيان والثورة ضد واتس أب، والإضراب ومغادرته إلى تطبيقات أخرى لا تقوم حالياً بهكذا سياسات، وطبعاً لا يضمن أحد أن لا تقوم مستقبلاً بذات الأمر، مع تعملقها في حال هجران تطبيق واتس أب فعلاً، وهو أمر أستبعده، وما يجري من دعوات لحذف واتس أب هو فقاعة صابون، سنرضخ بعدها للإجراءات الديكتاتورية التي تنتهجها جميع الشركات التكنولوجية ضدنا، و ما عدنا قادرين على التخلي عنها، فدور هذه الشركات اليوم ما عاد مقتصراً على تقديم الخدمات وحصد الأرباح فقط، فعلاقة التزاوج الشهيرة بين المال والسلطة تنطبق أيضاً على هذه الشركات، والتي حولتها إلى نظام عالمي جديد نقل عهد الإمبراطوريات العظمى الحاكمة للعالم من شكل الدول الاستعمارية القوية، إلى شكل الشركات العملاقة العابرة للقارات، والتي باتت فعلاً الامبراطوريات التي تحكم العالم وتجاوزت حتى القوة السياسية للدول المرخصة فيها، وبات أي اضطراب مادي أو إداري في هذه الشركات يهدد اقتصاد هذه الدول، فأصبحت هذه الدول تلقب بأسماء هذه الشركات من جمهورية سامسونغ إلى جمهورية وادي السيلكون وغيرها…

ما يؤسفنا في هذا الموضوع تحوّل هذه المؤسسات إلى ما يشبه ديكتاتورياتنا في العالم العربي، وتحولها في نظرنا إلى هذا القالب الديكتاتوري، وفرض قوانين وسياسات قمعية إجبارية علينا، وتوجيه رأينا وصناعته، والحد من حرية الرأي التي عرفناها أصلاً في عالمنا العربي من خلال هذه الوسائل، فكلمة واحدة أحياناً في منشور رأي، كفيلة بحجب وحظر حساباتنا عبر هذه المواقع.

ومفروض علينا أن نقبل دون نقاش ما تمليه علينا من دساتير وقوانين تناسب هذ المنصات، التي حررتنا وكسرت التعتيم الإعلامي عنا، ووفرت للشعوب المقهورة منابراً للتعبير عن وجعها وكانت في يوم ما عوناً لثوراتنا.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.