جلسات المقهى مرآة لأحلام السوريين وانتكاساتهم

بقلم : ساشا _

يبدو أنه لا سبيل لقطع هذا الشارع المزدحم بالسيارات التي لا يتوقف انسيابها أبدا، سوى الركض والمناورة كي نصل إلى الطرف المقابل بعد أن وجدنا بصعوبة مكانا فارغا لصف السيارة قرب قهوة “بيجز” التي تواعدنا على اللقاء فيها.
لم تكن المقهى أقل ازدحاما من الشارع رغم أننا في منتصف النهار. شبان يدخلون وآخرون يغادرون والطاولات ممتلئة عن آخرها بفتيان وفتيات معظمهم من الطلبة.
يا إلهي! أشعر بأنني في يوم طبيعي من أيام عملي الاعتيادية قبل اندلاع الثورة، حيث أعود للمنزل منهكة بسبب صعوبة التنقل وأصوات السيارات الصاخبة التي تملأ الرأس التي تزيدها حرارة الشمس العالية في شهر سبتمبر/ أيلول ألما.. حدثت نفسي بذلك وأنا أمر بشريط الأحداث التي عايشناها خلال سنتين ونصف، وكأن شيئا لم يكن هنا في حي الروضة أو حي القصاع أو المالكي القريبان.
اخترنا القهوة هنا في حي الروضة الراقي وسط العاصمة دمشق نزولا عند طلب بقية أعضاء “الشلة” الذين يعانون من “فوبيا الحواجز” إما ظنا منهم بأنهم مطلوبون لقوات الأمن جراء نشاطهم على فيسبوك، أو لأنهم مطالبون بتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية التي يتهربون منها في مثل هذه الأوضاع، وإما لخشيتهم من توريطهم في المشاركة بقتل مواطنين أبرياء، أو لخطورة الموقف حيث يمكن أن يتعرض الجنود والقطع العسكرية للهجوم الدائم من قبل قوات المعارضة.
في الطاولة المقابلة لي كانت تجلس “شلة” من الشبان الصغار الذين يبدو أنهم مقبلون على دخول الجامعة التي ستفتح أبوابها خلال الأسبوع القادم، وأخال أنهم يتدربون على الرسم لإجراء امتحان الرسم في كلية الفنون الجميلة.
إلغاء الضربة ألغى فسحة الأمل
ثمة دائما موضوع معين يهيمن على الجلسات العامة والخاصة تفرضه الأوضاع الميدانية أو السياسية، أو التعاطي الدولي مع الأزمة السورية.
من السهل أن تستشف أن الحديث الدائر هنا في القهوة اليوم عما أعقب الضربة العسكرية المحتملة من تصريحات وردود فعل، خلفت خيبة أمل لدى البعض -وأنا منهم-، وعززت نظرية آخرين في أن الحكومة السورية تملك من القوة ما تستطيع أن تجبر الولايات المتحدة على التراجع عن قرارها.
معظم الحديث خلال جلسة “شلتنا” في القهوة التي استمرت ساعتين يوم الأربعاء الموافق لـ11 سبتمبر/ أيلول، كان عن تراجع أميركا عن توجيه ضربة للنظام السوري وهو ما اعتبرناه مخيبا للآمال.
شخصيا، أنا لست من المصفقين لتعرض بلادنا لحرب خارجية، لكني اعتقدت أن الضربة ستكسر الجمود السياسي الذي خيم على المشهد، وستقرب من إسقاط النظام الذي قتل الأطفال في قصف الغوطة.
لقد أحيى الكلام عن ضربة عسكرية محتملة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها أملنا نحن المناهضين لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد، وجعلنا نترقب انفراج الأمور في سبيل إيقاف نزيف الدم الذي يغرق البلاد.
لكن رأيا آخر كان يروج هنا في القهوة اليوم لدى الطرف الآخر الذي يعتبر الضربة الأميركية بمثابة مؤامرة على النظام السوري، رغم أنهم يعرفون حق المعرفة من هي الجهة التي تقصف المدنيين من جبل قاسيون في وضح النهار.
حلم الهجرة
وغير بعيد عن هذا الحديث، يتفق الجانبان على أن سورية لم تعد مكانا آمنا لتحقيق أحلام المستقبل.
فالكثير من الناس باتوا يبادرون بعضهم بالسؤال التالي: “شو وضع السفارة الفلانية، عم يعطوا فيز؟”.
أعتقد أن غالبية الناس التي تفرقها السياسة هذه الأيام، تجمعها أبواب السفارات أو منظمة الأمم المتحدة للهجرة بحثا عن أمان مفقود أو عن مقاعد للدراسة في أوروبا والولايات المتحدة بمن فيهم أولئك الذين ينتقدون سياستها، مثل جارتي التي لم تترك بابا للسفر إلى الولايات المتحدة إلا وطرقته رغم تأييدها للنظام وشتيمتها الدائمة لأميركا ورئيسها.
لا يمر يوم إلا وأسمع أن صديقة لي أو قريبة أو جارة، أو عائلة بكاملها غادروا البلاد من منطقة باب توما ذات الغالبية المسيحية هنا حيث أسكن، وذلك إلى درجة بدا واضحا التخوف الداخلي وحتى الخارجي من إخلاء المسحيين من سورية. وعزز ذلك التخوف الأحداث التي شهدتها معلولا حين هاجمها عناصر الجيش الحر وارتكبوا خروقات بالجملة بحق المسيحيين، وما تلى ذلك الهجوم من إشاعات عن استهداف المسيحيين السوريين.
أما أنا فلا أجد في السفر مهربا من موت قد يأتي في أي مكان وأي ساعة، ولا أجد في الطلبات المتكررة من أقاربي حول تسفير والدتي إلى بلد آمن، إلا دعوة لوضعها في سجن كبير لن تستطيع العيش فيه حتى ولو لمدة قصيرة تزيد عن أسابيع، ولا أريد أن أموت إلا في بلدي.

قصص سورية

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.