جـدار الصـحراء الغربية

إعداد: سلام محمد

تمثل أزمة النزاع في الصحراء الغربية أحد أهم وأطول وأعقد الصراعات التي عرفتها أفريقيا، ولا تزال القارة إلى يومنا هذا، ملتقى للصراعات والحروب العرقية والسياسية والدينية والاقتصادية، باعتبارها بركانا يتفجّر على طبقات أرضية غنية بما لا يحصى من الثروات ، بدءا بالنفط، ومرورا بالثروة الغابية والحيوانية وجمال الطبيعة، وانتهاء بالذهب والماس والأحجار الكريمة.

والصحراء الغربية منطقة شاسعة تقع شمال غربي افريقيا ومساحتها حوالي 266 ألف كيلومتر مربع، ويدير المغرب نحو 80 في المئة منها والباقي تديره جبهة البوليساريو.

وتشير التقديرات إلى أن عدد السكان حوالي نصف مليون، يتوزعون على المدن الرئيسية في المنطقة، التي خضعت للاستعمار الإسباني في الفترة الممتدة من 1884 إلى 1976 وبعد خروجه تنازع عليها المغرب وجبهة البوليساريو، فقد صعدت الجبهة من وتيرة عملياتها وقامت بالتحريض على المظاهرات المطالبة بالاستقلال، بينما اتجه المغرب وموريتانيا إلى محكمة العدل الدولية.

وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول 1975 أعلن المغرب تنظيمه “المسيرة الخضراء” باتجاه منطقة الصحراء، وفي يناير/كانون الثاني 1976 أُعلن عن قيام “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” بدعم من الجزائر.

وبدأ المغرب مطلع ثمانينيات القرن الماضي ببناء جدار رملي حول مدن السمارة والعيون وبوجدور لعزل المناطق الصحراوية الغنية بالفوسفات والمدن الصحراوية الأساسية، وجعل هذا الجدار أهم الأراضي الصحراوية في مأمن من هجمات البوليساريو.

ميزة الجدار ودواعي بنائه                                                                    

يأخذ الجدار ميزته من خلال العمل بإستراتيجية تفرض على الأعداء ميدان القتال وكذلك من طبيعته، ففي إطار حرب غير تقليدية (حرب عصابات) بين جيش تقليدي وقوات لحرب العصابات الخفيفة التي تعتمد على المناورة الكبيرة (اضرب واهرب) فإن الامتياز لا محالة يكون لهذه الأخيرة بغض النظر عن محدودية نتائج ضرباتها التي يصعب تسميتها “بانتصارات” إلا أن الجيش الملكي المغربي ممثلا في قيادته وعى بأن ضربات متواصلة وغير متوقعة باستمرار من شأنها التشويش عليه وإضعافه عبر مراكمة الخسائر التي –وبالنظر اليها كحوادث فردية- تبدو تافهة إلا أن تولّيها يجعلها مهمة ومؤثرة وهو ما يصطلح عليه بمبدأ “التآكل” ، إذن فمن شأن الجدار الأمني أولا كسر إيقاع العمليات وكذا فرض نوع من المعارك على العدو لم يألفها .

وأمام عجزها عن حماية التجمعات السكانية وتحقيق الأمن للمدن المتاخمة لمسرح العمليات من الإغارات المتلاحقة للبوليساريو وكذا عن ضمان أمن خطوط الإمداد سواء للجيش أو السكان، وكذا حماية مناجم الفوسفات الموجودة في “بوكراع” وعت القوات المسلحة الملكية بحتمية خيار الجدار الذي سوف يجعل الصحراء “معزولة” من خلال تسوريها بخط دفاعي يربك ويخلط أوراق البوليساريو ويصد هجماتها وهو ما تحقق فعليا ، حيث تعذر على مقاتلي البوليساريو ولأسباب سوف نوردها اختراق الجدار وبالتالي الوصول الى الأهداف التي كانت مع غيابه

تنفيذ الفكرة

بُدئ في بناء الجدار في يناير 1980 وانتهي منه في 1986 ، وهو يمتد من “محاميد الغزلان”(على بعد 90 كيلومترا جنوب “زاكورة” في داخل الحدود المغربية الدولية المعترف بها) إلى” كركارات” على الساحل الأطلسي، على طول 2200 كيلومترا بمحاذاة الحدود الجزائرية ثم الموريتانية على مسافة تتراوح ما بين بضعة أمتار إلى بضع كيلومترات،البناء الذي كان تدريجيا، شمل في البدء المدن الأكثر أهمية “العيون، بوجدور، السمارة، بوكراع” ليغطي في مراحل أخرى تقريبا 80%من المساحة الكلية للصحراء وهي استراتيجيا الجزء النافع فيها،و الذي يضم الساحل والمدن الكبرى والثروات، أما المنطقة التي توجد خارج الجدار فأصبحت أرض خلاء .

وهو يحدّد بذلك –أي الجدار- منطقتين: الصحراء ”الداخلية” المحمية بالجدار، وقطعة من الأرض من عشرات الآلاف من الكيلومترات المربعة التي تشكل”أرضا غير مأهولة” أو منطقة “عازلة” أو أرضا خلاء منزوعة السلاح، وفق الأمر الواقع يبقى لوحدات البوليساريو حرية التحرك فيها كما تريد. وينبغي أن نسجل هنا أن هذه الوحدات تبقى مضطرة ـ إذا أرادت النزول من الشمال نحو الجنوب ـ للمرور عبر موريتانيا والسير مسافات طويلة أحيانا،ذلك لأن الجدار في الخط الذي سلكه لا يجعل المنطقة العازلة مرتبطة.

جدار الصحراء (بورابيا)

مراحل بناء الجدار

المرحلة الأولى:

امتد خلالها على طول 500 كلم،و شُرع في البناء بتاريخ 08/1980 وكان امتد من منطقة “رأس الخنفرة” الى “بوجدور” وبذلك فقط حمى مناطق (بوجدور، السمارة، العيون، بوكراع، راس الخنفرة ..) وانتهى بناءه بتاريخ 06/1982.

المرحلة الثانية:

امتد الجدار خلالها على طول 300 كلم ،شُرع في البناء بتاريخ 02/12/1983و كانت نقطة الانطلاق هي جنوب غرب” بوكراع” الى” تورغت” وبذلك فقط حمى مناطق “امغالا” وقد انتهى بناؤه بتاريخ 24/01/1984.

المرحلة الثالثة:

امتد جدارها بـ320 كلم من منطقة” الزاك” جنوب شرق المغرب الى “الرتيمية” ليضم خلالها مناطق( الرتيمية ،وحوزة) انتهى بناؤه بتاريخ 07/05/1984.

المرحلة الرابعة:

امتد الجدار خلالها بطول 380 كلم كانت نقطة الانطلاق هي منطقة” الكريكرات” الى منطقة “البريكة “حمى هذا الجدار مناطق (المحبس والفارسية) تم الانتهاء من بنائه بتاريخ 17/05/1985.

المرحلة الخامسة:

امتد على طول 670 كلم من جنوب غرب “امغالا” الى” البيردة” ليحمي منطقة “القل” وتم الانتهاء منه بتاريخ 01/09/1985.

المرحلة السادسة:

امتد جدارها على طول 550 كلم من جنوب طارف المخنزة الى الكريكرات ليحمي مناطق (تشلة اوسرد).

 تقنيات الجدار

كل 4 الي 5 كيلومترات توجد وحدة من الجيش المغربي , تتكون من حوالي 100 جندي وتلحق بها وحدة أخري مصغرة قد يبلغ تعدادها من 30 الي 40 ؛ هذه الأخيرة تبعد عن الأولى بحوالي 2,5 كلم تقريبا

و لكل وحدة أسلحتها الخاصة، كما أنها ستكون مدعمة في الخلف بالدبابات والمدفعية والرادارات، وكل هذا سيكون خلف أسلاك شائكة وحقول الغام وأحزمة رملية وأخرى حجرية وخنادق وحواجز أخرى.

تقسيماته

 1- غير متفجرة

– الأحزمة الرملية: :وهي عبارة عن جدران تمتد بدون انقطاع علي طول الجدار المغربي ،وهذه الجدران تصل في بعض المناطق الي 7أحزمة متتالية ، وقد يبلغ ارتفاع الواحد منها حوالي 3 أمتار.

– الحيطان الحجرية: ظهرت للوجود بعدما استخلص الجيش المغربي عدم جدوى الأحزمة الرملية وحدها فقرر دعمها بحواجز حجرية ، وهكذا أُعدّ هذا الجدار كداعم ، قصد القيام بعرقلة لأي محاولة اجتياز برفع مستوى كفاءة الجدار.

– الاسلاك الشائكة: شيدت على طول الخط الدفاعي، وتقع أساسا أمام نقاط الدعم والمراقبة بمسافة50 متر وتتكون هذه من عدة أسلاك تتقاطع فيما بينها وقد تصل أحيانا إلى 12 سلكا.

– حفر مضادة للدبابات:  يقصد منها عرقلة تقدم الدبابات والآليات، كما أنها تتواجد بين نقاط الدعم غالبا خلف الحزام الرملي وقد تتواجد مخفية مابين حزامين رمليين، ولهذه الحفر عمق تقريبي من 01 متر الى1.5متر وعرض 1.5 متر.

2- حواجز متفجرة

تشكل حقول الألغام الحلقة المركزية في الجدار وهي تقسم حسب بعض المصادر إلى ألغام مضادة للأشخاص وأخرى مضادة للدبابات، وهي متواجدة على طول الجدار كما توجد في أجناب ومؤخرة التحصينات، أمّا أعدادها فتُقدر بالآلاف.

الجدار الرملي (مونت كارلو)

التحصينات

وهي مواقع تواجد الجنود المغاربة على الجدار ، وقد رُوعي في بنائها ضمان الصعوبة في اختراقها عبر تشكيلة عوائق ؛ هي من اليسار الى اليمين .

– الألغام بنوعيها: مضادة للأفراد والأليات

– الخنادق

– الأسلاك الشائكة

– الرادارات

– المدفعية

وتبعد الواحدة عن الأخرى بـ2 الى 3 كيلومترا.

الاتصالات السلكية واللاسلكية

يستعمل الجيش الملكي المغربي على طول الجدار شبكة كثيفة من وسائل الربط لتمرير الخطط والأوامر والمعلومات والتقارير اليومية على كافة نقط الجدار،و يستعمل المحطات اللاسلكية في كل الوحدات والقطاعات ذات العلاقة بالجدار وقد تمّ تطويرها بعد انتهاء الحرب

خطورة الجدار

لقد شعرت البوليساريو منذ 1980 بأن بناء الجدار الأمني سوف يقلب المعادلات الاستراتيجية المحلية الموجودة، وقد فعلت البوليساريو ما بوسعها لتأخير عملية بنائه بل للحيلولة دون ذلك، ومنذ مايو/أيارمن 1980 شرعت وحداتها في اختراق المناطق المبنية من الجدار وقتل الجنود المغاربة الذين يشرفون على بنائه وأفراد الحراسة، وزرع الألغام لإزعاجهم في حال أرادوا التراجع.

 محاولات اختراق

بدأت قوات البوليساريو بمحاولة خرق الجدار، الأمر الذي يتطلب إمكانات بشرية أكبر وتقنيات وآليات ضخمة، وهو خيار يتناقض تماما مع قواعد حرب العصابات؛ التي طالما اعتمدت عليها البوليساريو بقوات بأعداد قليلة مسلحة تسليحاً خفيفاً ، فالقوات المسلحة الملكية لم تعد، بعد بناء الجدار تتوفر على قدرة فرض ساحة المعركة على الخصم فقط ، بل أيضا صارت تتحكم  بالشكل الذي تتخذه المعارك؛ أي الحرب التقليدية التي يعود فيها الامتياز إلى الجانب الأكثر أهمية(عدديا/العتاد) والأكثر تزودا من ناحية الدعم العسكري المساند(المروحيات والطائرات القاصفة).

جدار بعيد عن الانتقاد

وبعد1987 –تاريخ إنتهاء بناء الجدار- لم تنجح سوى غارات قليلة جدا خلف”جدار الدفاع”. واضطر مقاتلو البوليساريو لتغيير استراتيجيتهم ، لتتحول إلى ما كانت تريده القوات المسلحة الملكية المغربية، أي نوع من الحرب لم يخلق له، فقد صاروا يحاولون التصدي للتحصينات المغربية من خلال حشد قوات ضخمة.

ومما أدّى ، وبعد معارك عنيفة ،أخيراً، في 6 سبتمبر 1991 إلى وقف إطلاق النار تطبيقا لاتفاق تم التفاوض عليه عام 1988 تحت إشراف الأمين العام للأمم المتحد،. ويجمع الكثير من الباحثين على ؛أن أحد أسباب توقيعه أو التعجيل في ذلك ،بشروطه، هو الجدار الأمني المغربي.

ولم يسبق أن تعرض الجدار الرملي قطّ لأي انتقاد في أي تقرير أو توصية صادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، بل لم يتضمن أي مقرر لمجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يفيد أن الجدار غير شرعي، وكانت الأمم المتحدة قد اعتمدته باعتباره خطاً يحدد مناطق الحظر العسكري الذي تضمنه الاتفاق العسكري لعام 1988 كجزء من مقترحات التسوية التي تم اعتمادها من قبل مجلس الأمن في قراره، بعد قبول الأطراف لها في 30 غشت 1988، وقدمت هذه المقترحات في تقرير الأمين العام الصادر بتاريخ 18 يونيو 1990، والذي وافق عليه مجلس الأمن بعد ذلك بموجب القرار عدد 658 الصادر يوم 17 يونيو 1990، وبموجب ذلك فقد أصبحت المنطقة شرق الجدار تحت مسؤولية  الأمم المتحدة.

مصدر عبد الحق المريني «الجيش المغربي عبر التاريخ» ، مطبعة المعارف الجديدة ـ الرباط ـ 1997
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.