جعجعة دولية من دون طحين سوري

بقلم: لؤي حسين 

تكثر في الآونة الأخيرة أصوات في غير مكان موضوعها سورية وكيفية إنهاء الأوضاع فيها: اجتماعات، تصريحات، مبادرات، لقاءات، تسريبات، مجلس الأمن، الدوحة، طهران، موسكو، وبعض من حركة هنا وتحرك هناك، وإشاعات يتكرس تأكيدها بالتواتر الإعلامي فقط، كزيارة السيد علي مملوك، مدير مكتب الأمن الوطني السوري، السعودية وعُمان. وتكثر إزاء ذلك التحليلات والتوقعات من جانب الصحافيين والمحللين والباحثين والمعارضين. وغالبية هذه التحليلات تستبشر قرب انتهاء الأزمة السورية، وإن بسيناريوات مختلفة يقارب بعضها حدود الخرافة.
لكنني أعتقد أن كل ذلك ليس غير جعجعة من دون طحين، كما يقول المثل الشهير. فإذ لا يختلف كثيرون على أن مبادرة السيد دي ميستورا لن تكون سوى مجاراة لزمن القتال إلى أن يحين إيقافه، وهذا يعني بعرف الأمم المتحدة تكريس ملف دائم للقضية السورية، فورشات العمل التي تقوم عليها المبادرة لن تتمكن سوى من إنتاج أوراق ووثائق يتطلبها «ملف القضية السورية» هذا. وقد لا يتأخر الوضع كثيراً حتى تُنشئ المنظمة الدولية هيئات ولجاناً دائمة لهذا الملف وغير ذلك من حاجيات التحول لتكون قضية ذات ديمومة غير مُقرّة، بل حتى عقد مؤتمر جنيف ٣، الذي يتم الحديث عنه ضمن هذا الضجيج، والذي من المفترض أن يُعقد بعد انتهاء عمل الورشات الأربع، من المؤكد أنه مثل سابقه لن ينتج عنه شيء مهم، إلا ربما وثائق جديدة تضاف إلى وثيقة جنيف التأسيسية.
غير أن الجعجعة الأعلى هي تلك التي تصدر من العاصمة الروسية، موسكو، التي تشهد تحركات مكثفة وعالية المستوى يشارك فيها حتى الرئيس بوتين من خلال لقاءاته مع زعماء ومسؤولين عرب ودوليين، إضافة إلى الاجتماعات التي عقدها سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسية، مع وزراء خارجية آخرين، في مقدمهم جون كيري، الوزير الأميركي، وكذلك الاجتماعات التي عقدها معاونه السيد ميخائيل بوغدانوف، وأهمها اجتماعه في طهران بوزيري الخارجية الإيراني والسوري، واجتماعه بالسيد مايكل راتني، المبعوث الأميركي إلى سورية. هذا إضافة إلى تصريحات مسؤولي الخارجية الروسية بأنهم يعملون في شكل جدي على عقد موسكو ٣ تمهيداً لجنيف ٣.
تُظهر التحركات والتصريحات الروسية كأن الموضوع السوري قد وُضع جدياً على سكة الحل، وتكثر في خضم ذلك تسريبات عن قبول روسي بتنحي الأسد، وأخرى عن توكيل أميركي لروسيا بحل الأزمة السورية، وغير ذلك من حكايات وروايات تُظهر مسارات الصراع كأنها تحت السيطرة المطلقة، وأن إنهاء هذه المسارات ما زال متاحاً بيسر وسهولة، وأن طهران ستكون مفتش المحطة لهذه السكة، وأن إسرائيل لا علاقة لها ولا دور ولا مشورة بكل ما يجري.
يقوم العرض الروسي المدعوم إيرانياً على أن الإرهاب يجب أن يكون على رأس أولويات الاشتغال الدولي، بخاصة في سورية، وأن الخط البياني لتنامي «داعش» ما زال صاعداً، وأن التحالف الدولي الحالي ضد «داعش» غير قادر على ردعه أو إيقاف تمدده خارج حدوده قبل تشكيل التحالف، أي في العراق وسورية. بل وصل وجوده وعملياته إلى أكثر من بلد خليجي، فضلاً عن مصر وليبيا، وأخيراً تركيا. وهذا كله يقتضي بالضرورة، وفق موسكو، تشكيل تحالف دولي أوسع ضد الإرهاب (يمكن أن تشارك فيه جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، لكن روسيا لا تسعى إليه ضمن إطار المنظمة الدولية)، يكون النظام السوري شريكاً رئيساً فيه باعتباره صاحب أرض الصراع الأساسية مع «داعش»، وصاحب العدّة العسكرية الأهم بين أطراف الميليشيات الموجودة في سورية وربما في العراق. والزبدة في ذلك أن روسيا جاهزة، مع إيران، لضمان مشاركة النظام في مثل هذا التحالف والإشراف عليه وتزويده بالسلاح اللازم. وأنه تسهيلاً لهذا الأمر، فإن روسيا قادرة، إضافة إلى إيران، على إقناع النظام السوري بالمشاركة بتسوية مع معارضيه استناداً إلى وثيقة جنيف، بل ضم مجموعات «الجيش الحر» إلى هذا التحالف بعد تجميد صراعها مع النظام.
الخطة الروسية لتحقيق ذلك تنطلق من إضعاف الثقل الأميركي، وثقل مجموعة «أصدقاء سورية»، في الموضوغ السوري من خلال أطروحة توحيد المعارضة في وفد واحد مقابل النظام، وذلك بعد اعتماد مؤتمر موسكو مجموعات سياسية موالية للرئيس الأسد على أنها قوى معارضة، وهذا من شأنه إضعاف موقع الائتلاف السوري كـ «ممثل شرعي ووحيد للشعب السوري»، وفق اعتراف دول مجموعة «أصدقاء سورية»، والمكلف النطق بما تقول الدول المصنّعة له.
لكن المبادرة الروسية عموماً لا تتعدى تشكيل حكومة موسعة، تعطى لها الصلاحيات الاقتصادية والاجتماعية، وإبقاء الصلاحيات العسكرية والأمنية بقيادة بشار الأسد وتصرفه، لأن أي تغيير في هيكلية المؤسستين العسكرية والأمنية، أو أي تغيير في قياداتها، وفق الرؤية الروسية والإيرانية، سيعطي فرصة أكيدة لانتصار «داعش» والمجموعات الإرهابية الأخرى في سورية وفي دمشق تحديداً (أي هي الشروط ذاتها التي عرضها علينا النظام عبر وسطاء منذ أكثر من سنتين، ورفضناها حينذاك).
وترى موسكو، إضافة إلى الأخطار التي ستنجم عن أي مساس بتركيبة نظام الحكم في سورية، أنه لا يوجد أي بديل كفء للنظام، كما لا يوجد أي كيان عسكري يمكن أن يكون بديلاً عن مؤسسة الجيش السوري في مواجهة «داعش». هذا الرأي توافقها عليه واشنطن وغالبية دول «أصدقاء سورية»، ما يجعل بعض دول الإقليم تقول أنها لا تشترط تغيير جميع قادة الحكم السوري بل تكتفي بتنحية الرئيس الأسد والإتيان بأي شخص بديل عنه، حتى لو كان علوياً! فتؤكد طهران وموسكو أن ذلك كفيل بانهيار النظام وتحوّل دمشق إلى فوضى عارمة، وهذا أيضاً توافقها عليه واشنطن وعدد من العواصم الغربية.
خطر شد الحبال هذا الذي يُمحور موضوع الأزمة السورية حول «داعش» والأسد لا يقتصر على استبعاد مطلق لإرادة السوريين، بل يزيح أساس الصراع من كونه صراعاً على الحقوق والحريات بين النظام ومعارضيه، إلى مجرد صراع مع الإرهاب أو عقاب لرئيس خرج عن الطاعة.
ما عرضته أعلاه ليس موقفاً من المبادرة الروسية بل رأي فيها، إذ على رغم قناعتي المطلقة بعدم وجود أي إمكان لحل الأزمة السورية بعدما تبددت مقومات الحل، فإنني لست ضد نجاح المبادرة أو المساعي الروسية إن كان يمكن أن ينجم عنها عمل جدي لإنهاء الأزمة السورية. لكنني لا أرى في هذه المساعي سوى محاولة روسية لاقتناص فرصة بهدف انضمامها إلى النادي الدولي وكسر العزلة الدولية عنها. وقد لا تكون كل هذه التحركات الدولية سوى إجراء جردة حساب دولية لإعادة رسم الحدود والتخوم بعد متغيرات ميدانية مهمة، ليس في سورية فقط بل في غير بلد عربي يشهد صراعاً مسلحاً، وبعد مضي سنة على بدء عمليات التحالف الأميركي ضد «داعش»، إضافة إلى إعادة التموضع الدولي في المنطقة بعد الاتفاق النووي مع إيران.
الحياة _

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.