جرائم قتل النساء في فلسطين وتباطؤ القانون

أُدخلتْ بعض التعديلات على قانون حماية المرأة، إلَّا أنَّ القضاء بقي هو المتحكم بالأمر من خلال إصداره أحكاماً عقابية مخففة، كان أكبرها الحبس لسنتين.

29
الأيام السورية؛ عبد الله أبو كميل

تقف النساء الفلسطينيات أمام تشريعات قانونية عفا عليها الوقت، فالنصوص القانونية المتداخلة دون انسجام تعود إلى العهود العثمانية، والبريطانية، والأردنية، والمصرية، هي لم تعد تتوافق مع الواقع إذ انضمت دولة فلسطين في العقد الأخير لعدة اتفاقيات خاصة بالمرأة آخرها اتفاقية “سيداو”. بينما لا يزال قانون الأحوال الشخصية الأردني نافذاً في الضفة الغربية، وقانون أحكام العائلة المعمول به في قطاع غزَّة يتضمن أحكاماً مميزة ضد المرأة.. وأما التعديلات التي أدخلتها السلطة الفلسطينية على القانون لأجل حماية المرأة، فلا يزال القضاء هو المتحكم بإصدار العقوبات التخفيفية.

أنواع عدّة من العنف تتعرض لها النساء الفلسطينيات، لفظية وجسدية ونفسية واقتصادية.. إلخ، وأحياناً يكون الموت هو نهاية المطاف. عملية البحث التي أجريناها من خلال المراكز المختصة في توثيق جرائم قتل النساء، أشارت إلى أنَّ تفاصيل الجرائم كانت متنوعة من حيث الأدوات المستخدمة في القتل، وبينها قاسم مشترك هو تعرض أغلب النساء للتعذيب قبل الوفاة.

ترتفع أرقام الموت كلّ عام

الأعوام الخمس الماضية كانت الأكثر دموية، فمراكز الإحصاء وتوثيق الجرائم رصدت 118 حالة وفاة متنوعة بدعوى القتل في جرائم “شرف” أو بتسجيلها كانتحار. وقد سجل عام 2015 مقتل خمس عشرة فتاة، وعام 2016 وثقت 23 حالة كانت إحدى عشرة منها في غزَّة، في حين ارتفعت نسبة الجرائم عام 2017 لترصد 29 حالة قتل، منها ست عشرة فتاة في غزَّة، وقتلت 24 فتاة في عام 2018، منها 12 بجرائم “الشرف”.

أثناء بحثنا والتنقل بين مراكز الإحصاء، أو تلك المختصة برصد التعنيف الأسري، وجدنا أنَّ عدد حالات العنف التي أدت للوفاة في قطاع غزّة فقط منذ مطلع العام الحالي بلغ 11 امرأة. وكان السبب وراء عدم الكشف عن بعضها “الحفاظ على السمعة” داخل “مجتمع له خصوصيته”، سُجلت أغلبها حالات قتل في ظروف غامضة أو انتحار (وهو إجبار على الانتحار).

نسبة النساء اللاتي تعرضن للقتل من الفئة العمرية بين 18 – 29 سنة هي حوالي 37 في المئة من إجمالي الحالات المرصودة، وهناك ما نسبته 29 في المئة منهن متعلمات. وعلى صعيد علاقة الضحية بالجاني أو القاتل، كانت نسبة أن يكون الأخ هو مرتكب الجريمة حوالي 29 في المئة، و25 في المئة احتمالية أن يكون الزوج أو الأب من إجمالي عدد الحالات الموثّقة. كانت آخرها في غزَّة لطفلة صاحبة عشرة الأعوام، والتي توفيت على يد والدها ليلة الخميس 9 تموز/ يوليو الحالي، بعد أن أشبعها ضرباً واقتادها إلى غرفة خالية، مستكملاً فعلته، على الرغم من دخول الطفلة في حالة إغماء. ماتت آمال الجمالي، لأنها طلبت رؤية والدتها المطلقة.

وكشف لنا الجيران أنَّ أخت المقتولة، تالا، كانت قد هربت لمراكز شرطة المنطقة لأكثر من ست مرات مطالبة بحمايتها بسبب اعتداء والدها عليها بالضرب، من دون رادع قانوني بحقه، وقالوا أن ذلك الوالد كان قد ألقى أخَ الفتاتين من منزله بالدور الثاني من البناية، وأنه كاد أن يفارق الحياة.

القانون حبر على ورق

لن يرتدع الجناة، ولو قليلاً، طالما لم تتمكن السلطات الحاكمة من إنجاز وتطبيق قوانين العقوبات الحامية للمرأة الفلسطينية، والعمل وفق ما تم تعديله بالتوافق مع المؤسسات الحقوقية الرسمية. كان السبب في عدم الإنجاز هو توقف المجلس التشريعي المخول بتطبيق وتعديل القوانين بعدما عُطل من قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2007. وإن كانت قد أُدخلت بعض التعديلات على قانون حماية المرأة، إلَّا أنَّ القضاء يبقى هو المتحكم بذلك، من خلال إصداره أحكاماً عقابية مخففة كان أكبرها الحبس لسنتين.

المرأة جسد تتملّكه العائلة

النظام الأبوي يتعامل مع المرأة على أنَّها جسد فحسب، متاح لذكور العائلة التصرف به كيفما شاءُوا، فيلجأون إلى القتل للحفاظ على “الشرف”. لكن هناك أيضاً التهاون في تنفيذ القانون والأحكام القضائيّة المخففة الّتي تصدر في مثل هذه الجرائم، والتي تأتي في كثير الأحيان متّسقة تماماً مع منطق الأعذار المخفّفة، التي كانت سائدة قبل نفاذ تلك التعديلات.

لم نجد إحصائية دقيقة لإجمالي عدد النساء اللاتي قتلوا على خلفية “الشرف”، لكن استوقفتنا قضية فتاة قُتلت على يد والدها بعدما أقدم على دفنها تحت التراب في شمال قطاع غزَّة، لأنَّها تواصلت مع أحد أصدقائها عبر فايسبوك.

مكالمة هاتفية كانت سبب موتها

“كنا نسمع صرخاتها كلَّ يوم، كانت ممنوعة من الخروج للشارع، يُحرّم عليها اقتناء الهاتف، أو التواصل مع صديقاتها”. هكذا روى لنا جيران الشابة العشرينية، مادلين جرابعة، مسلسل الموت الذي كانت تتعرض له من والدها. وربما جعلت طبيعة التكوين المجتمعي في غزَّة هؤلاء الجيران يتخوفون من الإبلاغ عن التعنيف الذي تتعرض له الفتاة، تجنباً للمشاكل مع عائلة المُعتدي في ظل الحالة القبلية المهيمنة على المجتمع.

يتم التستر رسمياً على الكثير من حوادث قتل النساء في غزة، “حفاظاً على السمعة” داخل مجتمع “له خصوصيته”، وتُسجل أغلبها كحالات “قتل في ظروف غامضة” أو انتحار (وهو إجبار على الانتحار).

لكن الفاجعة الحقيقية كانت بعد أن اتصلت بأمها المنفصلة عن والدها منذ ثماني سنوات، لتهنّئها بقدوم العيد. لم تكن تعلم أنَّ المكالمة التي لم تتجاوز بضع دقائق ستكون نهاية لحياتها، فبعد أن علِم والدها بالأمر، انهال عليها بالضرب المبرح. وصلت الفتاة إلى إحدى المستشفيات الحكومية، وكانت آثار التعذيب واضحةً، والكدمات لونت وجهها وجسدها. حاول الأطباء إنقاذها، دون جدوى.

“الملف قيد الدراسة”. لكن ما يثير قلق كثير من الحقوقيين عند سؤالهم عن الوضع القانوني لهذه الحالة، أنهم يقولون أن القاتل سيحكم كحد أقصى لسنتين مع امتيازات كالإجازة الأسبوعية التي تُعطى لأمثاله. فالقانون قد يتعامل مع قضية مادلين على أنَّها ليست جريمة قتل، بل مجرد ضرب حتى الموت، ما يعني أن تتحول الحالة الجنائية إلى جنحة، مثل عشرات القضايا المشابهة.

قتلها بسيب ثماني دولارات

في المحاولة الثانية لقتلها في أقل من ساعة، ثبَّت يديها بقدميه، وأحكم الحزام على رقبتها، بعدما رفضت أن تعطيه 20 شيكلاً (8 دولارات)، ففارقت الحياة. هكذا قُتلت صفاء شكشك على يدها زوجها، الذي حاول أن يثبت أنَّها انتحرت قبل اعترافه بالجرم للجهات الأمنية.

صفاء التي تعمل كوافيرة للسيدات كانت قد ذهبت لبيت عائلتها قبل عدَّة أيام من الحادثة، بسبب تعرضها للضرب المبرح من زوجها. لكن والدها الذي يعاني من وضع اقتصادي صعب، كما زوجها العاطل عن العمل، استطاع أن يحلّ الخلاف ويعيد ابنته للبيت. وهي أخذت من والدتها 20 شيكلاً قبل أن تغادر المنزل، لشراء الطعام الأساسي لأطفالها… زوجها اعتدى عليها بشكل وحشي، لمدَّة لا تقل عن ساعة مستمرة قبل أن يُقْدم على خنقها.

قاتل ابنته سيحكم كحد أقصى لسنتين، مع امتيازات كالإجازة الأسبوعية. فالقانون قد يتعامل مع هذه القضية على أنَّها مجرد ضرب أفضى إلى الموت، ما يعني أن تتحول الجناية إلى جنحة، مثل عشرات القضايا المشابهة.

وقد اشتهرت حادثة مقتل الفتاة إسراء غريب بدعوى تلبّسها بالجن.

في أغلب الأحيان لا تُعلن الجهات الحكومية عن وقائع استكمال ملفات الجناة بعد عرضهم على القضاء، وتكتفي بالإعلان الأول عن تفاصيل القضية دون أن تذكر طبيعة الحكم القضائي المنفذ بالجاني. أما الهيئات الحقوقية التي تتابع بعض القضايا بشكل مباشر، كـ”الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان”، فقد رفضت بدورها الحديث عن الملفات التي يتابعونها بمثل هذه القضايا.

نساء الأراضي المحتلة 1948 بين مطرقة وسندان

ليست النساء الفلسطينيات في داخل الأراضي المحتلة 1948، بحال أحسن من باقي النساء في الضفة وغزَّة، بل ربما كان العكس هو الصحيح. فهيمنة الذكورية والأصولية ساهما في تفشي العنف ضدهن، يضاف لها لعنات أخرى على رأسها الشرطة والقضاء الإسرائيليان المستقيلان عن تطبيق القانون ضد مرتكبي جرائم القتل.

أجرينا اتصالًا هاتفياً بالمديرة العامة لجمعية “كيان” وهي تنظيم نسوي في حيفا، التي قالت إنَّ حصيلة من قُتل من النساء خلال العام الجاري 2020 هو ثمانٌ، موضحةً أنَّ نسبة النساء اللاتي توجهن بشكاوى وبلاغات على خلفية تعرضهن للعنف الأسري ارتفعت بزيادة 40 في المئة خلال الأشهر الماضية، وتحديداً في فترة انتشار وباء كورونا. وفي عام 2019 سجل مقتل 11 امرأة فلسطينية في أراضي الداخل المحتل نتيجة العنف بأشكاله المتنوعة، بينما سجل عام 2018 مقتل 14 امرأة، وفي عام 2017 سُجّل مقتل 10 نساء، أما عامي 2016-2015 فسجّل مقتل 24 امرأةً فلسطينية.

وحول آلية الردع القانوني أكدت أنَّ الشرطة والقضاء الإسرائيلي متواطئتان في التعامل مع الجناة، فيما يخص النساء العربيات، وأن 80 في المئة ممن قُتلن كنَّ قد تقدمن بشكوى في مراكز الشرطة الإسرائيلية إلَّا أنَّها تجاهلتهن. وحين يقبض على الجناة، فإن القضاء الإسرائيلي في أغلب الأحيان يعمل على إطلاق سراحهم.

وكانت الجمعية قد بادرت نهاية الشهر الماضي الى إطلاق حملة “فضا، فلسطينيات ضد العنف”، حملت شعار “نحن صوتُكِ”، تشكلت من ائتلاف نسوي عابر للحدود الجغرافية والسياسيّة، يضم 21 مؤسّسةً نسويّة فلسطينيّة وحقوقيّة تعمل في الضفة الغربيّة، وقطاع غزة، والداخل الفلسطيني، والقدس، هدفها تشجيع النساء اللاتي يواجهن العنف، على التوجه لطلب المساعدة، وعدم التردّد والانتظار حتى فوات الأوان.

وأثارت رسائل الحملة جدلاً ساخناً على وسائل التواصل الاجتماعي بين التيّارات التي تبرّر العنف وتشرّعه، وبين الحركة النسويّة التي تنادي بالمساواة وترفض التمييز بكافة أشكاله، وتناهض العنف ضدّ المرأة. ووصلت حالة الاشتباك بين هذه التيارات حدَّ التهديد بالاغتصاب للنساء المشاركات في حلقة تلفزيونيّة على فضائيّة “معاً”!


عبد الله أبو كميل، صحافي من غزة

مصدر المادة منشورة في موقع السفير العربي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.