جدتي راشيل

الأيام السورية؛ هديل الشامي

حتماً أخط الآن حروفاً متأخرة… كانت تسكنني منذ مدة… وآن لها أن ترى نوراً على شغاف أوراقي البيضاء… مررت بذاكرتي وعدت بها إلى أعوام مضت لأذكر جدتي “راشيل” التي لم تفارقني ملامحها… شعرها الأسود القصير… القامة المياسة رغم أنها في الخامسة والستين من عمرها… السمرةُ الجذابة… لم تكن جدتي لأمي ولا حتى جدتي لأبي… بل كانت جدتي وحدي لا يشاركني فيها أيٌ من دماء والدي التي تسري في عروقي…

كنت في الخامسة من عمري حين كانت أمي تصحبني معها لرؤية الجدة “راشيل”… أدق الباب بيدي… تحملني الجدة بيديها تطير بي بكلتا يديها… تقبلني… يدور الحوار بينها وبين والدتي… أما أنا فأبدأ رحلة اللعب والعبث بكل شيء حولي “البحرة” المملوءة بالماء… والياسمين الذي تنثره جدتي “راشيل” داخلها… الأرجوحة الصغيرة بالقرب من شجرة “الليمون”… تبدأ أمي بتوبيخي “هيا اجلسي بالقرب مني… هذا يكفي”، أما جدتي السمراء فتقول لها حسبك “دعيها تلهو كما تشاء” إنها حفيدتي المدللة.

رائحة قهوتها مازالت في “خاطري” كما رائحة غيابها الذي آلمني.

كانت جدتي “راشيل” تعرف باسم “ليلى” في الحي العتيق في دمشق… كل النسوة ينادينها “ليلى” وقليل منهن من يعرف أن هذه السيدة التي لم تختلف في زيها عن زيهن وفي تصرفاتها وطريقة حياتها وحياة أبناءها أنها من الديانة “اليهودية”… كانت زوجةً لرجل مسلم أحبها وأحبته كما أحب اليهود والمسلمون والمسيحيون بعضهم آنذاك.

لم تكن الديانة تعني شيئاً يومها “أدب المعاملة”… “المحبة”…”اللطف” و”السماحة” وعوامل رائعة كانت تحكم العلاقات الإجتماعية آنذاك.

كانت جدتي”راشيل” أماً لصديقة والدتي “نسيبة”… التي هاجرت برفقة زوجها للجزائر… وكانت والدتي تحب زيارتها لحبها لصديقتها التي كانت تفتقدها.

ماتت جدتي راشيل في بيتها الدمشقي… الرحمة لها… الرحمة لكل من أحبوا سورية وبقي حبها ينبض بقلوبهم إلى آخر حياتهم.

كانت جدتي راشيل تشبه بطيبتها ورقتها سماحة الكتب الإلهية.

ولعلي اليوم أفتقد جدتي التي كانت جميلة كذلك “الزمن الجميل”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.