جدار المكسيك القديم: الجدار الأول بين أمريكا والمكسيك

جدران الفصل /4/

«نحن لم نعبر الحدود ولكن الحدود هي التي عبرتنا»

الأيام السورية؛ سلام محمد

لا تنفصل قصة الجدار الأول ما بين الولايات المتحدة والمكسيك عن قصة الاستعمار الأمريكي، فبالإضافة إلى كون كل أراضي الأمريكتين أرضًا محتلة، فإن ولايات جنوب غرب الولايات المتحدة الملاصقة للمكسيك (من تكساس إلى كاليفورنيا) هي أراض محتلة مرتين إذ استولت عليها الولايات المتحدة من المكسيك عام 1848.

البداية من تكساس

سمحت المكسيك منذ نشأتها للمستوطنين البيض بالسكن في تكساس حتى صاروا أغلبية. ووجد المستوطنون في تكساس فرصة سانحة لتتكاثر إقطاعياتهم وعبيدهم. وفي عام 1829 حرمت المكسيك، التي كان يحكمها رئيس ينحدر من أمشاج أنساب إفريقية، وأسبانية، وأمريكية أصلية، العبودية في سائر أراضيها باستثناء تكساس التي مُنحت فرصة عام لإنهاء العبودية، كما سمحت للسادة البيض بتقنين وضع عبيدهم بأن يجعلوهم خدمًا. إلا إن المستوطنين البيض ثاروا على حكومة المكسيك وطالبوا بالاستقلال، ثم احتموا بالجيش الأمريكي.

صورة للجدار القديم -مصدر الصورة: الحرة

وفي عام 1846 بدأت الحرب الأمريكية المكسيكية التي انتهت بعدها بعامين حين دخل الجيش الأمريكي إلى العاصمة المكسيكية، وأجبر حكومتها على تسليم الولايات الحدودية إلى الولايات المتحدة.

طبعًا، كانت النتيجة أن الولايات المتحدة ورثت فيما ورثت شعبًا من ذوي الأصول المكسيكية كان يقطن هذه الولايات. وإن كانت الولايات المتحدة قد أعطتهم الخيار ما بين أن يحتفظوا بالجنسية المكسيكية، أو أن يحصلوا على الجنسية الأمريكية، فإنها ظلت تتعامل معهم كما لو كانوا عالة عليها، ولم يسلموا من العنصرية التي تمارس ضد كل الأقليات العرقية في تلك البلاد.
كما أدت الممارسات الحدودية إلى الفصل بينهم وبين بقية أهلهم في المكسيك أو إلى التمييز ضد هؤلاء الأهل إن جاؤوا إلى الولايات المتحدة. مقابل ذلك، رفعت جمعيات المواطنين من أصل مكسيكي ومعها جمعيات حقوق المهاجرين شعار «نحن لم نعبر الحدود ولكن الحدود هي التي عبرتنا”

شعب الندي

تتعدد القبائل والشعوب التي عاشت في هذه الأرض قبل استيطان الأوروبيين، ومن أكبر هذه الشعوب قوم انتشروا من جنوب غرب الولايات المتحدة إلى شمال المكسيك يسمون أنفسهم بالندي؛ (أي الشعب أو الناس) بينما سماهم الأنثروبولوجيون والمستعمرون بـ«الأباتشي» (وهو الاسم الذي كان أعداؤهم يطلقونه عليهم قبل الغزو). ظل شعب الندي عصيًا على سياسات التهجير والإبعاد اللذين مارستهما حكومات الولايات المتحدة والمكسيك؛ حتى كان آخر الشعوب الأصلية الأمريكية التي تلقي سلاحها.

مكسيكييون يتجاوزون الجدار – مصدر الصورة: روسيا اليوم

تضع الناشطة والأكاديمية، ابنة شعب الندي، مارغو تاميز الجدار الحدودي في سياق محاولة الولايات المتحدة الأمريكية تطبيق سياسات الاحتجاز والاعتقال على الحياة اليومية للسكان الأصليين، وغيرهم من المجتمعات المهمشة أو المقاومة للهيمنة الثقافية الأمريكية البيضاء، فالجدار يلتهم مساحات من أراضي السكان الأصليين، كما يفصل ما بين أبناء العائلة الواحدة على جانبي الحدود.

وسواء أكانت أجهزة الرقابة التي يعج بها الجدار ونظامه الأمني موجهةً ضد شعب الندي أو سائر شعوب الأرض، فإن وجود هذا النظام الأمني في أراضي الندي يعني؛ أن يعيشوا حياتهم في ظل نقاط تفتيش وأبراج مراقبة ومروحيات مراقبة تطير من دون طيار وغيرها من مظاهر العسكرة. ويأتي الجدار متممًا لشبكة من الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش التي تمتلئ بها مناطق الندي في جنوب غرب الولايات المتحدة.

تخبرنا تاميز عن طفولتها خلف الحدود في تكساس قبل بناء الجدار، وكيف كان الارتحال من بلدتها لزيارة أقاربها يعني التوقف على حواجز تفتيش الجيش الأمريكي، وكيف وعت من سن صغيرة أن بشرتها السمراء كانت كافية لإثارة حفيظة الجنود على الحاجز، وكيف أنها وأهلها كانوا يحتاجون إلى أن يبرروا للجنود حاجتهم لزيارة أقاربهم، التي كانت تستتبع الشك بهم وبأقاربهم، وما إذا كان ثمة خطب مريب يستدعي أن يزوروا أهلهم.

ترسيم الحدود

قرابة عام 1882، بدأت جهود ترسيم الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك لإنهاء حالة الكرّ والفرّ التي كانت تمارسها مقاومة الندي عبر الحدود.
ورأى الطرفان: الأمريكي والمكسيكي أنّ ترسيم الحدود ضروري لتنسيق جهود قواتهما المسلحة في تتبع عناصر المقاومة، وكذلك لملاحقة الندي غير المحاربين الذين فضلوا العيش في جبال المكسيك وكهوفها على الحياة في المحميات الأمريكية.

الجدار يتحول للوحات فنية- مصدر الصورة: العربي

تطورت هذه الجهود بعد ذلك بغية التحكم في حركة المهاجرين والمهربين ولفرض الرسوم الجمركية، ولكي يتسنى معرفة مكان مقتل المهرب أو المهاجر غير الشرعي حين تطلق قوات حرس الحدود النار عليه.

ولأن الطبيعة الوعرة والتوسع العسكري للولايات المتحدة تواطأا ليفرضا حدودًا معقدة ومتداخلة، ارتأى الطرفان أن الوسيلة الأنسب لترسيم الحدود تحديدها بسياج. وتضمنت عملية ترسيم وتسييج الحدود، كذلك عملية تشريعية لتحديد الفئات التي ستحول الحدود دون عبورهم إياها، والتي تضمنت المجرمين السابقين والعاهرات والعمال المستقلين والصينيين والمختلين عقليًا ومتعددي الأزواج والفوضويين.

بدأ التسييج بالأخشاب والأسلاك الشائكة، ثم أضيفت لاحقًا في بعض المناطق ألواح الحديد والأسمنت، وجيء بأسلاك شائكة من معسكرات الاعتقال التي كانت الحكومة الأمريكية قد جمعت واحتجزت فيها مواطنيها ذوي الأصل الياباني إبان الحرب العالمية الثانية. وجيء بألواح معدنية من مخلفات حرب فيتنام.

بيل كلينتون وعملية حارس البوابة

في عام 1994، تبنى فتى الديمقراطيين الأغر بيل كلينتون سياسة حدودية جديدة سماها «عملية حارس البوابة» وجعل شعارها «المنع من خلال الردع»، أي ردع المهاجرين غير الشرعيين من عبور الحدود بدلًا من احتجازهم بعد أن يعبروا الحدود على ما كان معمولًا به قبلها.

الجدار بين المكسيك وأمريكا -مصدر الصورة: إضاءات

وبمقتضى العملية، دُجّجت الحدود بالدوريات العسكرية وأجهزة المراقبة والأسيجة والجدران. ونتيجة لهذه السياسة، التي أعلنتها نيابةً عن كلينتون المدعية العامة جانيت رينو (ديمقراطية الهوى والمرأة الأولى التي شغلت هذا المنصب) دُفع المهاجرون إلى سلوك النقاط الحدودية الخطرة، حتى وصفها أستاذ القانون بيل هينغ بـ«مصيدة الموت»، مذكرًا بأنها أدت إلى تضاعف حالات الوفاة في أثناء محاولة عبور الحدود (حتى وصلت إلى ستة آلاف منذ إعلان هذه السياسة في 1994 وحتى مقال هينغ في 2015)، وبأن كثيرًا من هؤلاء المهاجرين يأتون من أمريكا الوسطى هربًا من الدمار الذي أحدثته هناك سياسات الولايات المتحدة في المقام الأول، واصفًا «عملية حارس البوابة» بـ«العنصرية وانعدام الأخلاق».

يعجّ الجدار بآليات التحكم والمراقبة: متى يفتح الباب، ومن يحق له العبور، ولأي فترة زمنية تعانق الأم طفلها، فضلًا عن الكاميرات والمجسات الإلكترونية والزنانات.
وفي عام 1996 وقع كلينتون قانون «إصلاح الهجرة غير الشرعية ومساءلة المهاجرين» (والذي أقره الكونغرس بدعم جمهوري-ديمقراطي مشترك). خصص هذا القانون مبالغ إضافية لتعزيز وبناء الجدران الحدودية، كما وسع من صلاحيات التهجير التي تمتلكها السلطات الأمريكية.

لم يكن هذا كافيًا بالنسبة للجمهوريين ولبوش الابن، الذي سيوقع بعدها بعقد «قانون السياج الآمن». وبموجب هذا القانون، الذي مر أيضًا بدعم جمهوري-ديمقراطي مشترك، امتد السياج ليغطي 700 ميلٍ (أي حوالي 1126 كم) من الحدود.

وأصبح من الطبيعي أن ترى عائلة بأطفالها تقف أمام الجدار بانتظار فتح البوابات، أو أن ترى أمّا تحاول عبور الأسيجة أو الأسلاك الشائكة أو ألواح الحديد والأسمنت أن تلمس طفلها، أو أخًا يحاول أن يجد عبر فراغات الجدار أخاه، أو عمّة تحاول أن تدفع إصبعها عبر السياج لتتلمس إبهام ابن أخيها الرضيع الذي ولد على الجانب الآخر من الحدود، وكلها تفاصيل حقيقية ترويها ألواح وأسلاك الجدار المختلفة، وترويها بالأخص «حديقة الصداقة» الواقعة على جانبي الجدار ما بين سان دييغو الأمريكية وتيوانا المكسيكية.

حديقة الصداقة

عام 1971، وفي أثناء إدارة ريتشارد نيكسون، زارت زوجته پات الحدود وساءتها الأسلاك الشائكة، فطالبت بفتح فجوة في الحدود حتى تصبح مكانًا لالتقاء الشعبين، وبالفعل بنيت «حديقة الصداقة» في هذا المكان، وأصبحت المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الأهل بأهلهم من على جانبي الحدود. ولكن إدارة بيل كلينتون بنت سياجًا داخل الحديقة عام 1994 بموجب سياسة «حارس البوابة» وأصبح الناس لا يلتقون في الحديقة إلا من خلال الأسيجة. ثم أغلقت الحديقة تمامًا من الطرف الأمريكي عام 2009 (في حين أصبحت من الطرف المكسيكي مكانًا للقاءات فنية، وثقافية، وتضامنية، ولزراعة الأشجار ورسم الجداريات وتلاوة الصلوات).

صورة للجدار الحديدي – مصدر الصورة: ميدل ايست اونلاين

أنشأت السلطات الأمريكية سلكًا شائكًا مزودًا بأجهزة المراقبة ومجسات الحركة بموازاة السياج الأول، ثم أعادت فتح الحديقة في العام 2012 ليومين فقط في الأسبوع لمدة أربع ساعات. ويشير الموقع الرسمي للطرف الأمريكي من الحديقة إلى سلسلة من القواعد الصارمة التي تمنع تبادل أي شيء، ولا حتى الرسائل وقصاصات الورق، ما بين طرفي السياج.

وفي 2013، قررت السلطات الأمريكية أن تسمح، بمناسبة «يوم الطفل» المكسيكي، لعدد محدود من المكسيكيين المقيمين في الولايات المتحدة بمعانقة أهليهم في المكسيك لمرة واحدة فقط عند البوابة الحدودية الواقعة في السياج داخل حديقة الصداقة. استفاد من هذه «الفرصة» بشكل خاص أبناء الأمهات المكسيكيات الذين هُجّرت أمهاتهم إلى المكسيك، إذ لا يستطيع هؤلاء الأبناء مغادرة الولايات المتحدة بموجب الإقامات المؤقتة التي «منحتهم» إياها إدارة باراك أوباما.

اصطف عدد محدود من الأمهات اللاتي تحرت السلطات الأمريكية عنهن، وسمحت لهن أخيرًا بمعانقة أطفالهن، واصطف أطفالهن على الجانب الآخر، وفتحت البوابة لتعانق كل أم طفلها لمدة لا تتعدى ثلاث دقائق، لتفرّق قوى الأمن بعدها بينهم، مع تحذير للأطفال وللأمهات؛ بأن الأطفال لو خرجوا عن حدود الانضباط فستغلق البوابات وتلغى الزيارة ،وأنه سيكون من واجب الأمهات زجر أطفالهن إذا ركضوا ليعانقوهن قبل أن تأذن قوات الأمن.

مصدر راشيل سانت جون، خط في الرمل، ترجمة أحمد رياض دردير
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.