جثة أستانا متى تدفن؟

تكاد جلسات أستانا أن تكون بديلاً عن بيان جنيف والقرار ٢٢٥٤، وهم من أوراق القوة القليلة الباقية في يد المعارضة السورية، بعد أن خسرت أغلب أوراقها نتيجة الغباء والنرجسية إضافة للتشرذم وانعدام التنظيم.

الأيام السورية؛ عمار جلو

مرت ستة عشر جلسة من جلسات أستانا، منذ يناير / كانون الثاني ٢٠١٧ حتى يوليو / تموز ٢٠٢١ هذه الجلسات التي لا تشبه في أدائها إلا رقصة الستر بتيز (Stripteasa) حيث تتعرى الراقصة مع كل حركة من حركاتها، حتى ضاع تصنيفها بين الرقص والتعري. وهو حال أستانا ورجالها الذين ضاع توصيفهم بين العمل السياسي والتعري السياسي.

أكد بيان الجلسة السادسة عشر من جلسات أستانا المنعقدة في ٦/٧ يوليو / تموز الحالي على “وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية وسلامتها واستقلالها” تكراراً لأغلب بيانات أستانا منذ جلستها الأولى المنعقدة بتاريخ ٢٣/٢٤ يناير /كانون الثاني ٢٠١٧، بعد أن استدرجت موسكو عدداً من شخصيات المعارضة السورية، لحضور مؤتمر يتبنى الحل السياسي.

وحسب الزعم الروسي، عن طريق جمع طرفي النزاع (المعارضة والنظام) بهدف الوصول إلى حل الصراع وإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين لدى الطرفين، بموجب المبادرة السياسية المنصوص عليها في البيان الختامي للجلسة الثانية فبراير / شباط ٢٠١٧. تم تشكيل لجنة ثلاثية (روسيا، تركيا وإيران) لمراقبة وقف إطلاق النار وتثبيت خطوط الهدنة المتفق عليها بين قوات النظام وقوات المعارضة، برعاية روسية تركية نهاية عام ٢٠١٦. نتيجة ذلك تم إقرار أربع مناطق لخفض التصعيد في الجولة الثالثة في مارس/ أذار ٢٠١٧. انضمت الولايات المتحدة الأمريكية إلى المفاوضات بصفة مراقب، في الجولة الرابعة من جولات أستانا.

وكذلك فعل المبعوث الدولي الخاص السابق إلى سوريا “ستيفان ديمستورا”. فيما استجرت الجولة السادسة ممثلين عن الفصائل المسلحة، ليتحول المؤتمر إلى الصفة العسكرية، بديلاً عن الحل السياسي المراد للمعضلة السورية. وهو ما ترنو إليه موسكو بجعل المؤتمر فناء خلفي لسياستها الرامية للتشويش على العملية السياسية المتفق عليها بموجب القرار ٢٢٥٤ وبيان جنيف. لذا تم رفد أستانا بمؤتمر عُقد في سوتشي يناير/ كانون الثاني ٢٠١٨ بعنوان (الحوار الوطني السوري). كان من مُخرجاته اللجنة الدستورية التي اُفترض لها العمل على إعداد الإصلاح الدستوري، تمهيداً للتسوية السياسية وتطبيع الأوضاع وإعادة إعمار البلاد.

ورغم خرقها لبيان جنيف والقرار ٢٢٥٤ الذي ربطها به، فقد تم تبنيها من المبعوث الدولي “سيفان ديمستورا” لتماهيها مع أحد سلاله الأربعة. لذا عقدت اللجنة المذكورة خمس جلسات لكن دون تقدم يذكر، إن لم نقل إنها دفنت تحت صناديق السيرك الانتخابي الذي تم إجراؤه في دمشق أيار ٢٠٢١، على نفس المآل الذي وصلت له جلسات أستانا الماراثونية، إذا تم قضم والتهام مناطق خفض التصعيد باستثناء “إمارة إدلب”، التي تكتسي معركتها بُعداً دولياً بحكم القنبلة الإنسانية المتواجدة على أراضيها، والتي تمنع فتح أي معركة لتأثر دول عديدة بنتائجها. مما قد يفرض عليها تغيير في سياستها وهو ما تتحسب له موسكو.

تقول إحدى المقولات: “إذا ركبت القطار الخطأ فحاول أن تنزل في أول محطة فكلما طالت المسافة زادت التكلفة”. وهو ما يعبر عنه البريطانيون بالقول: إذا انتبهت أنك أصبحت في حفرة، فيجب عليك التوقف مباشرةً عن الحفر. غير أن معارضتنا العتيدة في أستانا مُصرة على الخطأ والخطيئة، لا بل أنها تصر على تحقيقها الانتصار تلو الأخر.

ففي غباء مطبق أو كذب مفضوح (العبارات توصيف وليست تحقير أو إهانة) يؤكد الناطق الرسمي لوفد المعارضة إلى أستانا، “أيمن العاسمي” على الضغط التركي الذي كان عاملاً جوهرياً في امتناع الاتحاد الروسي عن التصويت في مجلس الأمن، مما سهل تمرير تمديد قرار المساعدات العابرة للحدود. وكذلك بنى العاسمي على همس المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا “غير بيدرسون” لهم عن موعد قريب لعقد جلسة اللجنة الدستورية، أن تقدماً ما قد حصل كون الأخير قد أخبرهم سابقاً، أنه لن يتم عقد أي جلسة للجنة إذا لم يكون هناك جديد.

أما رئيس الوفد المعارض إلى أستانا “أحمد طعمة” فلم يجد ما يقدمه للجمهور سوى خطبة نحوية بليغة، نتيجة غياب أي أمل أو طرح سياسي في الجولة الأخيرة. وأنهى خطبته بأمل أن يُحس النظام السوري أن هناك مواطن سوري في معتقلاته. يبدو هذا الأمل ضمن الخطة الخمسية التالية من جولات أستانا بعد أن عجزت خطتها الخمسية الأولى عن تحرير معتقل واحد. نتيجة لذلك يمكن تحديد أسباب عمق المأساة السورية الموضوعة بين إجرام النظام وغباء المعارضة ونرجسيتها، إضافة للكذب المفضوح الذي يمارسه الطرفين على جمهورهما.

بتصريح دون حدث يستدعيه، يُعلن السفير الامريكي في كازاخستان “وليم موزير” في إبريل / نيسان هذا العام “أن بلاده تعتبر محادثات جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة أفضل طريق لحل النزاع في سوريا، وبالتالي لا تخطط للعودة كمراقب إلى ما يسمى (صيغة أستانا)” بهذا التصريح تم إطلاق رصاصة الرحمة على ميت سريرياً، وإعلان وفاته رسمياً ضمن سياق إعادة الملف السوري لساحة القرار ٢٢٥٤، وعدم السماح لموسكو بقولبته بقالب أستانا أو سواها.

ويبدو التصريح المذكور متقدم على مواقف الإدارة الامريكية التي يمثلها السفير “موزير” والتي تبدو غير متعجلة بطرح موقفها من القضية السورية، إلا بعد الانتهاء من النووي الإيراني سلباً أو إيجاباً. غير أنه يحمل في حيثياته، سحب التفويض الضمني الممنوح لروسيا سابقاً، لإيجاد صيغة حل سوري. وهو ما لم تقرأه معارضتنا الأشاوس، كغيره من التصريحات والأحداث والعلاقات الدولية وسبل التعامل معها أو من خلالها.

لذا نراهم رفضوا بداية حضور مؤتمر جنيف نتيجة أوهام القوة والنصر، وهم اليوم تحت “مبررات عدم إعطاء ذريعة للنظام بتحميل المعارضة مسؤولية تعطيل الحل السياسي ” يتهافتون على حضور أي مؤتمر، دون تحليل وتقدير القيمة المضافة التي سيقدمها هذا المؤتمر للحل في سوريا، ودون تقدير القيمة المضافة التي يمكن تقديمها. “أنا” بحضوري للمؤتمر وهو ما نشهده في استمرار جولات أستانا ومشاركتهم فيها. وهي التي ولدت بدايةً من رحم معركة تسليم مدينة حلب، وقلصت المساحة الخارجة عن سيطرة النظام، المسماة بمناطق خفض التصعيد، التي أصبحت أثراً بعد عين. وكل ما أنجزته الأستانا في جولاتها، لا يعدو عن كونه مظلة لدخول قوات دولة أخرى إلى الأرض السورية، تحت مسمى نقاط المراقبة التي لم تحصّن الدم السوري، وانتزاعه من أرضه كما تقتضيه توافقات أستانا. على العكس من ذلك أخلت الشمال السوري من كل فصيل لا يأتمر بأمرها وينفذ أجندتها.

تكاد جلسات أستانا أن تكون بديلاً عن بيان جنيف والقرار ٢٢٥٤، وهم من أوراق القوة القليلة الباقية في يد المعارضة السورية، بعد أن خسرت أغلب أوراقها نتيجة الغباء والنرجسية إضافة للتشرذم وانعدام التنظيم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.