جبران خليل جبران.. تمجيد الإنسان والطبيعة ونغمة الحزن وأنين الألم

للحبِّ في حياةِ جبران مكانةٌ كبيرة؛ فهو ـ على غِرارِ الشعراءِ العُذْريِّينَ العرب، والرومانسيِّينَ في الغرب ـ يؤمِنُ بقضاءِ الحبِّ وقَدَريَّتِهِ التي لا قِبَلَ للإنسانِ بِرَدِّها أو تجنُّبِها.

الأيام السورية؛ بتول حسن

جبران خليل جبران، فيلسوف وشاعر وكاتب ورسام لبناني أمريكي، وأحدُ روَّادِ النهضةِ في المنطقةِ العربية، ومن كبارِ الأدباءِ الرمزيِّين. ولد في 6 يناير 1883 في بلدة بشري شمال لبنان وتوفي في نيويورك 10 نيسان/ أبريل من العام 1931 بداء السل، له العديد من المؤلفات الأدبية التي ساهم من خلالها بتطوير الأدب العربي الحديث، حيث اتبع فيها المذهب الرمزي، وأسلوب التشكيل الفني.

وكانَ جبران صاحِبَ مدرسةٍ أدبيةٍ تحمِلُ لونًا خاصًّا؛ حيث اتَّسَمَ جبران بسِعَةِ الخيالِ وعُمْقِ التفكيرِ وغزارةِ الإنتاج، والأسلوبِ السهلِ الجامعِ بينَ حرارةِ الوِجْدان، وجمالِ الصورة، والتأثُّرِ بالطبيعة، والالتزامِ برسمِ المعنى مع إحاطتِهِ بهالةٍ من الغموض؛ حيث تُعَدُّ سَرْديَّاتُه رمزيَّةً إلى حَدٍّ كبير؛ مما يُثيرُ الذهنَ والفكرَ لدى المتلقِّي.

النشأة والهجرة

هو “جبران بن خليل بن ميخائيل بن سعد”، وُلِدَ في بلدةِ “بشري” بشمالِ لبنان في 6 كانون الثاني/يناير عام 1883م لعائلةٍ مارونيةٍ فقيرة. تعود أصولها إلى سوريا، حيث نزح أحد أجداده قديماً من دمشق إلى لبنان.

كان أبوه رجلاً فقيراً، وكغيره من سكان القرية كان يعمل في تربية المواشي، أمّا أمّه فهي السيدة كاملة رحمة، وكان لها دور وأثر كبيرين في حياة وشخصية جبران، إذ كانت تشجعه وتحثه على تنمية موهبته في الرسم، والكتابة الأدبية، وظلت تسانده وتدعمه منذ طفولته.

سافَرَ منذ صِغَرِهِ مع عائلتِهِ إلى الولاياتِ المتَّحدةِ عامَ ١٨٩٥م، وهناك تَفشَّى داءُ السُّلِّ في أسرتِه، فماتوا الواحدُ تِلْوَ الآخَر، وعلى إثرِ ذلكَ عانى جبران معاناةً نفسيةً ومادِّيَّةً كبيرة، إلى أنْ تعرَّفَ على سيدةٍ تُدْعَى “ماري هاسكل”؛ حيث أُعجِبتْ بفنِّه فتبنَّتْه ومنحَتْه الكثيرَ من مالِها وعطفِها.

جبران خليل جبران في طفولته(العين الاخبارية)

تعليم وثقافة جبران

بدأ جبران بتلقي تعليمه في سن الخامسة في مدرسة (إليشاع)، وهي مدرسة تدرس مبادئ اللغة العربية، والفرنسية، والسريانية، ثمّ انتقل مع والدته إلى بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث انتسب هناك إلى مدرسة تُعلِّم مبادئ اللغة الإنجليزية، فأمضى فيها ثلاث سنوات، ثمّ عاد إلى لبنان، وانتسب إلى مدرسة (الحكمة) حيث أمضى فيها ثلاث سنوات أخرى أتقن خلالها اللغة العربية، ثمّ اضطر إلى العودة إلى بوسطن بسبب وفاة أمه وأخيه بمرض السل.

في عام 1908م سافر إلى فرنسا لإتمام دراسته في فنون الرسم في أكاديمية (جوليان) في باريس، وقد حقق هناك نجاحاً كبيراً.

مصادر ثقافة جبران

كان لنشأة جبران في أمريكا ـ التي كانت تشهد آنذاك نهضة فكرية ـ أثر كبير في شخصيته، فقد شعر بالتناقض بسبب الفرق بين البيئة الغربية والبيئة الشرقية بكل جوانب الحياة الفكرية، والاجتماعية، والسياسية، ما جعله يثور ويسخط على التقاليد والأنظمة التي كانت سائدة في الشرق في تلك الفترة، ويصب جام غضبه عليها، وقد كان جبران واسع الثقافة كثير القراءة لا سيما لكّتاب الغرب أمثال (شكسبير)، والشعراء الرومنسيين أمثال (بليك كيتش)، و(شلي)، و(نتشه)، إضافة إلى قراءته للأساطير الكلدانية، واليونانية، والمصرية، وقد تأثر جبران ببعض شعراء الغرب، وتجلى ذلك بمحاكاة قصائد النثر للشاعر الأمريكي (والت ويتميان)، الذي يُعدّ مبتدع هذا الفن، كما تأثر كذلك بفلسفة (أفلاطون) من حيث الرومانسية والتصوف.

بدايات جبران خليل جبران الأدبيّة

بدأ جبران بنشر مقالاته الأدبية في شهر آذار/ مارس عام 1904م، حيث نشر أول مقال له في صحيفة المهاجر، وكان المقال بعنوان (رؤيا)، وقد أعجب به القراء كثيراً لما اتسم به من جمال في الأسلوب، وسعة في الخيال، ما شجع جبران على نشر سلسلة مقالات أخرى في نفس الصحيفة اتّسمت بالرومانسية، أطلق عليها اسم (رسائل النار)، ونشرت معظم هذه المقالات فيما بعد في كتاب (دمعة وابتسامة)، ثمّ بعد مرور عام نشر مقالاً طويلاً بعنوان (الموسيقى).

بعد ذلك أصدر مجموعتين قصصيتين الأولى بعنوان (عرائس المروج)، والثانية بعنوان (الأرواح المتمردة) عبّر فيهما عن نقمته على المجتمع الإقطاعي الظّالم والفاسد، وعن رفضه لتقييد الحب بتقاليد كان يرى أنّها بالية، وفي نفس تلك الفترة كان قد أقام معرضاً للرسم في بوسطن.

أسلوبه الأدبيّ

اتبع جبران في أدبه أسلوبين، امتاز الأول بالقوة، والتمرد على القيود العقائدية والتقاليد، والدعوة إلى الحرية ورفض الموروث، وامتاز الأسلوب الثاني بتقصي الأهواء، وحب الاستمتاع بالحياة، فهو يثور ليهدم، ثمّ يُعاود البناء.

تبع جبران عدة أساليب للتعبير عن فكره، كاستخدام الأسلوب القصصي، وأسلوب التأمل، وأسلوب المثل. غلبت الرمزية على معظم كتابات جبران، عدا كتابي (آلهة الأرض)، و(حديقة النبي)، وقد أسهم في رمزيته متأثراً بذلك بالكتاب الغربيين أمثال (شلي)، و(بليك).

اتسمت كتابات جبران بالصور الفنية الجميلة الخيالية المليئة بالمعاني والعبارات العميقة. وتميّز أسلوبه بسلاسة الألفاظ، والبساطة في التعبير. استخدم الكثير من الترادف وتكرار الجمل والعبارات التي تُغني النص بموسيقى عذبة.

جبران خليل جبران(عرب 48)

الواقعيّة والرومانسيّة في أدبه

تجلت الواقعية في أدب جبران لا سيما في كتاباته القصصية، حيث استوحى هذه القصص من الواقع، وما يحيط به من آلام البشر ومآسيهم، فهو يطرح القضية بكل أبعادها، ثمّ يشخص العلّة داعياً إلى رفضها ومعالجتها، وقد طرح جبران العديد من القضايا الاجتماعية وقضايا الإنسان المجرد، كقضية ظلم المجتمع للمرأة، وقضية ظلم رجال الدين المتسترين باسم الدين، إضافة إلى طرح القضايا السياسية، كدعوته لأبناء أمته للثورة على الحكم القائم.

أمّا رومانسية جبران، فقد تجلت في تمجيد الإنسان الذي اعتبره أساس الكون ومحوره، وفي تمجيد الطبيعة التي شغفه حبها، واعتبرها الملاذ الوحيد للإنسان من الحزن، والألم، والظلم، بل واعتبرها الجنة، ودعا الناس إلى العودة إلى أحضانها، كما ظهرت الرومانسية في أدب جبران عن طريق تقمصه لظواهر الطبيعة، إضافة إلى حبه لمناجاة هذه الظواهر، كالليل، والقمر، والبحر، والرياح، وتتجلى رومنسية جبران أيضاً في نغمة الحزن وأنين الألم الدائمة في أدبه.

أثر الطبيعة في نفس جبران وأدبه

كان لحب الطبيعة أثر كبير في شخصية وأدب جبران، فقد عاش جبران في أحضان الطبيعة في طفولته في قريته بشرّى التي تتمتع بجمال خلاب لم تصله يد الحضارة ولم تعبث به، فظلت هذه الطبيعة مرتسمة في خيال جبران رغم تنقله في بلاد العالم التي لم يجد فيها جمالاً يضاهي جمال قريته.

اتخذ جبران الطبيعة كرموز يُعبّر من خلالها عما يجيش في نفسه من مشاعر وعواطف شتى، واعتبرها ملهمة لدروس الحياة والحب والإخلاص. كما استخدم الطبيعة لبيان جمالية المكان، ولأخذ القارئ إلى عالم من صنع الخيال، بعيد عن الواقع الذي نعيش فيه، حيث يجد فيه كل ما يتمناه في واقعه، وما يحلم به من آمال وأمانٍ، فأحيا جبران الطبيعة وجعلها ذات شعور وإدراك مستوحياً منها الأفكار والخواطر والعبر، واستطاع بخياله المجنح ومقدرته الفذة أن يستنطقها معبراً بلسانها عن الحب والجمال.

كما اعتبر جبران الطبيعة ملجأ للإنسان من هموم الحياة ومبعث السعادة والسرور في القلوب.

رئاسة جبران خليل جبران للرابطة القلميّة

تأسست الرابطة القلميّة في نيويورك عام 1920م على يد نخبة من أدباء المهجر، وعلى رأسهم جبران خليل جبران الذي تولى رئاستها، وميخائيل نعيمة الذي كان مستشاراً لها، أمّا أعضاءها، فهم: إيليا أبو ماضي، ورشيد أيوب، ونسيب عريضة، وندرة حداد، وعبد المسيح حداد، ثمّ انضم إليها فيما بعد أحمد زكي أبو شادي، وكانت جريدة السائح تتولى مهمة نشر أخبارها وأشعارها، والحديث عن نشاطاتها، وجهودها المبذولة في التجديد.

أخذ أعضاء الرابطة على عاتقهم أمر التجديد في الشعر العربي، فقاموا بحملة عنيفة ضد الدين، واللغة، والتقاليد، ونادوا بالتحرر من اللغة التقليدية في الشعر، وبالرومانسية، والتصوف، والتأمل في أسرار الحياة والوجود، وقد سعى أعضاء الرابطة لأن يكون أدبهم حراً من كل قيد، فسطع نجمهم وحققوا شهرة عالمية واسعة.

الحب في حياة جبران

للحبِّ في حياةِ جبران مكانةٌ كبيرة؛ فهو ـ على غِرارِ الشعراءِ العُذْريِّينَ العرب، والرومانسيِّينَ في الغرب ـ يؤمِنُ بقضاءِ الحبِّ وقَدَريَّتِهِ التي لا قِبَلَ للإنسانِ بِرَدِّها أو تجنُّبِها، وقد كانتْ لجبرانَ حكاياتٌ كثيرةٌ في هذا العالَم؛ حيث أحَبَّ اثنتَيْ عشرةَ امرأةً، مِنهُنَّ تِسْعٌ يَكْبُرْنَهُ سنًّا، ومن هؤلاءِ النسوةِ ماري قهوجي، وماري خوري، وكورين روزفلت (أخت الرئيس الأمريكي)، ولكن كانتْ حكايةُ حُبِّهِ الأشهرِ مع الأديبةِ مي زيادة، التي لم يَرَها ولم تَرَهُ قط، فكانَتِ المُراسَلاتُ والخطاباتُ بينهما هي اللِّقاء.

مؤلّفات جبران خليل جبران

مؤلّفاته باللغة الإنجليزيّة ألّف جبران مجموعة من الكتب باللغة الإنجليزية نوردها مرتبة حسب صدورها كالآتي: (المجنون: صدر عام 1918م، النبي: صدر عام 1923م، رمل وزبد: صدر عام 1926م، يسوع ابن الإنسان: صدر عام 1928م، آلهة الأرض: صدر عام 1931م، التائه: صدر عام 1932م، حديقة النبي: صدر عام 1933م).

مؤلّفاته باللغة العربيّة، (عرائس المروج: صدر هذا الكتاب عام 1906م، الأرواح المتمردة: صدر هذا الكتاب للمرة الأولى عام 1908م في نيويورك، الأجنحة المتكسرة: رواية صدرت عام 1912م، دمعة وابتسامة: صدر عام 1914م، العواصف: صدر عام 1920م، البدائع والطرائف: صدر عام 1923م، مناجاة أرواح: صدر عام 1924م).

وفاته

توفي جبران خليل جبران في نيويورك في 10 نيسان/إبريل عام 1931م، وعن عمر يناهز 48 عاماً، نتيجة إصابته بمرض السل وتليف الكبد، وكانت رغبة جبران أن يدفن في لبنان، لذلك فقد نقل رفاته عام 1932م إلى لبنان حيث دفن في صومعته القديمة، والتي عرفت فيما بعد بمتحف جبران، وكان قد أوصى أن تكتب هذه الجملة على قبره: (أنا واقف الآن إلى جانبك؛ فأغمض عينيك والتفت تراني أمامك).

مصدر موقع المعرفة موقع قنطرة صحيفة العرب
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.