جان بيير فيليو يرصد المسار الواقعي لعدم تقدم العرب في أوليات التحرر والديمقراطية (4/5)

كان النظام السوري حذرا ومتخوفا من التواجد الأمريكي في العراق، خاصة وأن وزير خارجية أمريكا هدد النظام باستعدادهم لاحتلال دمشق، وحسب طريقة النظام السوري: رجل الإطفاء مشعل الحرائق فقد سهّل دخول الجهاديين إلى العراق من سورية ومن جميع أنحاء العالم.

154

الكاتب: جان بيير فيليو.
قراءة: أحمد العربي.
ترجمة: سامي عوني.
الناشر: مركز حرمون للدراسات المعاصرة/ط ١، ورقية، ٢٠١٨.

سابعا: الاستخدام الجيد للإرهاب ١٩٩١- ٢٠١١م

يتحدث الكاتب عن هذه الحقبة بصفتها ذروة الممارسات العنفية من الأنظمة الاستبدادية العربية عموما، وكذلك من الجماعات الراديكالية على تنوعها.

وقد طرح مقولة تعتبر نموذج لتصرف بعض الأنظمة وخاصة نظام حافظ الأسد: عصر رجال الإطفاء مشعلي الحرائق. فقد انتقل العمل العسكري لبعض مجموعات الفدائيين الفلسطينيين إلى طور خطف الطائرات، كما حصل في الأردن حيث خُطفت طائرتين عام ١٩٧٠م، وعمليات تفجير واحتجاز رهائن في ميونخ ١٩٧٦م، بعضهم يساريين وبعضهم إسلاميين، فهذا حزب الله اللبناني وبتوجيهات من الأسد وإيران يصفي كل المختلفين معه في لبنان ويصبح القوة الوحيدة هناك. يحتكر العمليات التفجيرية الكبيرة.

هذا وكانت إسرائيل قد طردت بعض الفلسطينيين عام ١٩٩٢إلى لبنان، وهم من حماس والجهاد الإسلامي، تلقفهم حزب الله والنظام السوري، تم تدريبهم على العمليات التفجيرية وأصبح لحماس والجهاد أجنحة عسكرية تفجر في إسرائيل وخارجها. وهكذا أصبح الإرهاب هو العدو الأول لأمريكا وحلفائها في العالم.

أما على الصعيد الشعبي العربي فلم يعد يحتمل الناس ما يعيشون من قهر وذل ونقص في الإمكانات وانعدام العمل والأمل، خرجت الانتفاضات، انتفاضة الخبز في مصر عام ١٩٧٧م. والانتفاضة الفلسطينية في فلسطين المحتلة، وفي المغرب عام ١٩٨١م. وفي تونس انتفاضة الخبز أيضا عام ١٩٨٤م.

أما على صعيد الأنظمة وتعاملها القمعي مع شعبها وتحركه لمطالبه المشروعة؛ الجزائر ترفض نتائج الانتخابات الديمقراطية ولا تعطي الإسلاميين دورهم السياسي، وتلغي نتائج الانتخابات وتبدأ باعتقال قياداتهم وناشطيهم تحت دعوى محاربة الإرهاب.

وكانت حصلت تطورات داخل البنية العسكرية الحاكمة في الجزائر، حيث أطاح خالد نزار المسؤول العسكري، بالديمقراطية الوليدة، وأجبر الرئيس بن جديد على الاستقالة، وتم استدعاء بوضياف أحد قادة جبهة التحرير من المغرب ليعيّن رئيسا شكليا لسلطة العسكر. لكنه راح ضحية اغتيال من حارسه الشخصي، وكأنه انقلاب داخل البيت، تم تصفية جبهة الخلاص الإسلامية وسجن رموزها عباسي مدني وعلي بلحاج.

وتم الرد من الاسلاميين بولادة الجماعة الإسلامية المسلحة الأكثر تشددا مستهدفة السلطة والعسكر والأمن، وعين الأمين زروال خلفا لخالد نزار في قيادة الجيش عام ١٩٩٥م، وشهدت الجزائر وفرنسا عمليات إرهابية نسبتها الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية لنفسها، ومن ثم تبدأ حربا بين النظام والجماعة الإسلامية راح ضحيتها الناس المدنيين العزل وبالآلاف.
انقسمت الجماعات الإسلامية المسلحة على نفسها، عجز النظام عن قهرها، لذلك عاد إلى محاولة التوافق معها، عُيّن بوتفليقة ليكون رئيسا للجزائر بدء من عام ١٩٩١م ولتبدأ مرحلة هدوء نسبي، كانت حصيلة هذه الحرب العبثية مئة وخمسين ألف قتيل من الشعب الجزائري.

وفي سياق آخر كانت أمريكا قد وعدت الدول العربية أنها ستحرك عجلة السلام بين العرب وإسرائيل كثمن لمشاركتهم في حرب تحرير الكويت. ووصول حال الشعب العراقي إلى ما وصل إليه من حياة مأساوية تحت حكم صدام حسين القمعي والدموي.

دعت لمؤتمر مدريد للسلام عام ١٩٩١م. ضمن مسار جماعي وفردي. سورية الأسد لم تستجب لهذا المسار. أما الأردن فقد صنع مع إسرائيل سلاما دائما. والفلسطينيين كانوا قد أخذوا مسارا سريّا في أوسلوا (١) أدت لحصول اتفاق بين عرفات ورابين رئيس وزراء إسرائيل أعطي الفلسطينيين غزة وأريحا عام ١٩٩٤م، ومن ثم في أوسلو (٢) توسع نفوذ عرفات ليمتد إلى الضفة في المناطق ذات الكثافة السكانية العربية بعد أن قسّمت إلى قطاعات ا ب ج. لكن اغتيال رابين عام ١٩٩٤ومجيء نتنياهو، وتزامن ذلك مع دعوة كلنتون الرئيس الأمريكي لمؤتمر سلام في شرم الشيخ عام ١٩٩٦م.

وفي مواجهة صعود حماس في غزة حاول نتنياهو تسميم خالد مشعل زعيم حماس، وانقذته الاردن وأفرج عن أحمد ياسين مؤسس حماس والأب الروحي لها. وجاء إيهود باراك إلى رئاسة الوزراء في إسرائيل، وقرر الانسحاب الكامل من الشريط الحدودي المحتل من لبنان، اعتبر ذلك نصرا لحزب الله. وفي مؤتمر بين باراك وعرفات في عام ٢٠٠٠م، اختلفوا على القدس، مقسمة وعاصمة لفلسطين وإسرائيل كما يريدها عرفات، وموحدة وتحت سلطة إسرائيل فقط كما يريدها باراك. وبقي الملف معلقا.

في خطوة تصعيدية زار شارون المسجد الاقصى واندلعت انتفاضة جديدة، انتجت عمليات تفجيرية داخل إسرائيل مجددا، كان نتيجتها انتخاب شارون رئيسا للوزراء في إسرائيل. استفاد شارون من الحرب على الإرهاب بعد تفجيرات نيويورك عام ٢٠٠١م، وحاصر أبو عمار في رام الله ويقال أنه سمّمه، ورحّل إلى باريس للعلاج ومات هناك عام ٢٠٠٤.

طويت صفحة أبو عمار، أنه لم يقبل ان يتنازل عن الحد الأدنى الفلسطيني: دولة على أرض فلسطين ما قبل حزيران ١٩٦٧م والقدس العربية عاصمة للدولة. وجاء محمود عباس بعد أبو عمار ليكون مجرد كومبارس يأخذ المتاح من إسرائيل وأمريكا، وينتظر دورا يوكل إليه في وقت ما قادم، وواقع الفلسطينيين يزداد سوءاً، حياة اقتصادية مؤسفة وقضم إسرائيلي للأراضي وبناء مستوطنات واعتقالات دائمة، وغياب أفق مع انعدام الأمل، إضافة لتحويل غزة إلى معزل مكتظ بالسكان تحكمه حماس والصراع بينها وبين إسرائيل مستمر ومصر وسيط التفاهم بينهم، وكل خلاف يكون ضحيته الناس في غزة مزيد من الحصار والجوع والتدمير والقتل بفعل القصف الإسرائيلي الذي لا ينقطع أبدا. غزة تعني الحياة في الجحيم.

يعود الكاتب متتبعا مسار القاعدة وتطوراتها، اختلف بن لادن مع السعودية حول دعم أمريكا لضرب العراق وتحرير الكويت عام ١٩٩٠م، طرد إلى باكستان، ومن هناك عاد إلى السودان وجعلها قاعدة له في نشاطه العالمي الجهادي، كان قد حصل تطورا بنيويا عنده، فقد التحق به أيمن الظواهري الجهادي المصري وأصبح نائبه في تنظيم صنعوه وأسموه: قاعدة الجهاد الإسلامي العالمي. كما حولت بوصلة القاعدة عدائها لتوجه إلى أمريكا والأنظمة التابعة لها مثل السعودية ومصر وغيرها.

إنها إعادة وعي عند بن لادن. أصبح حلفاء الأمس أعداء اليوم. حاول السودان أن يعيد تأهيله مع الأمريكان بأن يسلمهم بن لادن لكنهم رفضوا، هذا بعد أن سلم فرنسا كارلوس الإرهابي الدولي الذي كان قام بعمليات قتل وتفجير في فرنسا. حاول بن لادن أن يغتال مبارك في إثيوبيا عام ١٩٩٥م ولكنه نجا.

غادر بن لادن السودان عام ١٩٩٦م إلى أفغانستان ومن هناك أعلن الحرب على أمريكا، تحالف مع طالبان وقائدها الملا عمر، وكانت باكستان ممرا لوجستيا له وللقاعدة. كانت عمليات التفجيرية في سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا، واللتان خلفتا ضحايا بالمئات منهم ١٤ أمريكي، هي بواكير عمليات القاعدة ضد أمريكا. ردت امريكا بصواريخ على أفغانستان، في ذات المرحلة فتحت قطر محطة الجزيرة الفضائية التي تصرفت بمهنية وكانت شفافة وقريبة من واقع حال العرب والمسلمين. ظهرت وكأنها تنتهك الممنوع وتضع العرب أمام حقيقة ما يعيشون. لقد عممت السياسة وخلقت منبرا تنويريا معرفيا مهما. وفي هذه الأثناء كانت المنبر الذي يطل من خلاله بن لادن ويصرح عن عملياته وأهدافه ومراميه. لقد صنعت الجزيرة حضورا لم يكن ممكنا لولاها للقاعدة ولكل المعارضين العرب لأنظمتهم، لقد أحضرت الصوت الآخر الغائب منذ عقود عند العرب.

كانت هجمات الطائرات على أمريكا وتفجير أبراجها عملا قاسيا جدا عليها، استهدف كرامتها أكثر من نتائجها من قتلى وجرحى بالآلاف، لذلك قررت أن يكون ردها بحجم أمريكا وقوتها الدولية وليس بحجم الهجوم الإرهابي وما نتج عنه من خسائر. لذلك قرر جورج بوش خوض حروبا شاملة تحت دعوى محاربة الإرهاب ودعمته الأنظمة العربية وأغلب دول العالم.

كان هجومها الاول على أفغانستان واستطاعت إسقاط حكم طالبان وعينت كرزاي رئيسا يأتمر بأمرها. حوصر بن لادن والظواهري، ثم هربا إلى باكستان ودخلا في حالة التخفي والتواصل مع أنصارهم والعالم عبر الرسائل الصوتية.

كما كان ظهور الزرقاوي في العراق ممثلا للقاعدة كما وجود مبرر أن عند العراق أسلحة دمار شامل، كانا الذريعة لضرب العراق واحتلاله أيضا، سقط نظام صدام المتهاوي واعتقل وحوكم وأعدم بعد ذلك.

أصبح الزرقاوي مسؤول القاعدة في العراق منذ عام ٢٠٠٤م وشرعن بذلك التواجد الأمريكي في العراق، خاصة بعد أن ظهر أن لا أسلحة دمار شامل في العراق.

كان النظام السوري حذرا ومتخوفا من التواجد الأمريكي في العراق، خاصة وأن وزير خارجية أمريكا هدد النظام باستعدادهم لاحتلال دمشق، وحسب طريقة النظام السوري: رجل الإطفاء مشعل الحرائق فقد سهّل دخول الجهاديين إلى العراق من سورية ومن جميع أنحاء العالم، سوق نفسه بعد ذلك داعما لأمريكا في حربها على الإرهاب، وكان قد قدم لها بعض المعلومات المهمة وسلم لها بعض المطلوبين.

قُتل الزرقاوي في العراق عام ٢٠٠٦م بعد أن أسس وثبت طورا جديدا من القاعدة. دولة العراق والشام لاحقا داعش.

ثامنا: شيراك مواجهة الأسد الأب والابن.

لم تكن فرنسا راضية عن التواجد السوري في لبنان كصيغة احتلال، وخاصة تغول أجهزتها الأمنية وحزب الله قوتها المسلحة الوحيدة على الأرض في لبنان. لذلك عندما انتخب شيراك رئيسا لفرنسا عام ١٩٩٥م وكان صديقا لرفيق الحريري رئيس وزراء لبنان قرر دعم الحريري الذي استمر رئيسا للوزراء من عام ١٩٩٤ حتى عام ٢٠٠٤م.

حاول شيراك التفاهم مع بشار الاسد ابن حافظ الأسد الموكل إليه الملف اللبناني، استقبله ١٩٩٩م في باريس قبل رئاسته لسورية خلفا لأبيه المتوفى عام ٢٠٠٠م. حضر شيراك جنازة الأسد وراقب تغيرات الدستور السوري ووراثة بشار للسلطة خلفا لوالده في سورية، السلاسة والدقة، استقبل بشار الأسد في باريس عام ٢٠٠١م وبحثوا في ملف إعادة إعمار لبنان بعد مضي سنوات الحرب الاهلية الطويلة. لكن ضرب القاعدة لأمريكا أعاد وضع لبنان للخلف عند فرنسا وشيراك. لكن النظام السوري استمر بحضوره الطاغي في لبنان، جدد للرئيس لحود، ولم يستسلم لقرار مجلس الأمن في الخروج السوري من لبنان، ورد على ذلك باغتيال الحريري عام ٢٠٠٥م، مما أدى لقلب موقف شيراك من الأسد وحوله إلى عدو، لكنه لم يستطع أن يفعل شيئا اتجاهه، فقد استطاع أن يسوق نفسه محاربا للإرهاب عند الأمريكان.

بعد انتخاب ساركوزي رئيسا لفرنسا، عاد لفكرة التوافق مع الأسد حول لبنان المهم بالنسبة لفرنسا. واستقبل ساركوزي بشار الأسد عام ٢٠٠٨م في باريس.

كل هذه المتغيرات أكدت أن الغرب لم يجد بدا من دعم الدكتاتوريات المسيطرة على المنطقة العربية إن كان يريد أن يكون له حضور ودور. لقد تصرفوا وفق مصالحهم مع ادراكهم ان هذه الأنظمة استبدادية وتضطهد شعوبها وتستغلها وتستعبدها.

دعمت الأسد في سورية وبن علي في تونس، وتوارت خلف ضرورة الصمت عن الحكام المستبدين، لأنهم مهمين في حربهم مع داعش التي خدمت الأنظمة بعملياتها الاستعراضية في أوروبا والمنقولة عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي.

لقد تأبّد الاستبداد العربي. هذا دون التحدث عن الأنظمة الملكية والاميرية الحاكمة منذ عقود، وأما الجمهوريات فإن بشار الاسد جاء وريثا لأبيه وكذلك علي صالح في اليمن، والقذافي في ليبيا ومبارك في مصر. جميعهم جهزوا أولادهم لوراثتهم في الحكم.

هذه هي الصورة السياسية في بلادنا العربية عشية الربيع العربي القادم عام ٢٠١١م.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.