جان بيير فيليو يرصد المسار الواقعي لعدم تقدم العرب في أوليات التحرر والديمقراطية (2/5)

كانت الفترة من خروج المستعمر الغربي من أغلب البلاد العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سنة السبعين، ممتلئة بمتغيرات الصراع داخل الدول للاستحواذ على السلطة بكل الأساليب الممكنة.

258

الكاتب: جان بيير فيليو.
ترجمة: سامي عوني.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: مركز حرمون للدراسات المعاصرة/ط ١، ورقية، ٢٠١٨

رابعا: نصف قرن من الاستقلال ١٩٢٢- ١٩٧١.

لم يستسلم العرب في كل الدول المستعمرة ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها لواقع الاحتلال، وبدأ كل بلد يواجه المحتل بطريقته الخاصة.

ففي مصر بعد مطالبة سعد زغلول باستقلال مصر ونفيه، لم يهدأ الشارع المصري بمواجهة الإنكليز، فقد حصلوا على إعلان استقلال، صحيح أنه شكلي لكنه تواكب مع استمرار التعليم باللغة العربية، وانتشرت الطباعة، كما كانت ولادة تنظيم الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام ١٩٢٨م، والذي سيكون له شأن مستمر حتى اليوم.

أما في تونس فقد نشأ الحزب الدستوري الذي دعا لتحرير تونس على يد عبد العزيز الثعالبي، وانشق عنه حزب الدستور الجديد على يد بورقيبة، متجاوزا المؤسس صالح بن يوسف. بورقيبة الذي سيكون محررا لتونس بعد حين عبر مفاوضات مع الفرنسيين.

كما ظهر في الجزائر عبد الحميد بن باديس يعيد الجذوة لاستمرار النضال للتحرر من الفرنسيين ومشكلا بدايات ظهور جبهة التحرير الجزائرية بعد ذلك في الخمسينات التي سيكون فضل تحرير الجزائر من الفرنسيين بعد سقوط مليون شهيد.

أما لبنان فقد فرض عليه المستعمر دستورا طائفيا عام ١٩٢٦م، وكذلك في سوريا. وتحتل إيطاليا ليبيا، وتقوم ثورتها ويقبض على قائدها عمر المختار ويعدم، أما ألمانيا فسيكون لها دور بتهجير اليهود هربا منها إلى فلسطين تجهيزا لإعلان الدولة الصهيونية بعد خروج الإنكليز في عام ١٩٤٨م. لم يستسلم الفلسطينيين لواقع الاستيطان اليهودي، وتقوم ثورة ١٩٣٦م وتستمر لسنوات.

أما الجامعة العربية التي تشكلت من سبع دول عربية في عام ١٩٤٥م فقد رفضت تشكيل دولة إسرائيل عام ١٩٤٨م وواجهتها بحرب الإنقاذ، التي انتصر فيها اليهود وتوسعوا بدولتهم إلى ما مساحته ٧٧ بالمئة من أراضي فلسطين، وحصل لجوء جماعي فلسطيني بمئات الآلاف وكان مجلس الأمن قد قسم فلسطين عبر قرار دولي رقم ١٨١، قسّم بين العرب واليهود رفضه العرب، وحاربوا وانهزموا. ثم قرار حق العودة للفلسطينيين رقم ١٩٤عام ١٩٤٨م.

وكانت فرنسا قد خرجت من سوريا ولبنان ١٩٤٦م. وبريطانيا من العراق في ذلك التاريخ. في ذلك الوقت كان المغرب قد توحد تحت سيطرة الملك محمد الخامس، واستقلت الجزائر عام ١٩٦٢م. كما كان لاستقلال الدول دور في تهجير يهود البلاد العربية إلى إسرائيل الوليدة وهذا خدمها بالزيادة البشرية. واستقلت الكويت ١٩٦١م، وانسحاب بريطانيا من اليمن الجنوبي عام ١٩٦٧م، وأصبحت دولة شيوعية. تحررت قطر والبحرين والإمارات وعمان من الإنكليز عام ١٩٧٠م.

وفلسطين صارت أغلبها دولة إسرائيل، والضفة الغربية ضم للأردن، مع سيطرته على القدس والأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية.

خامسا: عشرون عاما من الانقلابات ١٩٤٩- ١٩٦٩.

كانت الفترة من خروج المستعمر الغربي من أغلب البلاد العربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى سنة السبعين، ممتلئة بمتغيرات الصراع داخل الدول للاستحواذ على السلطة بكل الأساليب الممكنة.

ففي سوريا كانت الدولة السورية الوليدة عام ١٩٤٦م ببنيتها البرلمانية ورئيس منتخب قد واجهت حرب ١٩٤٨م مع دولة إسرائيل الوليدة، وهزمت سوريا ومصر في ذلك الوقت. خوّن قادة الجيش وعلى رأسهم حسني الزعيم السلطة في سوريا وقام بانقلابه الأول ١٩٤٩م وتلاه انقلاب سامي الحناوي وبعده أديب الشيشكلي الذي ألغى المظاهر الديمقراطية كاملة، وكان لأديب الشيشكلي أعمال عنفية شديدة على جبل العرب. ولكن عاد مجموعة من الضباط وانقلبوا عليه وأعادوا السلطة للمدنيين الذين استمروا في حكم البلد إلى أن حصل متغيرا عربيا دفع السلطة في سوريا مع قيادات جيشها وأحزابها للتوحد مع مصر.

مصر التي شاركت في حرب ١٩٤٨ في فلسطين ضد إسرائيل وهزموا أيضا. عاد عبد الناصر من الهزيمة وهو يفكر بالسلطة الملكية الفاسدة، وقرر مع ضباط آخرين، كانوا شكلوا تنظيم الضباط الأحرار أن يصنعوا ثورتهم التي أسقطت الملكية وبنت دولة جمهورية بقيادة ناصر نفسه.

ناصر الذي سيكون له دور في إجلاء الإنكليز عن مصر وتأميم قناة السويس، التي جعلته قائدا ورمزا على المستوى العربي. رفضت بريطانيا وفرنسا ومعهم إسرائيل تأميم القناة وقاموا بعدوانهم الثلاثي على مصر. احتلوا القناة وإسرائيل تقدمت واحتلت سيناء، لكن التدخل الأمريكي، والتهديد الروسي، جعل إسرائيل تنسحب من سيناء وينسحب الإنكليز والفرنسيين من قناة السويس، وكان ذلك نصرا لعبد الناصر، وانعكس ذلك عربيا وخاصة سوريا، حيث توافقت السلطة مع طبقة ضباط الجيش مع الشعب للتقدم خطوة للوحدة مع مصر عبد الناصر.

سوريا التي كان الفكر القومي العربي متغلغلا فيها عبر حزب البعث الذي كان له امتداد مدني وعسكري ساعد كل ذلك على تحقيق الوحدة المصرية السورية عام ١٩٥٨م. الوحدة الحلم يراها الضباط السوريين امتيازا للضباط المصريين. كما رفضها المحور المعادي لناصر والمكون من السعودية، التي وجدت بناصر وثورته وتوسعه تهديدا له.

وكانت السعودية قد استوعبت الإخوان المسلمين الذين اضطهدهم عبد الناصر، بعد إبعادهم عن الحكم وهم شركاؤه بالثورة، وبعد أن حاولوا اغتياله. اعتقل الكثير وخاصة سيد قطب رمزهم الفكري والتنظيمي، وأعدمه، صنع بذلك شقاقا لا حل له.

دعم السعوديون إسقاط الوحدة المصرية السورية، وسقطت الوحدة عام ١٩٦١م. تساندت أسباب عدة على اسقاطها، تمرد الضباط السوريون، دعم خارجي سعودي ودولي ضد الوحدة، عدم ادارة الخلافات في الإقليم الشمالي في سوريا بشكل صحيح.

لم يدم الانفصال أكثر من عامين. كان الجناح العسكري لحزب البعث بقيادة محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وكلهم علويين، إضافة لإسماعيلي آخر. رحبوا بالانفصال وفكروا بدولتهم الخاصة، وفي العمق لديهم مشروعهم الطائفي.

التقى جهد التنظيم العسكري للبعث مع ضباط ناصريين لإسقاط الانفصال وهكذا حصل، سرعان ما استبعد اللجنة العسكرية من البعثيين الضباط الناصريين، ثم استبعدوا محمد عمران ونفي إلى لبنان، واستفرد حافظ الأسد وصلاح جديد بالقيادة السياسية والعسكرية في سوريا بعد عام ١٩٦٦م، وسرعان ما ابعد الأسد جديد من السلطة ووضعه بالسجن إلى ما قبل موته بقليل، استمر ذلك عقود من السنين. منذ ١٩٧٠ أصبحت سوريا جمهورية الأسد وأخذت مسارا مختلفا.

أما مصر فقد حاول عبد الناصر أن يعيد الوحدة بالقوة عام ١٩٦١م  لكنه تراجع أخيرا والتفت إلى الداخل المصري وأخذ مسارا اشتراكيا، وأصبح أمام مشكلة تصعيد عسكري بين إسرائيل وسوريا عام ١٩٦٧م، أغلق مضائق تيران، واستفز إسرائيل التي كانت تعد لحرب ستهزم العرب مجددا وتحتل الجولان السوري والضفة الغربية مع القدس وسيناء، وتسمى هزيمة حزيران ١٩٦٧م حصلت بستة أيام فقط.

سيعمل عبد الناصر لترميم جيشه وتجهيزه لحرب تحرير، سيشارك بمنع مذبحة الفدائيين الفلسطينيين في الأردن ويموت فجأة وتخلو الساحة بغياب عبد الناصر عام ١٩٧٠م. ويأتي السادات مكانة في مصر.

أما في العراق فالوضع لا يختلف عن سوريا فبعد خروج المستعمر الإنكليزي واستلام الملكية السلطة سيثور الجيش عليهم أيضا. الجيش الذي تغلغل فيه حزب البعث أيضا، وكان الرئيس بداية عبد السلام عارف من الناصريين، لكن البعثيين انقلبوا عليه وجاء أحمد حسن البكر، ومن ثم سينقلب عليه قريبه ومن ذات حزب البعث صدام حسين ١٩٦٩م ويستمر رئيسها عقود طويلة.

أما الأردن فقد ثبت حكمه الملكي وتحالف مع الغرب الإنكليز ثم الأمريكان، كانت صلاته مع الإسرائيليين مستمرة رغم تورطه في حرب ١٩٦٧م وخسارته للضفة الغربية والقدس. استعان بالإخوان المسلمين في حكمه. اختلف مع التواجد الفدائي الفلسطيني الذي صنع دولة داخل دولة، وحاربهم الملك حسين عام ١٩٧٠م في أيلول الأسود. تدخل ناصر وأوقف الصراع وخرج الفلسطينيين إلى لبنان ومات عبد الناصر وطويت صفحة.

أما الفلسطينيون فقد عمل عبد الناصر على خلق شرعية خاصة لهم فساعد في بناء منظمة التحرير الفلسطينية. بقيادة أحمد الشقيري. وعلى مستوى آخر كان أبو عمار ياسر عرفات ومعه مجموعة من الفلسطينيين قد قرروا بناء عمل مسلح خاص بهم. وأعلنوا عن تشكيل منظمة فتح ١٩٦٥م وقامت بعمليات عسكرية ضد إسرائيل، كان أهمها معركة الكرامة على الحدود بين الأردن وفلسطين، انهزم فيها الإسرائيليون وزادت قوة الفدائيين بزعامة أبو عمار، وأصبح الفدائيين عبأ على الأردن خاصة أنه حصل اختطاف طائرات إلى الأردن، من فدائيين فلسطينيين، وأصبح هناك دولة ضمن الدولة، كان أبو عمار قد أصبح رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية خلفا للشقيري. حاربهم الملك حسين وأنقذهم عبد الناصر وبدؤوا مسارا جديدا بعد سنة ١٩٧٠م في لبنان.

أما الجزائر فقد استقلت وخرج المستعمر الفرنسي، وكان رئيسها أحمد بن بلا رمزها الوطني ووزير دفاعه هواري بو مدين، الذي اختلف مع بن بلا وانقلب عليه واستلم السلطة بشكل مطلق.

كذلك الحال في ليبيا حيث تحرك القذافي مع مجموعة من الضباط وقام بحركته الانقلابية ضد الملك السنوسي، واستلم حكم ليبيا عام ١٩٦٩م. استمر رئيسا إلى أن قُتل عام ٢٠١١م على يد الثوار.

وهكذا ما إن جاء عام ١٩٧٠م حتى كانت قد ترسخت الدول الاستبدادية العسكرية. مصر السادات سوريا حافظ الاسد، العراق صدام حسين، الجزائر هواري بو مدين، تونس الحبيب بو رقيبة، ليبيا معمر القذافي والسودان وانقلاب جعفر النميري. هذا إضافة للأنظمة الملكية المؤبدة سلطتها في بعض الدول مثل السعودية ودول الخليج العربي.

إقرأ المزيد:

جان بيير فيليو يرصد المسار الواقعي لعدم تقدم العرب في أوليات التحرر والديمقراطية (1/5).
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.