ثورية المثقف

الفعل الثقافي فعل ثوري مجرّد، يرفض كل واقع ذهني ويومي

الأيام السورية؛ علي الأعرج

المثقف الذي لا يُطبّق مقولة الشاعر محمود درويش “لا شيء يعجبني”، بحالة الرفض الكامل، والثورة التمردّية على كل شيء، واتجاه أي شيء حاصل على الأرض في أي زمان ومكان، ليس سوى شبح ثقافي لا يقدّم خدمة إلا لمستعبدي الشعوب.

يقسّم المفكّر الإيطالي، أنطونيو غرامشي، المثقف إلى نوعين: المثقف التقليدي، الذي يستمر بأداء عمل واحد دون قدرة على تجاوز الروتين العقلي، والمثقف المنسِّق، الذي يرتبط مع السلطة، ويعمل في مشاريعها لتبقى أكثر سيطرة، رغم الحركة الدائمة له التي تؤدي إلى التجديد. هذه الرؤية الغرامشية قبل قرن تقريباً، لم تعد تفي حق الشخص الذي ينتمي إلى هذا المجال، لقد أصبح المثقف أكثر حظوة من ناحية السقوط في الشارع والتعامل اليومي به.

لقد رسّخت تجربة الحروب المعاصرة، رؤية عميقة للعقل الثقافي بأنه أكثر فرزاً طبقياً، وبالتالي أكثر قدرة على فهم مهمة الثقافة وطريقة تعاطيها الثورية اتجاه السلطات.

إنّ التعريف الدقيق للسلطة، هي فرض أنماط سلوكية اتجاه بيئة اجتماعية ما، لتحقيق نوع من المعادلات التوازنية، وهذا هو التعريف الأبسط مقارنة بالتعريف التفصيلي للمفهوم الذي يقول، بأن السلطة هي القوة الحتميّة للقوانين الطبيعية، التي تظهر متعاقبة لتشكيل البناء الفيزيائي والاجتماعي للعوالم البشرية. لكن بكلا التعريفين، نستطيع أن نفهم السلطة، بأنها قوة تمارس على الأكثرية الشعبية أنماط ذهنية معينة لتبقى سائدة عليهم. إذا السلطة هي بشكل ما، حالة فرض سياسي، وقد تصل إلى مرحلة الإكراه والقمع. ومن هذا المفهوم نستطيع أن نقول، بأنّ مهمة المثقف الحالية، لم تعد شكل توافقي لإيجاد حلول مع مفهوم السلطات، بل أصبحت ضرورة رفضيّة لإسقاط أي نوع من السلطة. إنها شكل إسقاط لكل تجربة تؤدلج المعرفة بما يتوافق مع البعد السياسي لها.

مهمة المثقف الحالية، لم تعد شكل توافقي لإيجاد حلول مع مفهوم السلطات، بل أصبحت ضرورة رفضيّة لإسقاط أي نوع من السلطة

بمعنى، لنفترض بأن سلطة ما، رغم وجود قانون ودستور يحكم بين الناس، قد استلمت زمام الأمور في الدولة. هذه السلطة بالمفاهيم المجردة، السياسية، أو الدينية، أو الأخلاقية، تتعامل مع الفهم العام على أنه مشروع يخصّ تلك السلطة أو تسيّر الأمور بمنهجها أو كما تراه هي صحيحاً. هذا المنهج السلطوي له سقف لا يسمح لأي نوع معرفي بتجاوزه. الآن إذا كانت الثقافة هي أن تعمل في الحقل المعرفي، على خلاف نوعه، يصبح ضرورة قمع هذه الحقل واجب سلطوي، وبالتالي؛ يُفترض على المثقف ألا ينتمي إلى السلطة، بل أن يسعى دائماً لتفكيك بنيتها ومحاربتها، حتى وإن كان في لحظة الثورة قد ساعد في وجودها. قد يبدو المبدأ تناقضياً، لكن لنشرّحها بطريقة أخرى.

لنفترض أن نظاماً إيديولوجيا متديناً (الإخوان) وصل إلى السلطة، وحقق العدالة الاجتماعية، وجعل الدستور هو السيد الفاصل سياسياً، لكن هذه السلطة تفترض طريقة تربية اجتماعية وذهنية تؤدلج فيها الناس ليكونوا قطعاناً يدافعون عن تلك السلطة. هذه السلطة قد تسمح لك بتطوّر الحقل المعرفي اللغوي، لكنها لن تسمح لك أبداً بتطوّر الحقل المعرفي الأنثربولوجي، لأنها حينئذٍ تكون قد بدأت تهدد نظامها الإيديولوجي نفسه، أي بدأت تهدد سلطتها الذهنية وحتى التطبيقية كقانون تنفيذي أو تشريعي. لأن بنيتها السلطوية الإيديولوجية تقوم على مفهوم التصوّر الغيبي إزاء كثير من المسائل، فهي لن تسمح بدراسة أصل الإنسان إلا ضمن منطق الغيب.

ذات الأمر ينطبق مع سلطة راديكالية بطريقة تعاطيها مع مفهوم العلمنة (كالشيوعية)، هذه السلطة قد تسمح بانتشار الحقل المعرفي الأنثربولوجي، لكنها لن تسمح بانتشار الحقل المعرفي المختص بالاجتهادات الدينية مثلاً، أو انسياق وراء الرؤى الأكثر مثالية في الاستسلام للتصورات الشعبية الروحيّة، لأنها أيضاً تكون قد بدأت تهدد نظامها السلطوي الإيديولوجي، القائم على إغراق الإنسان في البعد المادي الإنتاجي، الاقتصادي والفكري. هذين النموذجين يمكن تطبيقهما على أي أنواع من السلطات، التي تتجسد مهمتها الأساسية في إغراق الشعوب داخل بوتقة بُعد واحد، وما التنويع الاجتماعي ضمنها إلا حالة انصياع لتمرّد لا يخرج من دائرة سياسية، متحكّمة به كلياً.

إن الفعل الثقافي هو فعل ثوري مجرّد، لا يرتبط بثورة سياسية، بل برفض شامل لكل واقع ذهني ويومي، نقد دائم لكل تصوّر والسعي لتفكيكه وإسقاطه

دور المثقف هو دور مجرّد اتجاه المفاهيم، بالرفض الكليّ لأي نوع من السلطة. حالة التمرّد الدائم والمطلق لأي نوع من الثبات العقلي الذي تمارسه السلطات. تكمن المعضلة الأساسية، في حالة خلق ذلك المثقف الذي يثور على نمط قديم، ثم يصبح طيّعاً اتجاه السلطة التي تحقق له الرضا الاجتماعي والاقتصادي، إنها حالة فاوستية مطلقة، في بيع الروح لقوة الحضور البراغماتي. البيع العقلي والروحي لمفهوم السلطة.

إن الفعل الثقافي هو فعل ثوري مجرّد، لا يرتبط بثورة سياسية، بل برفض شامل لكل واقع ذهني ويومي، نقد دائم لكل تصوّر والسعي لتفكيكه وإسقاطه. الحالة الثقافية هي حالة تصارعية مع السلطة، لا يمكن أن تتحدد بزمن وتنتهي، إنها شكل مستمر لعدم الانصياع. ببساطة عندما تشاهد شخصاً يتمثّل الحالة الثقافية، ويندمج ولو جزئياً مع الشكل السلطوي القائم، أو مع الشكل السلطوي الذي قد يقوم فيما بعد، كحالة ثورة ناشئة، فهو أخطر من السلطة السياسة التي قد تقمع بشكل مباشر، من خلال تطويع الناس، ترهيباً أو ترغيباً التفافياً على مفاهيمهم.

على المثقف أن يقتنع تماماً بأنه عندما يثور على سلطة، لا ليسود بعد تحقيق الفعل الثوري، بل ليبقى في حالة اكتشاف أبعاد جديدة لإسقاط الثورة وإيجاد ثورة أخرى، لأن السلطة تمتلك سقفاً والمثقف لا يمتلك. تماماً مثل الشعوب، عندما يصبح لها سقف معين، تصبح مُستعبدة للأبد. المثقف هو حالة اندماج كلّي مع جميع الحقول المعرفيّة لتشريح المفاهيم الثابتة التي يعتادها الناس، لأن الاعتياد يؤدي إلى استعباد.

بشكل مبسط يمكن أن نقول؛ بأن الفعل الثقافي هو فعل مشاكسة ومناكدة لكل أنواع السلطات وللأبد. فعل يخرج من الشارع ويعمل للشارع دون أن يعتاد الشارع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.