ثنائية النقاش في الثقافة

الأيام السورية؛ علي الأعرج

مع نهاية الألفية الماضية وبداية الألفية الجديدة، بدأ شكل العالم الإعلامي في الوطن العربي يتغير كلياً، وبدأت حالة كسر تابوهات الانغلاق المعرفي والسياسي التي كانت تفرضه الحكومات على شعوبها. بدأنا نعي بأن هناك أراء، من حقنا كشعوب طرحها علناً ومناقشتها دون خوف، ولو أنها بقيت حبيسة جدران لفترة من الوقت، قبل أن تنفجر بعد ذلك بسنوات ونخوض تجربة الثورات العربية.

كانت أولى مراحل تفجير ذلك الوعي بأحقية الآراء، قد تجسدت من خلال بعض البرامج الحوارية، ما يُعرف اليوم باسم الرأي والرأي الآخر. وكثير من البرامج اللاحقة التي بدأت تأخذ نفس المنحى بالصراع الثنائي بين مع وضد؛ وفي تلك المرحلة كانت هذه البرامج مثيرة للإعجاب والجدل الجماهيري، وبطريقة ما كانت تزرع أملاً بأن هناك تغيير سيأتي على هذه الشعوب البائسة، ولو أن الواقع فيما بعد أثبت عدم جدواها.

اليوم فهمنا أن تلك البرامج لم تكن سوى نوع من عُصاب ثقافي لم يكن له مهمة سوى تفريغ الحقد الشعبي، ويحمل آلية مُغرقة في التراث العربي.

فهذه البرامج الحوارية لا تُعالج قضية أو تحل مشكلة بقدر ما تزيد نسبة الصراع والصراخ وإزعاج الناس دون الوصول لهدف. لا وجود لآلية علمية في تحديد المعضلة المُناقشة؛ أنت كمتابع سترى حقيقة ما يناسبك بحسب موقف المتحاورين المسبق، فإن كان لديك مشكلة مع النظام سترى الحقيقة مع المعارض وإن كان العكس سترى الحق مع صاحب السلطة، وذات الأمر ينطبق على ثنائيات النقاش في الدين والطائفة والجنس والأخلاق.

الإعلام الذي بهرنا في فترة من الفترات، والحوارات المضادة التي سكّنت ألم الناس وأعطتهم أمل زائف بالحرية، ليس سوى شكل قائم على المنطق الثقافي القديم بأن هناك صح وخطأ، يجوز ولا يجوز، حلال وحرام. لا وجود لنقاش عقلاني يصل بنا إلى فهم معضلاتنا الحياتية والفكرية.

وإلى اليوم ما زال الإعلام الحواري العربي يمارس ذات الصيغة. الإعلام المصري عندما يحاور أزهري وملحد أو بين شيخ وقسيس. مستوى من العصاب الثقافي والضجيج الذي لا فائدة منه.

اليوم فهمنا أن تلك البرامج لم تكن سوى نوع من عُصاب ثقافي لم يكن له مهمة سوى تفريغ الحقد الشعبي، ويحمل آلية مُغرقة في التراث العربي.

هذا الشكل الحواري ليس سوى نتاج تاريخي لمنطق الحلال والحرام الذي نشأت شعوبنا عليه. هناك شيء وحيد صحيح والباقي خاطئ ويجب نفيه.

العقل الثقافي العربي والحواري القائم، إلى اليوم لم يستوعب أن الحقيقة ليست ملك جهة أو شخص أو فئة، وبأن الحقيقة يمكن أن تكون لدى الجميع، وأن المشكلة لا تكمن بالمذهب الفكري الذي تؤمن به، بل بالقمع الفردي الذي من خلاله يمكن أن تفرض رأياً وتجعله يسود دون قبولك للآخر.

هذا الإطار الفكري نابع من تراث تفقّهي، إما أن تكون معي وإما لا. والمسألة هنا لا ترتبط فقط بالحوارات والثقافة والإعلام، بل هي جذر أساسي لجميع الديكتاتوريات اللاحقة التي تأخذ مشروعيتها من هذه الثنائيات التحريمية. إنها نمط من الأبوية التي نتنفس من خلالها، علاقتنا معها، ونأخذ شكل الحياة من أوكسجينها. إنه الجذر وما تبقى هم الأطراف. كمثال القائد الأب الخالد، الذي يرعى الفنون ويحمي الوطن وينصر الفقراء ويدعم المعلمين ويحن على الأمهات. إنه شكل الحياة الجامع والباقي لا قيمة له إلا من خلاله.

هذا الإطار الفكري نابع من تراث تفقّهي، إما أن تكون معي وإما لا. والمسألة هنا لا ترتبط فقط بالحوارات والثقافة والإعلام، بل هي جذر أساسي لجميع الديكتاتوريات اللاحقة التي تأخذ مشروعيتها من هذه الثنائيات التحريمية.

هذه الصورة الممارسة في كل الديكتاتوريات والتي تنتقل إلى الوعي العربي بكافة مناحيه ليست سوى شكل لمفهوم الثنائية الحق والصواب والباقي خاطئ. إنها الجذر الفقهي للتراث.

وهنا يجب أن نفهم بأن ما نعانيه اليوم ليس سوى شكل الأمس، فإن أردنا بعمق تحقيق الحرية فيجب أن نلغي الأمس، ليس إلغاء بمعنى النفي، بل التجاوز بمعنى العقل وفهم بأن الإنسان هو الصورة الأمثل للوجود وهو الكيان المستقل ولا معنى لوجودنا من خلال الثنائيات. الجميع يمكن أن يكون محقاً وعلى صواب ما دام يلتزم بحرية أفكاري وسلوكياتي التي لا تؤذي الأخر فيزيولوجياً.

لقد طبعت هذه الثنائية الفقهية التراثية وعينا العربي بأكمله، ونلاحظها بأبسط الأشكال المدنيّة، لماذا لا تضحك على ما أراه أنا مضحكاً، ولماذا لا تحب ما أحبه أنا!.

في هذا المستوى الاجتماعي نلاحظ هذه السلوكيات البسيطة واليومية، وإعطاء أحكام قطعيّة بتهم مبطّنة كإدانة، وفي أبسط الأشكال استهجان غير مبرر. كيف لا تحب فيروز وكيف لا تشرب القهوة وكيف لا تأكل اللحوم!. هذه الأشكال البسيطة تمتد إلى مستويات أعمق من أشكال الحياة والتفكير والفلسفات والآراء والسياسات. إما أن تكون معنا وأما أنت معهم ويجب أن تُباد.

حتى الثقافة المعاصرة ليست سوى نمط من تلك الثنائيات. رغم كل ما وصلنا إليه، ما زلنا لليوم نعيش هذا الصورة التدميرية لأي محاولة للخلاص والتطور، ثنائية المع والضد، الحلال والحرام، الرأي والرأي الآخر، بتفصيل أنّ أحدهما على حق والآخر خطأ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.